معاني كلمات القران الكريم




فهرس معاني الكلمات001 الفاتحة ►002 البقرة ►003 آل عمران ►004 النساء ►005 المائدة ►006 الأنعام ►007 الأعراف ►008 الأنفال ►009 التوبة ►010 يونس ►011 هود ►012 يوسف ►013 الرعد ►014 إبراهيم ►015 الحجر ►016 النحل ►017 الإسراء ►018 الكهف ►019 مريم ►020 طه ►021 الأنبياء ►022 الحج ►023 المؤمنون ►024 النور ►025 الفرقان ►026 الشعراء ►027 النمل ►028 القصص ►029 العنكبوت ►030 الروم ►031 لقمان ►032 السجدة ►033 الأحزاب ►034 سبأ ►035 فاطر ►036 يس ►037 الصافات ►038 ص ►039 الزمر ►040 غافر ►041 فصلت ►042 الشورى ►043 الزخرف ►044 الدخان ►045 الجاثية ►046 الأحقاف ►047 محمد ►048 الفتح ►049 الحجرات ►050 ق ►051 الذاريات ►052 الطور ►053 النجم ►054 القمر ►055 الرحمن ►056 الواقعة ►057 الحديد ►058 المجادلة ►059 الحشر ►060 الممتحنة ►061 الصف ►062 الجمعة ►063 المنافقون ►064 التغابن ►065 الطلاق ►066 التحريم ►067 الملك ►068 القلم ►069 الحاقة ►070 المعارج ►071 نوح ►072 الجن ►073 المزمل ►074 المدثر ►075 القيامة ►076 الإنسان ►077 المرسلات ►078 النبأ ►079 النازعات ►080 عبس ►081 التكوير ►082 الإنفطار ►083 المطففين ►084 الانشقاق ►085 البروج ►086 الطارق ►087 الأعلى ►088 الغاشية ►089 الفجر ►090 البلد ►091 الشمس ►092 الليل ►093 الضحى ►094 الشرح ►095 التين ►096 العلق ►097 القدر ►098 البينة ►099 الزلزلة ►100 العاديات ►101 القارعة ►102 التكاثر ►103 العصر ►104 الهمزة ►105 الفيل ►106 قريش ►107 الماعون ►108 الكوثر ►109 الكافرون ►110 النصر ►111 المسد ►112 الإخلاص ►113 الفلق ►114 الناس ►

مراجع في المصطلح واللغة

مراجع في المصطلح واللغة

كتاب الكبائر_لمحمد بن عثمان الذهبي/تابع الكبائر من... /حياة ابن تيمية العلمية أ. د. عبدالله بن مبارك آل... /التهاب الكلية الخلالي /الالتهاب السحائي عند الكبار والأطفال /صحيح السيرة النبوية{{ما صحّ من سيرة رسول الله صلى ... /كتاب : عيون الأخبار ابن قتيبة الدينوري أقسام ا... /كتاب :البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء ا... /أنواع العدوى المنقولة جنسياً ومنها الإيدز والعدوى ... /الالتهاب الرئوي الحاد /اعراض التسمم بالمعادن الرصاص والزرنيخ /المجلد الثالث 3. والرابع 4. [ القاموس المحيط - : م... /المجلد 11 و12.لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور ال... /موسوعة المعاجم والقواميس - الإصدار الثاني / مجلد{1 و 2}كتاب: الفائق في غريب الحديث والأثر لأبي... /مجلد واحد كتاب: اللطائف في اللغة = معجم أسماء الأش... /مجلد {1 و 2 } كتاب: المحيط في اللغة لإسماعيل بن ... /سيرة الشيخ الألباني رحمه الله وغفر له /اللوكيميا النخاعية الحادة Acute Myeloid Leukemia.... /قائمة /مختصرات الأمراض والاضطرابات / اللقاحات وما تمنعه من أمراض /البواسير ( Hemorrhoids) /علاج الربو بالفصد /دراسة مفصلة لموسوعة أطراف الحديث النبوي للشيخ سع... / مصحف الشمرلي كله /حمل ما تريد من كتب /مكتبة التاريخ و مكتبة الحديث /مكتبة علوم القران و الادب /علاج سرطان البروستات بالاستماتة. /جهاز المناعة و الكيموكين CCL5 .. /السيتوكين" التي يجعل الجسم يهاجم نفسه /المنطقة المشفرة و{قائمة معلمات Y-STR} واختلال الص... /مشروع جينوم الشمبانزي /كتاب 1.: تاج العروس من جواهر القاموس محمّد بن محمّ... /كتاب :2. تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب : تاج العروس من جواهر القاموس

بؤامج نداء الايمان

النُخْبَةُ في شِرعَةِ الطلاق/مدونة ديوان الطلاق//المسائل الفقهية في النكاح والطلاق والمتعة والرجعة

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني / / /*الـذاكـر / /القرآن الكريم مع الترجمة / /القرآن الكريم مع التفسير / /القرآن الكريم مع التلاوة / / /الموسوعة الحديثية المصغرة/الموسوعة الفقهية الكبرى //برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم //برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية / /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة / /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين / /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر / /برنامج مكتبة السنة / /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية / /برنامج موسوعة شرح الحديث الشريف فتح البارى لشرح صحيح البخارى وشرح مسلم لعبد الباقى وشرح مالك للإمام اللكنوى / /خلفيات إسلامية رائعة / /مجموع فتاوى ابن تيمية / /مكتبة الإمام ابن الجوزي / /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني / /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي / /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي / /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي / /مكتبة الإمام ابن كثير / /مكتبة الإمام الذهبي / /مكتبة الإمام السيوطي / /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني / /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي / /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي / /مكتبة الشيخ حمود التويجري / /مكتبة الشيخ ربيع المدخلي / /مكتبة الشيخ صالح آل الشيخ / /مكتبة الشيخ صالح الفوزان / /مكتبة الشيخ عبد الرحمن السعدي / /مكتبة الشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم / /مكتبة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان / /مكتبة الشيخ عبد المحسن العباد / /مكتبة الشيخ عطية محمد سالم / /مكتبة الشيخ محمد أمان الجامي /مكتبة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي / /مكتبة الشيخ محمد بن صالح العثيمين / /مكتبة الشيخ مقبل الوادعي / /موسوعة أصول الفقه / /موسوعة التاريخ الإسلامي / /موسوعة الحديث النبوي الشريف / /موسوعة السيرة النبوية / /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية / موسوعة توحيد رب العبيد / موسوعة رواة الحديث / موسوعة شروح الحديث / /موسوعة علوم الحديث / /موسوعة علوم القرآن / /موسوعة علوم اللغة / /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القيم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /

الجمعة، 4 مارس 2022

منهاج السنة النبوية/ { من 1 الي منهاج السنة النبوية/10 . }



منهاج السنة النبوية/1
قال الشيخ الإمام العالم الحبر الكامل الأوحد العلامة الحافظ الخاشع القانت إمام الأئمة ورباني الأمة شيخ الإسلام بقية الأعلام تقي الدين خاتمة المجتهدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه
الحمد لله الذي بعث النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد هو سبحانه وتعالى أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم سورة آل عمران 18 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختم به أنبياءه وهدى به أولياءه ونعته بقوله في القرآن الكريم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سورة التوبة 128 129 صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وأفضل تسليم
أما بعد فإنه قد أحضر إلى طائفة من أهل السنة والجماعة كتابا صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقا لهذه البضاعة يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم أهل الجاهلية ممن قلت معرفتهم بالعلم والدين ولم يعرفوا أصل دين المسلمين وأعانه على ذلك من عادتهم إعانة الرافضة من المتظاهرين بالإسلام من أصناف الباطنية الملحدين الذين هم في الباطن من الصابئة الفلاسفة الخارجين عن حقيقة متابعة المرسلين الذين لا يوجبون اتباع دين الإسلام ولا يحرمون اتباع ما سواه من الأديان بل يجعلون الملل بمنزلة المذاهب والسياسات التي يسوغ اتباعها وأن النبوة نوع من السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة في الدنيا فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال ويكشف ما في خلافها من الافك والشرك والمحال
وهؤلاء لا يكذبون بالنبوة تكذيبا مطلقا بل هم يؤمنون ببعض أحوالها ويكفرون ببعض الأحوال وهم متفاوتون فيما يؤمنون به ويكفرون به من تلك الخلال فلهذا يلتبس أمرهم بسبب تعظيمهم للنبوات على كثير من أهل الجهالات
والرافضة والجهمية هم الباب لهؤلاء الملحدين منهم يدخلون إلى سائر أصناف الإلحاد في أسماء الله وآيات كتابه المبين كما قرر ذلك رؤوس المحلدة من القرامطة الباطنية وغيرهم من المنافقين
وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه فيه خدابنده وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب لما في في ذلك من نصر عباد الله المؤمنين وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين
فأخبرتهم أن هذا الكتاب وإن كان من أعلى ما يقولونه في باب الحجة والدليل فالقوم من أضل الناس عن سواء السبيل فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول في المذاهب والتقرير وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير سورة الملك 10 والقوم من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ويكذبون بالمعلوم من الأضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلا بعد جيل ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار
وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية وتارة يتبعون المجسمة والجبرية وهم من أجل هذه الطوائف بالنظريات ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين
ومنهم من أدخل على الدين من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا واستولوا بهم على بلاد الإسلام وسبوا الحريم وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين إذ كان أصل المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم في حياته علي أمير المؤمنين رضي الله عنه فحرق منهم طائفة بالنار وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه البتار وتوعد بالجلد طائفة مفترية فيما عرف عنه من الأخبار إذ قد تواتر عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال على منبر الكوفة وقد أسمع من حضر خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وبذلك أجاب ابنه محمد بن الحنفية فيما رواه البخاري في صحيحه وغيره من علماء الملة الحنيفية
ولهذا كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال سأل سائل شريك بن عبد الله ابن أبي نمر فقال له أيهما أفضل أبو بكر أو علي فقال له أبو بكر فقال له السائل أتقول هذا وأنت من الشيعة فقال نعم إنما الشيعي من قال مثل هذا والله لقد رقى علي هذا الأعواد فقال ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر أفكنا نرد قوله أكنا نكذبه والله ما كان كذابا ذكر هذا أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي اعتراضه على الجاحظ نقله عنه القاضي عبد الجبار الهمداني
في كتاب تثبيت النبوة
فصل
فلما ألحوا في طلب الرد لهذا الضلال المبين ذاكرين أن في الإعراض عن ذلك خذلانا للمؤمنين وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد هذا البهتان فكتبت ما يسره الله من البيان وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم والإيمان وقياما بالقسط وشهادة لله كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تفعلون خبيرا سورة النساء 135 واللي هو تغيير الشهادة والإعراض كتمانها
والله تعالى قد أمر بالصدق والبيان ونهى عن الكذب والكتمان فيما يحتاج إلى معرفته وإظهاره كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى سورة المائدة ومن أعظم الشهادات ما جعل الله آمة محمد شهداء عليه حيث قال وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا سورة البقرة 143
وقال تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده هو أجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس سورة الحج 78 والمعنى عند الجمهور أن الله سماهم المسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن
وقال تعالى ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله سورة البقرة 140 وقال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه سورة آل عمران 187 وقال تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم سورة البقرة 159 160 لا سيما الكتمان إذا لعن آخر هذه الأمة أولها كما في الأثر إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد
وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقا وعلما وعملا وتبليغا فالطعن فيهم طعن في الدين موجب للإعراض عما بعث الله به النبين
وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله ولهذا كانوا يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة فظهر في الملاحدة حقيقة هذه البدع المضلة لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين لنوع من الشبهة والجهالة المخلوطة بهوى فقبل معه الضلالة وهذا أصل كل باطل
قال الله تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى سورة النجم 1 4 إلى قوله أفرأيتم آللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم ؤآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى سورة النجم 19 23 فنزه الله رسوله عن الضلال والغي والضلال عدم العلم والغي اتباع الهوى
كما قال تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا سورة الأحزاب 72 فالظلوم غاو والجهول ضال إلا من تاب الله عليه كما قال تعالى ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما سورة الأحزاب 73
ولهذا أمرنا الله أن أن نقول في صلاتنا أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فالضال الذي لم يعرف الحق كالنصارى والمغضوب عليه الغاوي الذي يعرف الحق ويعمل بخلافة كاليهود
والصراط المستقيم يتضمن معرفة الحق والعمل به كما في الدعاء المأثور اللهم أرني الحق حقا ووفقني لاتباعه وأرني الباطل باطلا ووفقني لاجتنابه ولا تجعله مشتبها علي فأتبع الهوى
وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم فمن خرج عن الصراط المستقيم كان متبعا لظنه وما تهواه نفسه ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين
وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ففيهم جهل وظلم لا سيما الرافضة فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلا وظلما يعادون خيار أولياء الله تعالى من بعد النبيين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين فتجدهم أو كثيرا منهم إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار واختلف الناس فيما جاءت به الأنبياء فمنهم من آمن ومنهم من كفر سواء كان الاختلاف بقول أو عمل كالحروب التي بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن كما قد جربه الناس منهم غير مرة في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم على أهل الإسلام بخراسان والعراق والجزيرة والشام وغير ذلك وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام ومصر وغير ذلك في وقائع متعددة من أعظمها الحوادث التي كانت في الإسلام في المائة الرابعة والسابعة فإنه لما قدم كفار الترك إلى بلاد الإسلام وقتل من المسلمين ما لا يحصى عدده إلا رب الأنام كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين ومعاونة للكافرين وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير حتى جعلهم الناس لهم كالحمير
فصل
وهذا المصنف سمي كتابه منهاج الكرامة في معرفة الإمامة وهو خليق بأن يسمى منهاج الندامة كما أن من أدعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله أن يظهر قلوبهم بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير
ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين ولهذا لم يجعل الله تعالى في الفيء نصيبا لمن بعدهم إلا الذين يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم سورة الحشر 1ولهذا كان بينهم وبين اليهود من المشابهة في الخبث واتباع الهوى وغير ذلك من أخلاق اليهود وبينهم وبين النصارى من المشابهة في الغلو والجهل وغير ذلك من أخلاق النصارى ما أشبهوا به هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه وما زال الناس يصفونهم بذلك
ومن أخبر الناس بهم الشعبي وأمثاله من علماء الكوفة وقد ثبت عن الشعبي أنه قال ما رأيت أحمق من الخشبية لو كانوا من الطير لكانوا رخما ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا والله لو طلبت منهم أن يملئوا لي هذا البيت ذهبا على أن أكذب على علي لأعطوني ووالله ما أكذب عليه أبدا وقد روى هذا الكلام مبسوطا عنه أكثر من هذا لكن الأظهر أن المبسوط من كلام غيره
كما روى أبو حفص بن شاهين في كتاب اللطيف في السنة حدثنا محمد بن أبي القاسم بن هارون حدثنا أحمد بن الوليد الواسطي حدثني جعفر بن نصير الطوسي الواسطي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه قال قال لي الشعبي أحذركم هذه الأهواء المضلة وشرها الرافضة لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم قد حرقهم علي رضي الله عنه بالنار ونفاهم إلى البلدان منهم عبد الله ابن سبأ يهودي من يهود صنعاء نفاه إلى ساباط وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود قالت اليهود لا يصلح الملك إلا في آل داود وقالت الرافضة لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي وقالت اليهود لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من السماء وقالت الرافضة لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم والحديث عن النبي ﷺ أنه قال لا تزال أمتي على الفطرة مالم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم واليهود تزول عن القبلة شيئا وكذلك الرافضة واليهود تنود في الصلاة وكذلك الرافضة واليهود تسدل أثوابها في الصلاة وكذلك الرافضة واليهود لا يرون على النساء عدة وكذلك الرافضة واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفوا القرآن واليهود قالوا افترض الله علينا خمسين صلاة وكذلك الرافضة واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين إنما يقولون السام عليكم والسام الموت وكذلك الرافضة واليهود لا يأكلون الجري والمرماهى والذناب وكذلك الرافضة واليهود لا يرون المسح على الخفين وكذلك الرافضة واليهود يستحلون أموال الناس كلهم وكذلك الرافضة وقد أخبرنا الله عنهم بذلك في القرآن أنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل سورة آل عمران 75 وكذلك الرافضة واليهود تسجد على قرونها في الصلاة وكذلك الرافضة واليهود لا تسجد حتى تخفق برؤوسها مرارا شبه الركوع وكذلك الرافضة واليهود تبغض جبريل ويقولون هو عدونا من الملائكة وكذلك الرافضة يقولون غلط جبريل بالوحي على محمد ﷺ وكذلك الرافضة وافقوا النصارى في خصلة النصارى ليس لنسائهم صداق إنما يتمتعون بهن تمتعا وكذلك الرافضة يتزوجون بالمتعة ويستحلون المتعة
وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين سئلت اليهود من خير أهل ملتكم قالوا أصحاب موسى وسئلت النصاري من خير أهل ملتكم قالوا حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد ﷺ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة ولا تجاب لهم دعوة دعوتهم مدحوضة وكلمتهم مختلفة وجمعهم متفرق كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله
قلت هذا الكلام بعضه ثابت عن الشعبي كقوله لو كانت الشيعة من البهائم لكانوا حمرا ولو كانت من الطير لكانوا رخما فإن هذا ثابت عنه
قال ابن شاهين حدثنا محمد بن العباس النحوي حدثنا إبراهيم الحربي حدثنا ابو الربيع الزهراني حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا مالك بن مغول فذكره وأما السياق المذكور فهو معروف عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه عن الشعبي
وروى أبو عاصم خشيش بن أصرم في كتابه ورواه من طريقه أبو عمرو الطلمنكي في كتابه في الأصول قال أبو عاصم حدثنا أحمد بن محمد وعبد الوارث ابن إبراهيم حدثنا السندي بن سليمان
الفارسي حدثنى عبد الله بن جعفر الرقى عن عبدالرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه قال قلت لعامر الشعبي ما ردك عن هؤلاء القوم وقد كنت فيهم رأسا قال رأيتهم يأخذون بأعجاز لا صدور لها ثم قال لي يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو يملئوا لي بيتي ذهبا أو يحجوا إلى بيتي هذا على أن أكذب على علي رضي الله عنه لفعلوا ولا والله لا أكذب عليه أبدا يا مالك إني قد درست الأهواء فلم أر فيها أحمق من الخشبية فلو كانوا من الطير لكانوا رخما ولو كانوا من الدواب لكانوا حمرا يا مالك لم يدخلوا في الإسلام رغبة فيه لله ولا رهبة من الله ولكن مقتا من الله عليهم وبغيا منهم على أهل الإسلام يريدون أن يغمصوا دين الإسلام كما غمص بولص بن يوشع ملك اليهود دين النصرانية ولا تجاوز صلاتهم آذانهم قد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار ونفاهم من البلاد منهم عبد الله بن سبأ يهودي من يهود صنعاء نفاه إلى ساباط وأبو بكر الكروس نفاه إلى الجابية وحرق منهم قوما أتوه فقالوا أنت هو فقال من أنا فقالوا أنت ربنا فأمر بنار فاججت فألقوا فيها وفيهم قال على رضى الله عنه ... لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... اججت ثاري ودعوت قنبرا ...
يا مالك إن محنتهم محنة اليهود قالت اليهود لا يصلح الملك إلا في آل داود وكذلك قالت الرافضة لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي وقالت اليهود لا جهاد في سبيل الله حتى يبعث الله المسيح الدجال وينزل سيف من السماء وكذلك الرافضة قالوا لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه
وقالت اليهود فرض الله علينا خمسين صلاة في كل يوم وليلة وكذلك الرافضة واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم وقد جاء عن النبي ﷺ لا تزال أمتي على الإسلام ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم مضاهاة لليهود وكذلك الرافضة واليهود إذا صلوا زالوا عن القبلة شيئا وكذلك الرافضة واليهود تنود في صلاتها وكذلك الرافضة واليهود يسدلون أثوابهم في الصلاة وقد بلغني أن رسول الله ﷺ مر برجل سادل ثوبه فعطفه عليه واليهود يسجدون في صلاة الفجر الكندرة وكذلك الرافضة واليهود لا يخلصون بالسلام إنما يقولون سام عليكم وهو الموت وكذلك الرافضة واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفوا القرآن واليهود عادوا جبريل فقالوا هو عدونا وكذلك الرافضة قالوا أخطأ جبريل بالوحي واليهود يستحلون أمول الناس وقد نبأنا الله عنهم أنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل سورة آل عمران 75 وكذلك الرافضة يستحلون مال كل مسلم واليهود يستحلون دم كل مسلم وكذلك الرافضة واليهود يرون غش الناس وكذلك الرافضة واليهود لا يعدون الطلاق شيئا إلا عند كل حيضة وكذلك الرافضة واليهود ليس لنسائهم صداق إنما يمتعوهن وكذلك الرافضة يستحلون المتعة واليهود لا يرون العزل عن السرارى وكذلك الرافضة واليهود يحرمون الجري والمرماهى وكذلك الرافضة واليهود حرموا الأرنب والطحال وكذلك الرافضة واليهود لا يرون المسح على الخفين وكذلك الرافضة واليهود لا يلحدون وكذلك الرافضة وقد ألحد لنبينا ﷺ واليهود يدخلون مع موتاهم في الكفن سعفة رطبة وكذلك الرافضة
ثم قال لي يا مالك وفضلتهم اليهود والنصارى بخصلة قيل لليهود من خير أهل ملتكم قالوا أصحاب موسى وقيل للنصارى من خير أهل ملتكم قالوا حواري عيسى وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم قالوا حواري محمد يعنون بذلك طلحة والزبير أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة ودعوتهم مدحوضة ورايتهم مهزومة وأمرهم متشتت كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساد والله لا يحب المفسدين
وقد روى أبو القاسم الطبري في شرح أصول السنة نحو هذا الكلام من حديث وهب بن بقية الواسطي عن محمد بن حجر الباهلي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول فهذا الأثر قد روى عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا وبعضها يزيد على بعض لكن عبد الرحمن بن مالك ابن مغول ضعيف وذم الشعبي لهم ثابت من طرق أخرى
لكن لفظ الرافضة إنما ظهر لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة هشام وقصة زيد بن علي بن الحسين كانت بعد العشرين ومائة سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة في اواخر خلافة هشام قال أبو حاتم البستي قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة وصلب على خشبة وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم وكانت الشيعة تنتحله
قلت ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم فقال لهم رفضتموني فسموا رافضة لرفضهم إياه وسمى من لم يرفضه من الشيعة زيديا لانتسابهم إليه ولما صلب كانت العباد تأتي إلى خشبته بالليل فيتعبدون عندها والشعبي توفى في أوائل خلافة هشام أو آخر خلافة يزيد بن عبد الملك أخيه سنة خمس ومائة أو قريبا من ذلك فلم يكن لفظ الرافضة معروفا إذ ذاك وبهذا وغيره يعرف كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة
ولكن كانوا يسمون بغير ذلك الاسم كما كانوا يسمون الخشبية لقولهم إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم فقاتلوا بالخشب ولهذا جاء في بعض الروايات عن الشعبي قال ما رأيت أحمق من الخشبية فيكون المعبر عنهم بلفظ الرافضة ذكره بالمعنى مع ضعف عبد الرحمن ومع أن الظاهر أن هذا الكلام إنما هو نظم عبدالرحمن بن مالك بن مغول وتأليفه وقد سمع طرفا منه عن الشعبي وسواء كان هو ألفه أو نظمه لما رآه من أمور الشيعة في زمانه ولما سمعه عنهم أو لما سمع من أقوال أهل العلم فيهم أو بعضه أو مجموع الأمرين أو بعضه لهذا وبعضه لهذا فهذا الكلام معروف بالدليل لا يحتاج إلى نقل وإسناد
وقول القائل إن الرافضة تفعل كذا وكذا المراد به بعض الرافضة كقوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله سورة التوبة 30 وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم سورة المائدة 64 لم يقل ذلك كل يهودي بل قاله بعضهم وكذلك قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم سورة آل عمران 173 المراد به جنس الناس وإلا فمعلوم أن القائل لهم غير الجامع وغير المخاطبين المجموع لهم
وما ذكره موجود في الرافضة وفيهم أضعاف ما ذكر مثل تحريم بعضهم للحم الأوز والجمل مشابهة لليهود ومثل جمعهم بين الصلاتين دائما فلا يصلون إلا في ثلاثة أوقات مشابهة لليهود ومثل قولهم إنه لا يقع الطلاق إلا بإشهاد على الزوج مشابهة لليهود ومثل تنجيسهم لأبدان غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب وتحريمهم لذبائحهم وتنجيس ما يصيب ذلك من المياه والمائعات وغسل الآنية التي يأكل منها غيرهم مشابهة للسامرة الذين هم شر اليهود ولهذا يجعلهم الناس في المسلمين كالسامرة في اليهود ومثل استعمالهم التقية وإظهار خلاف ما يبطنون من العداوة مشابهة لليهود ونظائر ذلك كثير
وأما سائر حماقاتهم فكثيرة جدا مثل كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد مع أن النبي ﷺ والذين معه كانوا يشربون من آبار وأنهار حفرها الكفار وبعضهم لا يأكل من التوت الشامي ومعلوم أن النبي ﷺ ومن معه كانوا يأكلون مما يجلب من بلاد الكفار من الجبن ويلبسون ما تنسجه الكفار بل غالب ثيابهم كانت من نسج الكفار
ومثل كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم يبغضون هؤلاء إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وقد أخبر الله أنه قد رضي عنهم
وثبت في صحيح مسلم وغيره عن جابر أيضا أن أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار فقال النبي ﷺ كذبت إنه شهد بدرا والحديبية وهم يبرأون من جمهور هؤلاء بل يتبرأون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا نحو بضعة عشر
ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يجب هجر هذا الاسم لذلك كما أنه سبحانه وتعالى لما قال وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون سورة النمل 48 لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع كقوله تعالى في متعة الحج فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة سورة البقرة 196 وقال تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة سورة الأعراف 142 وقال تعالى والفجر وليال عشر سورة الفجر 1 2 وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله تعالى وقال في ليلة القدر التمسوها في العشر الأواخر وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ونظائر ذلك متعددة
ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة وهم يبغضون التسعة من العشرة فإنهم يبغضونهم إلا عليا
وكذلك هجرهم لاسم أبي بكر وعمر وعثمان ولمن يتسمى بذلك حتى إنهم يكرهون معاملته ومعلوم أن هؤلاء لو كانوا من أكفر الناس لم يشرع أن لا يتسمى الرجل بمثل أسمائهم فقد كان في الصحابة من اسمه الوليد وكان النبي ﷺ يقنت له في الصلاة ويقول اللهم أنج الوليد بن الوليد وأبوه الوليد بن المغيرة كان من أعظم الناس كفرا وهو الوحيد المذكور في قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا وفي الصحابة من اسمه عمرو وفي المشركين من اسمه عمرو مثل عمرو بن عبدود وأبو جهل اسمه عمرو بن هشام وفي الصحابة خالد بن سعيد بن العاص من السابقين الأولين وفي المشركين خالد بن سفيان الهذلي وفي الصحابة من اسمه هشام مثل هشام بن حكيم وأبو جهل كان اسم أبيه هشاما وفي الصحابة من اسمه عقبة مثل أبي مسعود عقبة ابن عمرو البدري وعقبة بن عامر الجهني وكان في المشركين عقبة بن أبي معيط وفي الصحابة علي وعثمان وكان في المشركين من اسمه علي مثل علي بن أمية بن خلف قتل يوم بدر كافرا ومثل عثمان بن أبي طلحة قتل قبل أن يسلم ومثل هذا كثير
فلم يكن النبي ﷺ والمؤمنون يكرهون اسما من الأسماء لكونه قد تسمى به كافر من الكفار فلو قدر أن المسمين بهذه الأسماء كفار لم يوجب ذلك كراهة هذه الأسماء مع العلم لكل أحد بأن النبي ﷺ كان يدعوهم بها ويقر الناس على دعائهم بها وكثير منهم يزعم أنهم كانوا منافقين وكان النبي ﷺ يعلم أنهم منافقون وهو مع هذا يدعوهم بها وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قد سمى أولاده بها فعلم أن جواز الدعاء بهذه الأسماء سواء كان ذلك المسمى بها مسلما أو كافرا أمر معلوم من دين الإسلام فمن كره أن يدعو أحدا بها كان من أظهر الناس مخالفة لدين الإسلام ثم مع هذا إذا تسمى الرجل عندهم باسم علي أو جعفر أو حسن أو حسين أو نحو ذلك عاملوه وأكرموه ولا دليل لهم في ذلك على أنه منهم بل أهل السنة يتسمون بهذه الأسماء فليس في التسمية بها ما يدل على أنهم منهم والتسمية بتلك الأسماء قد تكون فيهم فلا يدل على أن المسمى بها من أهل السنة لكن القوم في غاية الجهل والهوى
وينبغي أيضا أن يعلم أنه ليس كل ما أنكره بعض الناس عليهم يكون باطلا بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعض والصواب مع من وافقهم لكن ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها فمن الناس من يعد من بدعهم الجهر بالبسملة وترك المسح على الخفين إما مطلقا وإما في الحضر والقنوت في الفجر ومتعة الحج ومنع لزوم الطلاق البدعي وتستطيح القبور وإسبال اليدين في الصلاة ونحو ذلك من المسائل التي تنازع فيها علماء السنة وقد يكون الصواب فيها القول الذي يوافقهم كما يكون الصواب هو القول الذي يخالفهم لكن المسألة اجتهادية فلا تنكر إلا إذا صارت شعارا لأمر لا يسوغ فتكون دليلا على ما يجب إنكاره وإن كانت نفسها يسوغ فيها الاجتهاد ومن هذا وضع الجريد على القبر فإنه منقول عن بعض الصحابة وغير ذلك من المسائل
ومن حماقتهم أيضا أنهم يجعلون للمنتظر عدة مشاهد ينتظرونه فيها كالسرادب الذي بسامرا الذي يزعمون أنه غاب فيه ومشاهد أخر وقد يقيمون هناك دابة إما بغلة وإما فرسا وإما غير ذلك ليركبها إذا خرج ويقيمون هناك إما في طرفي النهار وإما في أوقات أخر من ينادي عليه بالخروج يا مولانا أخرج يا مولانا أخرج ويشهرون السلاح ولا أحد هناك يقاتلهم وفيهم من يقول في أوقات الصلاة دائما لا يصلى خشية أن يخرج وهو في الصلاة فيشتغل بها عن خروجه وخدمته وهم في أماكن بعيدة عن مشهده كمدينة النبي ﷺ إما في العشر الأواخر من شهر رمضان وإما في خير ذلك يتوجهون إلى المشرق وينادونه بأصوات عالية يطلبون خروجه
ومن المعلوم أنه لو كان موجودا وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج سواء نادوه أو لم ينادوه وإن لم يؤذن له فهو لا يقبل منهم وأنه إذا خرج فإن الله يؤيده ويأتيه بما يركبه وبمن يعينه وينصره لا يحتاج إلى أن يوقف له دائما من الأدميين من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا
والله سبحانه قد عاب في كتابه من يدعو من لا يستجيب له دعاءه فقال تعالى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن دعوتهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير سورة فاطر 13 14 هذا مع أن الأصنام موجودة وكان يكون فيها أحيانا شياطين تتراءى لهم وتخاطبهم ومن خاطب معدوما كانت حالته أسوأ من حال من خاطب موجودا وإن كان جمادا فمن دعاء المنتظر الذي لم يخلقه الله كان ضلاله أعظم من ضلال هؤلاء وإذا قال أنا اعتقد وجوده كان بمنزلة قول أولئك نحن نعتقد أن هذه الأصنام لها شفاعة عند الله فيعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله
والمقصود أن كليهما يدعو من لا ينفع دعاؤه وإن كان أولئك اتخذوهم شفعاء آلهة وهؤلاء يقولون هو إمام معصوم فهم يوالون عليه ويعادون عليه كموالاة المشركين على آلهتهم ويجعلونه ركنا في الإيمان لا يتم الدين إلا به كما يجعل بعض المشركين آلهتهم كذلك
وقد قال تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون سورة آل عمران 79 80 فإذا كان من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا بهذه الحال فكيف بمن يتخذ إماما معدوما لا وجود له وقد قال تعالى أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون سورة التوبة 3وقد ثبت في الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم أنه قال يا رسول الله ما عبدوهم فقال إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم فهؤلاء اتخذوا أناسا موجودين أربابا وهؤلاء يجعلون الحلال والحرام معلقا بالإمام المعدوم الذي لا حقيقة له ثم يعملون الكل ما يقول المنتسبون إليه إنه يحلله ويحرمه وإن خالف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة حتى أن طائفتهم إذا اختلفت على قولين قالوا القول الذي لا يعرف قائله هو الحق لأنه قول هذا الإمام المعصوم فيجعلون الحلال ما حلله والحرام ما حرمه هذا الذي لا يوجد وعند من يقول إنه موجود لا يعرفه أحد ولا يمكن أحد أن ينقل عنه كلمة واحدة
ومن حماقاتهم تمثيلهم لمن يبغضونه بالجماد أو حيوان ثم يفعلون بذلك الجماد والحيوان ما يرونه عقوبة لمن يبغضونه مثل اتخاذهم نعجة وقد تكون نعجة حمراء لكون عائشة تسمى الحميراء يجعلونها عائشة ويعذبونها بنتف شعرها وغير ذلك ويرون أن ذلك عقوبة لعائشة ومثل اتخاذهم جلسا مملوءا سمنا ثم يبعجون بطنه فيخرج السمن فيشربونه ويقولون هذا مثل ضرب عمر وشرب دمه ومثل تسمية بعضهم لحمارين من حمر الرحا أحدهما بأبي بكر والآخر بعمر ثم يعاقبون الحمارين جعلا منهم تلك العقوبة عقوبة لأبي بكر وعمر وتارة يكتبون أسماءهم على أسفل أرجلهم حتى أن بعض الولاة جعل يضرب رجلي من فعل ذلك ويقول إنما ضربت أبا بكر وعمر ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما ومنهم من يسمى كلابه باسم أبي بكر وعمر ويلعنهما ومنهم من إذا سمى كلبه فقيل له بكير يضارب من يفعل ذلك ويقول تسمى كلبي باسم أصحاب النار ومنهم يعظم أبا لؤلؤة المجوسي الكافر الذي كان غلاما للمغيرة بن شعبة لما قتل عمر ويقولون واثارت أبي لؤلؤة فيعظمون كافرا مجوسيا باتفاق المسلمين لكونه قتل عمر رضي الله عنه
ومن حماقتهم إظهارهم لما يجعلونه مشهدا فكم كذبوا الناس وادعوا أن في هذا المكان ميتا من أهل البيت وربما جعلوه مقتولا فيبنون ذلك مشهدا وقد يكون ذلك قبر كافر أو قبر بعض الناس ويظهر ذلك بعلامات كثيرة
ومعلوم أن عقوبة الدواب المسماة بذلك ونحو هذا الفعل لا يكون إلا من فعل أحمق الناس وأجهلهم فإنه من المعلوم أنا لو أردنا أن نعاقب فرعون وأبا لهب وأبا جهل وغيرهم ممن ثبت بإجماع المسلمين أنهم من أكفر الناس مثل هذه العقوبة لكان هذا من أعظم الجهل لأن ذلك لا فائدة فيه بل إذا قتل كافر يجوز قتله أو مات حتف أنفه لم يجز بعد قتله أو موته أن يمثل به فلا يشق بطنه ولا يجدع أنفه وأذنه ولا تقطع يده إلا أن يكون ذلك على سبيل المقابلة
فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن بريدة عن النبي ﷺ أنه كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال أغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا
وفي السنن أنه كان في خطبته يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة مع أن التمثيل بالكافر بعد موته منه نكاية بالعدو لكن نهى عنه لأنها زيادة إيذاء بلا حاجة فإن المقصود كف شره بقتله وقد حصل
فهؤلاء الذين يبغضونهم لو كانوا كفارا وقد ماتوا لم يكن لهم بعد موتهم أن يمثلوا بأبدانهم لا يضربونهم ولا يشقون بطونهم ولا ينتفون شعورهم مع أن في ذلك نكاية فيهم فأما إذا فعلوا ذلك بغيرهم ظنا أن ذلك يصل إليهم كان غاية الجهل فكيف إذا كان بمحرم كالشاة التي يحرم إيذاؤها بغير حق فيفعلون مالا يحصل لهم به منفعة أصلا بل ضرر في الدين والدنيا والآخرة مع تضمنه غاية الحمق والجهل
ومن حماقتهم إقامة المأتم والنياحة على من قد قتل من سنين عديدة ومن المعلوم أن المقتول وغيره من الموتى إذا فعل مثل ذلك بهم عقب موتهم كان ذلك مما حرمه الله ورسوله فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وثبت في الصحيح عنه أنه بريء من الحالقة والصالقة والشاقة فالحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة بالمصيبة والشاقة التي تشق ثيابها
وفي الصحيح عنه أنه قال إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران وفي الصحيح عنه أنه قال من ينح عليه فإنه يعذب بما ينح عليه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة
وهؤلاء يأتون من لطم الخدود وشق الجيوب ودعوى الجاهلية وغير ذلك من المنكرات بعد موت الميت بسنين كثيرة ما لو فعلوه عقب موته لكان ذلك من أعظم المنكرات التي حرمها الله ورسوله فكيف بعد هذه المدة الطويلة
ومن المعلوم أنه قد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلما وعدوانا من هو أفضل من الحسين قتل أبوه ظلما وهو أفضل منه وقتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفتن العظيمة التي وقعت بعد موت النبي ﷺ وترتب عليه من الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين وقتل غير هؤلاء ومات وما فعل أحد لا من المسلمين ولا غيرهم مأتما ولا نياحة على ميت ولا قتيل بعد مدة طويلة من قتله إلا هؤلاء الحمقى الذين لو كانوا من الطير لكانوا رخما ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا
ومن ذلك أن بعضهم لا يوقد خشب الطرفاء لأنه بلغه أن دم الحسين وقع على شجرة من الطرفاء ومعلوم أن أن تلك الشجرة بعينها لا يكره وقودها ولو كان عليها من أي دم كان فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم
وحماقاتهم يطول وصفها لا يحتاج إلى أن تنقل بإسناد ولكن ينبغي أن يعلم مع هذا أن المقصود أنه من ذلك الزمان القديم يصفهم الناس بمثل هذا من عهد التابعين وتابعيهم كما ثبت بعض ذلك إما عن الشعبي وإما أن يكون من كلام عبد الرحمن وعلى التقديرين فالمقصود حاصل فإن عبد الرحمن كان في زمن تابعي التابعين وإنما ذكرنا هذا لأن عبد الرحمن وكثير من الناس لا يحتج بروايته المفردة إما لسوء حفظه وإما لتهمة في تحسين الحديث وإن كان له علم ومعرفة بأنواع من العلوم ولكن يصلحون للاعتضاد والمتابعة كمقاتل بن سليمان ومحمد بن عمر الواقدي وأمثالهما فإن كثرة الشهادات والأخبار قد توجب العلم وإن لم يكن كل من المخبرين ثقة حافظا حتى يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة وإن كان المخبرون من أهل الفسوق إذا لم يحصل بينهم تشاعر وتواطؤ والقول الحق الذي يقوم عليه الدليل يقبل من كل من قاله وإن لم يقبل بمجرد إخبار المخبر به
فلهذا ذكرنا ما ذكره عبد الرحمن بن مالك بن مغول فإن غاية ما فيه أنه قاله ذاكرا لا آثرا وعبد الرحمن هذا يروي عن أبيه وعن الأعمش وعن عبيد الله بن عمر ولا يحتج بمجرد مفراته فإنه ضعيف
ومما ينبغي أن يعرف أن ما يوجد في جنس الشيعة من الأقوال والأفعال المذمومة وإن كان أضعاف ما ذكر لكن قد لا يكون هذا كله في الإمامية الاثنى عشرية ولا في الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية وفي كثير من عوامهم مثل ما يذكر عنهم من تحريم لحم الجمل وأن الطلاق يشترط فيه رضا المرأة ونحو ذلك مما يقوله بعض عوامهم وإن كان علماؤهم لا يقولون ذلك لكن لما كان أصل مذهبهم مستندا إلى جهل كانوا أكثر الطوائف كذبا وجهلا
فصل
ونحن نبين إن شاء الله تعالى طريق الاستقامة في معرفة هذا الكتاب منهاج الندامة بحول الله وقوته وهذا الرجل سلك مسلك سلفه شيوخ الرافضة كابن النعمان المفيد ومتبعيه كالكراجكى وأبي القاسم الموسوي والطوسي وأمثالهم فإن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة ومعرفة الأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والأثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها وإنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب بل وبالإلحاد وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام بن محمد بن السائب وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم مع أن أمثال هؤلاء هم من أجل من يعتمدون عليه في النقل إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممن لا يذكر في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرجال
وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف والكذب فيهم قديم ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب قال أبو حاتم الرازي سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال أشهب بن عبد العزيز سئل مالك عن الرافضة فقال لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون وقال أبو حاتم حدثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة وقال مؤمل بن إهاب سمعت يزيد بن هارون يقول يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون وقال محمد بن سعيد الأصبهاني سمعت شريكا يقول أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي فاضى الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة وهذه شهادته فيهم وقال أبو معاوية سمعت الأعمش يقول أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين يعني أصحاب المغيرة بن سعيد قال الأعمش ولا عليكم ألا تذكروا هذا فإني لا آمنهم أن يقولوا إنا أصبنا الأعمش مع امرأة
وهذه آثار ثابتة رواها أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الكبرى هو وغيره وروى أبو القاسم الطبري كلام الشافعي فيهم من وجهين من رواية الربيع قال سمعت الشافعي يقول ما رأيت في أهل الأهواء قوما أشهد بالزور من الرافضة ورواه أيضا من طريق حرملة وزاد في ذلك ما رأيت أشهد على الله بالزور من الرافضة وهذا المعنى وإن كان صحيحا فاللفظ الأول هو الثابت عن الشافعي ولهذا ذكر الشافعي ما ذكره أبو حنيفة وأصحابه أنه يرد شهادة من عرف بالكذب كالخطابية
ورد شهادة من عرف بالكذب متفق عليه بين الفقهاء وتنازعوا في شهادة سائر أهل الأهواء هل تقبل مطلقا أو ترد مطلقا أو ترد شهادة الداعية إلى البدع وهذا القول الثالث هو الغالب على أهل الحديث لا يرون الرواية عن الداعية إلى البدع ولا شهادته ولهذا لم يكن في كتبهم الأمهات كالصحاح والسنن والمسانيد الرواية عن المشهورين بالدعاء إلى البدع وإن كان فيها الرواية عمن فيه نوع من بدعة كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية وذلك لأنهم لم يدعوا الرواية عن هؤلاء للفسق كما يظنه بعضهم ولكن من أظهر بدعته وجب الإنكار عليه بخلاف من أخفاها وكتمها وإذا وجب الإنكار عليه كان من ذلك أن يهجر حتى ينتهي عن إظهار بدعته ومن هجره أن لا يؤخذ عنه العلم ولا يستشهد
وكذلك تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور منهم من أطلق الإذن ومنهم من اطلق المنع والتحقيق أن الصلاة خلفهم لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في نفسها لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين ومن هذا الباب ترك عيادتهم وتشييع جنائزهم كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهى عنه
وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها وظهور السنة وخفائها وأن المشروع قد يكون هو التأليف تارة والهجران أخرى كما كان النبي ﷺ يتألف أقواما من المشركين ممن هو حديث عهد بالإسلام ومن يخاف عليه الفتنة فيعطى المؤلفة قلوبهم مالا يعطى غيرهم
قال في الحديث الصحيح إني أعطى رجالا وأدع رجالا والذي أدع أحب إلى من الذي أعطى أعطى رجالا لما جعل الله في قلوبهم من الهلع والجزع وأدع رجالا لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب
وقال إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه خشية أن يكبه الله على وجهه في النار أو كما قال وكان يهجر بعض المؤمنين كما هجر الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك لأن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله بأقوم طريق فيستعمل الرغبة حيث تكون اصلح والرهبة حيث تكون أصلح
ومن عرف هذا تبين له أن من رد الشهادة والرواية مطلقا من أهل البدع المتأولين فقوله ضعيف فإن السلف قد دخلوا بالتأويل في أنواع عظيمة
ومن جعل المظهرين للبدعة أئمة في العلم والشهادة لا ينكر عليهم بهجر ولا ردع فقوله ضعيف أيضا وكذلك من صلى خلف المظهر للبدع والفجور من غير إنكار عليه ولا استبدال به من هو خير منه مع القدرة على ذلك فقوله ضعيف وهذا يستلزم إقرار المنكر الذي يبغضه الله ورسوله مع القدرة على إنكاره وهذا لا يجوز ومن أوجب الإعادة على كل من صلى خلف كل ذي فجور وبدعه فقوله ضعيف فإن السلف والأئمة من الصحابة والتابعين صلوا خلف هؤلاء وهؤلاء لما كانوا ولاة عليهم ولهذا كان من أصول أهل السنة أن الصلوات التي يقيمها ولاة الأمور تصلى خلفهم على أي حال كانوا كما يحج معهم ويغزى معهم وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر طوائف أهل القبلة ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم مثل كتب يحيى بن سعيد القطان وعلي ابن المديني ويحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي والنسائي وأبي حاتم بن حبان وأبي أحمد بن عدي والدارقطني وإبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني السعدي ويعقوب بن سفيان الفسوي وأحمد بن عبد الله بن صالح العجلي والعقيلي ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي والحاكم النيسابوري والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأمثال هؤلاء الذين هم جهابذة ونقاد وأهل معرفة بأحوال الإسناد رأى المعروف عندهم بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف حتى أن أصحاب الصحيح كالبخاري لم يرو عن أحد من قدماءالشيعة مثل عاصم بن ضمرة والحارث الأعور وعبد الله بن سلمة وأمثالهم مع أن هؤلاء من خيار الشيعة وإنما يروي أصحاب الصحيح حديث علي من أهل بيته كالحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وكاتبه عبيدالله بن أبي رافع أو عن أصحاب عبدالله بن مسعود كعبيدة السلماني والحارث بن قيس أو عمن يشبه هؤلاء وهؤلاء أئمة النقل ونقاده من أبعد الناس عن الهوى وأخبرهم بالناس وأقولهم بالحق لا يخافون في الله لومة لائم
والبدع متنوعة فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وقد أمر النبي ﷺ بقتالهم واتفق الصحابة وعلماء المسلمين على قتالهم وصح فيهم الحديث عن النبي ﷺ من عشرة أوجه رواها مسلم في صحيحه روى البخاري ثلاثة منها ليسوا ممن يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا وضلوا في بدعتهم ولم تكن بدعتهم عن زندقة وإلحاد بل عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب
وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد وتعمد الكذب كثير فيهم وهم يقرون بذلك حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق فهم في ذلك كما قيل رمتني بدائها وانسلت إذ ليس في المظهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم واعتبر ذلك بالغالية من النصيرية وغيرهم وبالملاحدة الإسماعيلية وأمثالهم
وعمدتهم في الشرعيات ما نقل لهم عن بعض أهل البيت وذلك النقل منه ما هو صدق ومنه ما هو كذب عمدا أو خطأ وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث ثم إذا صح النقل عن بعض هؤلاء فإنهم بنوا وجوب قبول قول الواحد من هؤلاء على ثلاثة أصول علي أن الواحد من هؤلاء معصوم مثل عصمة الرسول وعلي أن ما يقوله أحدهم فإنما يقول نقلا عن الرسول ﷺ وأنهم قد علم منهم أنهم قالوا مهما قلنا فإنما نقوله نقلا عن الرسول ويدعون العصمة في أهل النقل والثالث أن إجماع العترة حجة ثم يدعون أن العترة هم الاثنا عشر ويدعون أن ما نقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه
فهذه أصول الشرعيات عندهم وهي أصول فاسدة كما سنبين ذلك في موضعه لا يعتمدون على القرآن ولا على الحديث ولا على إجماع إلا لكون المعصوم منهم ولا على القياس وإن كان واضحا جليا
وأما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر والمعتزلة في الجملة أعقل وأصدق وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة
وأما التفضيل فأئمتهم وجمهورهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وفي متأخريهم من توقف في التفصيل وبعضهم فضل عليا فصار بينهم وبين الزيدية نسب واشج من جهة المشاركة في التوحيد والعدل والإمامة والتفضيل وكان قدماء المعتزلة وأئمتهم كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهم متوقفين في عدالة علي فيقولون أو من يقول منهم قد فسقت إحدى الطائفتين إما علي وإما طلحة والزبير لا يعينها فإن شهد هذا وهذا لم تقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا يعينه وإن شهد علي مع شخص آخر عدل ففي قبول شهادة علي بينهم نزاع
وكان متكلمو الشيعة كهشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمى وأمثالهم يزيدون في إثبات الصفات على مذهب أهل السنة فلا يقنعون بما يقوله أهل السنة والجماعة من أن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة وغير ذلك من مقالات أهل السنة والحديث حتى يبتدعون في الغلو في الإثبات والتجسيم والتبعيض والتمثيل ما هو معروف من مقالاتهم التي ذكرها الناس
ولكن في أواخر المائة الثالثة دخل من دخل من الشيعة في أقوال المعتزلة كابن النوبختي صاحب كتاب الآراء والديانات وأمثاله وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعه
ولهذا تجد المصنفين في المقالات كالأشعري لا يذكرون عن أحد من الشيعة أنه وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم إلا عن بعض متأخريهم وإنما يذكرون عن بعض قدمائهم التجسيم وإثبات القدر وغيره وأول من عرف عنه في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم بل قال الجاحظ في كتابه الحجج في النبوة ليس على ظهرها رافضي إلا وهو يزعم أن ربه مثله وأن البدوات تعرض له وأنه لا يعلم الشيء قبل كونه إلا بعلم يخلقه لنفسه وقد كان ابن الرواندي وأمثاله من المعروفين بالزندقة والإلحاد صنفا لهم كتبا أيضا على أصولهم
فصل
قال المصنف الرافضي
أما بعد فهذه رسالة شريفة ومقالة لطيفة اشتملت على أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين وهي مسألة الإمامة التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة وهي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان والتخلص من غضب الرحمن فقد قال رسول الله ﷺ من مات ولم يعرف إمام زمانه ميتة جاهلية
خدمت بها خزانة السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم ملك ملوك طوائف العرب والعجم مولى النعم ومسدي الخير والكرم شاهنشاه المكرم غياث الملة والحق والدين الجايتو خدابنده قد لخصت فيه خلاصة الدلائل وأشرت إلى رءوس المسائل وسميتها منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ورتبتها على فصول الفصل الأول في نقل المذاهب في هذه المسألة
ثم ذكر الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الإتباع ثم ذكر الفصل الثالث في الأدلة على إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله ﷺ ثم ذكر الفصل الرابع في الاثنى عشر ثم ذكر الفصل الخامس في إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان
فيقال الكلام على هذا من وجوه
أحدها أن يقال أولا إن قول القائل إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين سنيهم وشيعيهم بل هذا كفر فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهذا هو الذي قاتل عليه الرسول ﷺ الكفار أولا كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وفي رواية ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وقد قال تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم سورة التوبة 5 فأمر بتخلية سبيلهم إذا تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وكذلك قال لعلي لما بعثه إلى خيبر
وكذلك كان النبي ﷺ يسير في الكفار فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر لا يذكر لهم الإمامة بحال وقد قال تعالى بعد هذا فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين سورة التوبة 11 فجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يذكر الإمامة بحال
ومن المتواتر أن الكفار على عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة بحال ولا نقل هذا عن رسول الله ﷺ أحد من أهل العلم لا نقلا خاصا ولا عاما بل نحن نعلم بالاضطرار عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يذكر للناس إذا أرادوا الدخول في دينه الإمامة لا مطلقا ولا معينا فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين
ومما يبين ذلك أن الإمامة بتقدير الاحتياج إلى معرفتها لا يحتاج إليها من مات على عهد النبي ﷺ من الصحابة ولا يحتاج إلى التزام حكمها من عاش منهم إلى بعد موت النبي ﷺ فكيف يكون أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين لا يحتاج إليه أحد على عهد النبي ﷺ أو ليس الذين آمنوا بالنبي ﷺ في حياته واتبعوه باطنا وظاهرا ولم يرتدوا ولم يبدلوا هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين أهل السنة والشيعة فكيف يكون أفضل المسلمين لا يحتاج إلى أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين
فإن قيل إن النبي ﷺ كان هو الإمام في حياته وإنما يحتاج إلى الإمام بعد مماته فلم تكن هذه المسألة أهم مسائل الدين في حياته وإنما صارت أهم مسائل الدين بعد موته
قيل الجواب عن هذا من وجوه
أحدها أنه بتقدير صحة ذلك لا يجوز أن يقال إنها أهم مسائل الدين مطلقا بل في وقت دون وقت وهي في خير الأوقات ليست أهم المطالب في أحكام الدين ولا أشرف مسائل المسلمين
الثاني أن يقال الإيمان بالله ورسوله في كل زمان ومكان أعظم من مسألة الإمامة فلم تكن في وقت من الأوقات لا الأهم ولا الأشرف
الثالث أن يقال فقد كان يجب بيانها من النبي ﷺ لأمته الباقين من بعده كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج وعين أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر ومن المعلوم أنه ليس بيان مسألة الإمامة في الكتاب والسنة كبيان هذه الأصول
فإن قيل بل الإمامة في كل زمان هي الأهم والنبي ﷺ كان نبيا إماما وهذا كان معلوما لمن آمن به أنه كان إمام ذلك الزمان
قيل الاعتذار بهذا باطل من وجوه
أحدها أن قول القائل الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين إما أن يريد به إمامة الاثنى عشر أو إمام كل زمان بعينه في زمانه بحيث يكون الأهم في زماننا الإيمان بإمامة محمد المنتظر والأهم في زمان الخلفاء الأربعة الإيمان بإمامة علي عندهم والأهم في زمان النبي ﷺ الإيمان بإمامته وإما أن يراد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقا غير معين وإما أن يراد به معنى رابعا
أما الأول فقد علم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلوما شائعا بين الصحابة ولا التابعين بل الشيعة تقول إن كل واحد إنما يعين بنص من قبله فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين
وأما الثاني فعلي هذا التقدير يكون أهم المطالب في كل زمان الإيمان بإمام ذلك الزمان ويكون الإيمان من سنة ستين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما هو الإيمان بإمامة محمد بن الحسن ويكون هذا أعظم من الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ومن الإيمان بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات وهذا مع أنه معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين فليس هو مذهب الإمامية فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر كما ذكره هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الشيعة
وأيضا فإن كان هذا هو أهم المطالب في الدين فالإمامية أخسر الناس صفقة في الدين لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا فلم يستفيدوا من أهم الأمور الدينية شيئا من منافع الدين ولا الدنيا
فإن قالوا إن المراد أن الإيمان بحكم الإمامة مطلقا هو أهم أمور الدين كان هذا أيضا باطلا للعلم الضروري أن غيرها من أمور الدين أهم منها
وإن أريد معنى رابع فلا بد من بيانه لنتكلم عليه
الوجه الثاني أن يقال إن النبي ﷺ لم تجب طاعته على الناس لكونه إماما بل لكونه رسول الله إلى الناس وهذا المعنى ثابت له حيا وميتا فوجوب طاعته على من بعده كوجوب طاعته على أهل زمانه وأهل زمانه فيهم الشاهد الذي يسمع أمره ونهيه وفيهم الغائب الذي بلغه الشاهد أمره ونهيه فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره ونهيه يجب ذلك على من يكون بعد موته
وهو ﷺ أمره شامل عام لكل مؤمن شهده أو غاب عنه في حياته وبعد موته وليس هذا لأحد من الأئمة ولا يستفاد هذا بالإمامة حتى أنه ﷺ إذا أمر ناسا معينين بأمور وحكم في أعيان معينة بأحكام لم يكن حكمه وأمره مختصا بتلك المعينات بل كان ثابتا في نظائرها وأمثاله إلى يوم القيامة فقوله ﷺ لمن شهده لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود هو حكم ثابت لكل مأموم بإمام أن لا يسبقه بالركوع ولا بالسجود وقوله لمن قال لم اشعر فحلقت قبل أن أرمى قال أرم ولا حرج ولمن قال نحرت قبل أن أحلق قال احلق ولا حرج أمر لمن كان مثله وكذلك قوله لعائشة رضي الله عنها لما حاضت وهي معتمرة اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت وأمثال هذا كثير بخلاف الإمام إذا أطيع وخلفاؤه بعده في تنفيذ أمره ونهيه كخلفائه في حياته فكل آمر بأمر يجب طاعته فيه إنما هو منفذ لأمر رسول الله ﷺ لأن الله أرسله إلى الناس وفرض عليهم طاعته لا لأجل كونه إماما له شوكة وأعوان أو لأجل أن غيره عهد إليه بالإمامة أو غير ذلك فطاعته لا تقف على ما تقف عليه طاعة الأئمة من عهد من قبله أو موافقة ذوي الشوكة أو غير ذلك بل تجب طاعته ﷺ وإن لم يكن معه أحد وإن كذبه جميع الناس
وكانت طاعته واجبة بمكة قبل أن يصير له أنصار وأعوان يقاتلون معه فهو كما قال سبحانه فيه وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين سورة آل عمران 144 بين سبحانه وتعالى أنه ليس بموته ولا قتله ينتقض حكم رسالته كما ينتقض حكم الإمامة بموت الأئمة وقتلهم وأنه ليس من شرطه أن يكون خالدا لا يموت فإنه ليس هو ربا وإنما هو رسول الله قد خلت من قبله الرسل وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبدالله حتى أتاه اليقين من ربه فطاعته واجبة بعد مماته وجوبها في حياته وأوكد لأن الدين كمل واستقر بموته فلم يبق فيه نسخ ولهذا جمع القرآن بعد موته لكماله واستقراره بموته
فإذا قال القائل إنه كان إماما في حياته وبعده صار الإمام غيره إن أراد بذلك أنه صار بعده من هو نظيره يطاع كما يطاع الرسول فهذا باطل
وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره ونهيه فهذا كان حاصلا في حياته فإنه إذا غاب كان هناك من يخلفه
وإن قيل إنه بعد موته لا يباشر معينا بالأمر بخلاف حياته
قيل مباشرته بالأمر ليست شرطا في وجوب طاعته بل تجب طاعته على من بلغه أمره ونهيه كما تجب طاعته على من سمع كلامه وقد كان يقول ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع
وإن قيل إنه في حياته كان يقضي في قضايا معينة مثل إعطاء شخص بعينه وإقامة الحد على شخص بعينه وتنفيذ جيش بعينه
قيل نعم وطاعته واجبة في نظير ذلك إلى يوم القيامة بخلاف الأئمة لكن قد يخفى الاستدلال على نظير ذلك كما يخفى العلم على من غاب عنه فالشاهد أعلم بما قال وأفهم له من الغائب وإن كان فيمن غاب وبلغ أمره من هو أوعى له من بعض السامعين لكن هذا التفاضل الناس في معرفة أمره ونهيه لا لتفاضلهم في وجوب طاعته عليهم فما تجب طاعة ولي الأمر بعده إلا كما تجب طاعة ولاة الأمور في حياته فطاعته واجبة شاملة لجميع العباد شمولا واحدا وإن تنوعت طرقهم في البلاغ والسماع والفهم فهؤلاء يبلغهم من أمره لم يبلغ هؤلاء وهؤلاء يسمعون من أمره ما لم يسمعه هؤلاء وهؤلاء يفهمون من أمره ما لم يفهمه هؤلاء
وكل من أمر بما أمر به الرسول وجبت طاعته طاعة الله ورسوله لا له وإذا كان للناس ولي أمر قادر ذو شوكة فيأمر بما يأمر ويحكم بما يحكم انتظم الأمر بذلك ولم يجز أن يولى غيره ولا يمكن بعده أن يكون شخص واحد مثله إنما يوجد من هو أقرب إليه من غيره فأحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به والنهي عما نهى عنه ولا يطاع أمره طاعة ظاهرة غالبة إلا بقدرة وسلطان يوجب الطاعة كما لم يطع أمره في حياته طاعته ظاهرة غالبة حتى صار معه من يقاتل على طاعة أمره
فالدين كله طاعة لله ورسوله وطاعة الله ورسوله هي الدين كله فمن يطع الرسول فقد اطاع الله ودين المسلمين بعد موته طاعة الله ورسوله وطاعتهم لولي الأمر فيما أمروا بطاعته فيه هو طاعة لله ورسوله وأمر ولي الأمر الذي أمر الله أن يأمرهم به وقسمه وحكمه هو طاعة لله ورسوله فأعمال الأئمة والأمة في حياته ومماته التي يحبها الله ويرضاها كلها طاعة لله ورسوله ولهذا كان أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
فإذا قيل هو كان إماما وأريد بذلك إمامة خارجة عن الرسالة أو إمامة يشترط فيها ما لا يشترط في الرسالة أو إمامة تعتبر فيها طاعته بدون طاعة الرسول فهذا كله باطل فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته وهو في كل ما يطاع فيه يطاع بأنه رسول الله ولو قدر أنه كان إماما مجردا لم يطع حتى تكون طاعته داخلة في طاعة رسول آخر فالطاعة إنما تجب لله ورسوله ولمن أمرت الرسل بطاعتهم
فإن قيل أطيع بإمامته طاعة داخلة في رسالته كان هذا عديم التأثير فإن مجرد رسالته كافية في وجوب طاعته بخلاف الإمام فإنه إنما يصير إماما بأعوان يتفذون أمره وإلا كان كآحاد أهل العلم والدين إن كان من أهل العلم والدين
فإن قيل إنه ﷺ لما صار له شوكة بالمدينة صار له مع الرسالة إمامة القدرة
قيل بل صار رسولا له أعيان وأنصار ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه وهو ما دام في الأرض من يؤمن بالله ورسوله ويجاهد في سبيله له أعوان وأنصار ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه فلم يستفد بالأعوان ما يحتاج أن يضمه إلى الرسالة مثل كونه إماما أو حاكما أو ولي أمر إذ كان هذا كله داخلا في رسالته ولكن بالأعوان حصل له كمال قدره أوجبت عليه من الأمر والجهاد ما لم يكن واجبا بدون القدرة والأحكام تختلف باختلاف حال القدرة والعجز والعلم وعدمه كما تختلف باختلاف الغنى والفقر والصحة والمرض والمؤمن مطيع لله في ذلك كله وهو مطيع لرسول الله في ذلك كله ومحمد رسول الله فيما أمر به ونهى عنه مطيع لله في ذلك كله
وإن قالت الإمامية الإمامة واجبة بالعقل بخلاف الرسالة فهي أهم من هذا الوجه
قيل الوجوب العقلي فيه نزاع كما سيأتي وعلى القول بالوجوب العقلي فما يجب من الإمامة جزء من أجزاء الواجبات العقلية وغير الإمامة أوجب من ذلك كالتوحيد والصدق والعدل وغير ذلك من الواجبات العقلية
وأيضا فلا ريب أن الرسالة يحصل بها هذا الواجب فمقصودها جزء من مقصود الرسالة فالإيمان بالرسول يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته بخلاف الإمامة
وأيضا فمن ثبت عنده أن محمدا رسول الله وأن طاعته واجبة عليه واجتهد في طاعته حسب الامكان إن قيل إنه يدخل الجنة فقد استغنى عن مسألة الإمامة
وإن قيل لا يدخل الجنة كان هذا خلاف نصوص القرآن فإنه سبحانه أوجب الجنة لمن اطاع الله ورسوله في غير موضع كقوله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا سورة النساء 69 وقوله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم سورة النساء 13
وأيضا فصاحب الزمان الذي يدعون إليه لا سبيل للناس إلى معرفته ولا معرفة ما يأمرهم به وما ينهاهم عنه وما يخبرهم به فإن كان أحد لا يصير سعيدا إلا بطاعة هذا الذي لا يعرف أمره ولا نهيه لزم أنه لا يتمكن أحد من طريق النجاة والسعادة وطاعة الله وهذا من أعظم تكليف مالا يطاق وهم من أعظم الناس إحالة له
وإن قيل بل هو يأمر بما عليه الإمامية
قيل فلا حاجة إلى وجوده ولا شهوده فإن هذا معروف سواء كان هو حيا أو ميتا وسواء كان شاهدا أو غائبا وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكنا بدون هذا الإمام المنتظر علم أنه لا حاجة إليه ولا يتوقف عليه طاعة الله ورسوله ولا نجاة أحد ولا سعادته وحينئذ فيمتنع القول بجواز إمامة مثل هذا فضلا عن القول بوجوب إمامة مثل هذا وهذا أمر بين لمن تدبره لكن الرافضة من أجهل الناس
وذلك أن فعل الواجبات العقلية الشرعيه وترك المستقبحات العقلية والشرعية إما أن يكون موقوفا على معرفة ما يأمر به وينهى عنه هذا المنتظر وإما أن لا يكون موقوفا فإذا كان موقوفا لزم تكليف مالا يطاق وأن يكون فعل الواجبات وترك المحرمات موقوفا على شرط لا يقدر عليه عامة الناس بل ولا أحد منهم فإنه ليس في الأرض من يدعي دعوى صادقة أنه رأى هذا المنتظر أو سمع كلامه وإن لم يكن موقوفا على ذلك أمكن فعل الواجبات العقلية والشرعية وترك القبائح العقلية والشرعية بدون هذا المنتظر فلا يحتاج إليه ولا يجب وجوده ولا شهوده
وهؤلاء الرافضة علقوا نجاة الخلق وسعادتهم وطاعتهم لله ورسوله بشرط ممتنع لا يقدر عليه الناس بل ولا يقدر عليه أحد منهم وقالوا للناس لا يكون أحد ناجيا من عذاب الله بذلك ولا يكون سعيدا إلا بذلك ولا يكون أحد مؤمنا إلا بذلك
فلزم أحد أمرين إما بطلان قولهم وإما أن يكون الله قد آيس عباده من رحمته وأوجب عذابه لجميع الخلق المسلمين وغيرهم وعلى هذا التقدير فهم أول الاشقياء المعذبين فإنه ليس لأحد منهم طريق إلى معرفة أمر هذا الإمام الذي يعتقدون أنه موجود غائب ولا نهيه ولا خبره بل عندهم من الأقوال المنقولة عن شيوخ الرافضة ما يذكرون أنه منقول عن الأئمة المتقدمين على هذا المنتظر وهم لا ينقلون شيئا عن المنتظر وإن قدر أن بعضهم نقل عنه شيئا علم أنه كاذب وحينئذ فتلك الأقوال إن كانت كافية فلا حاجة إلى المنتظر وإن لم تكن كافية فقد أقروا بشقائهم وعذابهم حيث كانت سعادتهم موقوفة على آمر لا يعلمون بماذا أمر
وقد رأيت طائفة من شيوخ الرافضة كابن العود الحلى يقول إذا اختلفت الإمامية على قولين أحدهما يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله كان القول الذي لا يعرف قائله هو القول الحق الذي يجب اتباعه لأن المنتظر المعصوم في تلك الطائفة
وهذا غاية الجهل والضلال فإنه بتقدير وجود المنتظر المعصوم لا يعلم أنه قال ذلك القول إذ لم ينقله عنه أحد ولا عمن نقله عنه فمن أين يجزم بأنه قوله ولم لا يجوز أن يكون القول الآخر هو قوله وهو لغيبته وخوفه من الظالمين لا يمكنه إظهار قوله كما يدعون ذلك فيه
فكان أصل دين هؤلاء الرافضة مبنيا على مجهول ومعدوم لا على موجود ولا معلوم يظنون أن إمامهم موجود معصوم وهو مفقود معدوم ولو كان موجودا معصوما فهم معترفون بأنهم لا يقدرون أن يعرفوا أمره ونهيه كما كانوا يعرفون أمر آبائه ونهيم
والمقصود بالإمام إنما هو طاعة أمره فإذا كان العلم بأمره ممتنعا كانت طاعته ممتنعة فكان المقصود به ممتنعا فكان المقصود به ممتنعا وإذا كان المقصود به ممتنعا لم يكن في إثبات الوسيلة فائدة أصلا بل كان إثبات الوسيلة التي لا يحصل بها مقصودها من باب السفه والعبث والعذاب القبيح باتفاق أهل الشرع وباتفاق العقلاء القائلين بتحسين العقول وتقبيحها بل باتفاق العقلاء مطلقا فإنهم إذا فسروا القبح بما يضر كانوا متفقين على أن معرفة الضار يعلم بالعقل والإيمان بهذ الإمام الذي ليس فيه منفعة بل مضرة في العقل والنفس والبدن والمال وغير ذلك قبيح شرعا وعقلا
ولهذا كان المتبعون له من أبعد الناس عن مصلحة الدين والدنيا لا تنتظم لهم مصلحة دينهم فدنياهم إلا بالدخول في طاعة من هو خارج عن دينهم فهم ي وجود الإمام المنتظر المعصوم لأن مصلحة الدين والدنيا لا تحصل إلا به عندهم وهم لم يحصل لهم بعد المنتظر مصلحة في الدين ولا في الدنيا والذين كذبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ولا في الدنيا بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه
فعلم بذلك أن قولهم في الإمامة لا ينال به إلا ما يورث الخزي والندامة وأنه ليس فيه شيء من الكرامة وأن ذلك إذا كان أعظم مطالب الدين فهم أبعد الناس عن الحق والهدى في أعظم مطالب الدين وإن لم يكن أعظم مطالب الدين ظهر بطلان ما أدعوه من ذلك فثبت بطلان قولهم على التقديرين وهو المطلوب
فإن قال هؤلاء الرافضة إيماننا بهذا المنتظر المعصوم مثل إيمان كثير من شيوخ الزهد والدين بإلياس والخضر والغوث والقطب ورجال الغيب ونحو ذلك من الأشخاص الذين لا يعرف وجودهم ولا بماذا يأمرون ولا عماذا ينهون فكيف يسوغ لمن يوافق هؤلاء أن ينكر علينا ما ندعيه
قيل الجواب من وجوه
أحدها أن الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبا عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين وإذا كان بعض الغلاة يوجب على أصحابه الإيمان بوجود هؤلاء ويقول إنه لا يكون مؤمنا وليا لله إلا من يؤمن بوجود هؤلاء في هذه الأزمان كان قوله مردودا كقول الرافضة فإن من قال من هؤلاء الغلاة إنه لا يكون وليا لله إن لم يعتقد الخضر ونحو ذلك كان قوله مردودا كقول الرافضة
الوجه الثاني أن يقال من الناس من يظن أن التصديق بهؤلاء يزداد به الرجل إيمانا وخيرا وموالاة لله وأن المصدق بوجود هؤلاء أكمل وأشرف وأفضل عند الله ممن لم يصدق بوجود هؤلاء وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه بل هو مشابه له من بعض الوجوه لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفا على ذلك
وحينئذ فيقال هذا القول أيضا باطل باتفاق علماء المسلمين وأئمتهم فإن العلم بالواجبات والمستحبات وفعل الواجبات والمستحبات كلها ليس موقوفا على التصديق بوجود أحد من هؤلاء ومن ظن من أهل النسك والزهد والعامة أن شيئا من الدين واجبه أو مستحبه موقوفا على التصديق بوجود هؤلاء فهو جاهل ضال باتفاق أهل العلم والإيمان العالمين بالكتاب والسنة إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين ولا أئمة المسلمين
وأيضا فجميع هذه الألفاظ لفظ الغوث والقطب والأوتاد والنجباء وغيرها لم ينقل أحد عن النبي ﷺ بإسناد معروف أنه تكلم بشيء منها ولا أصحابه ولكن لفظ الأبدال تكلم به بعض السلف ويروى فيه عن النبي ﷺ حديث ضعيف وقد بسطنا الكلام على ذلك في عير هذا الموضوع
الوجه الثالث أن يقال القائلون بهذه الأمور منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر مثل دعوى بعضهم أن الغوث أو القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص وهذا باطل بإجماع المسلمين وهو من جنس قول النصارى في الباب
وكذلك ما يدعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء قد يعلم كل ولي لله كان ويكون واسمه واسم ابيه ومنزلته من الله ونحو ذلك من المقالات الباطلة التي تتضمن أن الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه مثل أنه بكل شيء عليم أو على كل شيء قدير ونحو ذلك كما يقول بعضهم في النبي ﷺ وفي شيوخه إن علم أحدهم ينطبق على علم الله وقدرته منطبقة على قدرة الله فيعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه، فهذه المقالات وما يشبهها من جنس قول النصارى والغالية في علي وهي باطلة بإجماع علماء المسلمين ومنهم من ينسب إلى الواحد من هؤلاء ما تجوز نسبته إلى الأنبياء وصالحي المؤمنين من الكرامات كدعوة مجابة ومكاشفة من مكاشفات الصالحين ونحو ذلك
فهذا القدر يقع كثيرا من الأشخاص الموجودين المعاينين ومن نسب ذلك إلى من لا يعرف وجوده فهؤلاء وإن كانوا مخطئين في نسبة ذلك إلى شخص معدوم فخطؤهم كخطأ من اعتقد أن في البلد الفلاني رجالا من أولياء الله وليس فيه أحد أو اعتقد في ناس معينين أنهم أولياء الله ولم يكونوا كذلك ولا ريب أن هذا خطأ وجهل وضلال يقع فيه كثير من الناس لكن خطأ الإمامية وضلالهم أقبح وأعظم
الوجه الرابع أن يقال الصواب الذي عليه محققو العلماء أن إلياس والخضر ماتا وأنه ليس أحد من البشر واسطة بين الله وبين خلقه في رزقه وخلقه وهداه ونصره وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل وأما خلقه ورزقه وهداه ونصره فلا يقدر عليه إلا الله تعالى فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم بل بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلا بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر
وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر أو أن أحدا من البشر يتولى ذلك كله ونحو ذلك فهذا كله باطل وحينئذ فيقال للرافضة إذا احتجوا بضلال الضلال ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتهم أنكم في العذاب مشتركون سورة الزخرف 3وأيضا فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله أعظم من غيرها وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها والقرآن مملوء بذكر توحيد الله وذكر أسمائه وصفاته وآياته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقصص والأمر والنهي والحدود والفرائض بخلاف الإمامة فكيف يكون القرآن مملوءا بغير الأهم الأشرف
وأيضا فإن الله تعالى قد علق السعادة بما لا ذكر فيه للإمامة فقال ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا سورة النساء 69 وقال تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين سورة النساء 13 14 فقد بين الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيدا في الآخرة ومن عصى الله ورسوله وتعدى حدوده كان معذبا فهذا هو الفرق بين السعداء والأشقياء ولم يذكر الإمامة
فإن قال قائل إن الإمامة داخلة في طاعة الله ورسوله
قيل غايتها أن تكون كبعض الوجبات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما يدخل في طاعة الله ورسوله فكيف تكون هي وحدها أشرف مسائل المسلمين وأهم مطالب الدين
فإن قيل لا يمكننا طاعة الرسول إلا بطاعة إمام فإنه هو الذي يعرف الشرع
قيل هذا هو دعوى المذهب ولا حجة فيه ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل على سائر أصول الدين وقد تقدم أن هذا الإمام الذي يدعونه لم ينتفع به أحد في ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ما جاء به الرسول لا يحتاج في معرفته إلى أحد من الأئمة
الوجه الثاني
أن يقال أصول الدين عن الإمامية أربعة التوحيد والعدل والنبوة والإمامة فالإمامة هي آخر المراتب والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك وهم يدخلون في التوحيد نفى الصفات والقول بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر وأن الله لا يقدر أن يهدى من يشاء ولا يقدر أن يضل من يشاء وأنه قد يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء وغير ذلك فلا يقولون إنه خالق كل شيء ولا إنه على كل شيء قدير ولا إنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن لكن التوحيد والعدل والنبوة مقدم على الإمامة فكيف تكون الإمامة أشرف وأهم
وأيضا فإن الإمامة إنما أوجبوها لكونها لطفا في الواجبات فهي واجبة الوسائل فكيف تكون الوسيلة أهم وأشرف من المقصود
الوجه الثالث
أن يقال إن كانت الإمامة أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين فأبعد الناس عن هذا الأهم الأشرف هم الرافضة فإنهم قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين كما سنبينه إن شاء الله تعالى إذا تكلمنا عن حججهم ويكفيك أن مطلوبهم بالإمامة أن يكون لهم رئيس معصوم يكون لطفا في مصالح دينهم ودنياهم وليس في الطوائف أبعد عن مصلحة اللطف والإمامة منهم فإنهم يحتالون على مجهول ومعدوم لا يرى له عين ولا أثر ولا يسمع له حس ولا خبر فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء
وأي من فرض إماما نافعا في بعض مصالح الدين والدنيا كان خيرا ممن لا ينتفع به في شيء من مصالح الإمامة ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإمامة يدخلون في طاعة كافر أو ظالم لينالوا به بعض مقاصدهم فبينما هم يدعون الناس إلى طاعة إمام معصوم أصبحوا يرجعون إلى طاعة ظلوم كفور فهل يكون أبعد عن مقصود الإمامة وعن الخير والكرامة ممن سلك منهاج الندامة
وفي الجملة فالله تعالى قد علق بولاة الأمور مصالح في الدين والدنيا سواء كانت الإمامة أهم الأمور أو لم تكن والرافضة أبعد الناس عن حصول هذه المصلحة لهم فقد فاتهم على قولهم الخير المطلوب من أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين
ولقد طلب منى أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي وأتكلم معه في ذلك فخلوت به وقررت له ما يقولونه في هذا الباب كقولهم إن الله أمر العباد ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب وترك القبيح لأن من دعا شخصا ليأكل طعامه فإذا كان مراده الأكل فعل ما يعين على ذلك من الأسباب كتلقيه بالبشر وإجلاسه في مجلس يناسبه وأمثال ذلك وإن لم يكن مراده أن يأكل عبس في وجهه وأغلق الباب ونحو ذلك،
وهذا أخذوه من المعتزلة ليس هو من أصول شيوخهم القدماء
ثم قالوا والإمام لطف لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور وترك المحظور فيجب أن يكون لهم إمام ولا بد أن يكون معصوما لأنه إذا لم يكن معصوما لم يحصل به المقصود ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي ﷺ إلا لعلي فتعين أن يكون هو إياه للإجماع على انتفاء ما سواه وبسطت له العبارة في هذه المعاني
ثم قالوا وعلى نص على الحسن والحسن على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب
فاعترف بأن هذا تقرير مذهبهم على غاية الكمال
قلت له فأنا وأنت طالبان للعلم والحق والهدى وهم يقولون من لم يؤمن بالمنتظر فهو كافر فهذا المنتظر هل رأيته أو رأيت من رآه أو سمعت له بخبر أو تعرف شيئا من كلامه الذي قاله هو أو ما أمر به أو ما نهى عنه مأخوذا عنه كما يؤخذ عن الأئمة
قال لا
قلت فأى فائدة في إيماننا هذا وأي لطف يحصل لنا بهذا ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص ونحن لا نعلم ما يأمر به ولا ما ينهانا عنه ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه وهم من أشد الناس إنكارا لتكليف مالا يطاق فهل يكون في تكليف مالا يطاق أبلغ من هذا
فقال إثبات هذا مبني على تلك المقدمات
قلت لكن المقصود لنا من تلك المقدمات هو ما يتعلق بنا نحن وإلا فما علينا ما مضى إذا لم يتعلق بنا منه أمر ولا نهى وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يحصل لنا فائدة ولا لطفا ولا يفيدنا إلا تكليف مالا يقدر عليه علم أن الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل والضلال لا من باب المصلحة واللطف
والذي عنه الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى إن كان حقا يحصل به سعادتهم فلا حاجة بهم إلى المنتظر وإن كان باطلا فهم أيضا لم ينتفعوا بالمنتظر في رد هذا الباطل فلم ينتفعوا بالمنتظر لا في إثبات حق ولا في نفي باطل ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولم يحصل لواحد منهم به شيء من المصلحة واللطف المطلوب من الإمامة
والجهال الذين يعقلون أمورهم بالمجهولات كرجال الغيب والقطب والغوث والخضر ونحو ذلك مع جهلهم وضلالهم وكونهم يثبتون ما لم يحصل لهم به مصلحة ولا لطف ولا منفعة لا في الدين ولا في الدنيا أقل ضلالا من الرافضة فإن الخضر كان موجودا وقد ذكره الله في القرآن وفي قصته عبرة وفوائد وقد يرى أحدهم شخصا صالحا يظنه الخضر فينتفع به وبرؤيته وموعظته وإن كان غالطا في اعتقاده أنه الخضر فقد يرى أحدهم بعض الجن فيظن أنه الخضر ولا يخاطبه الجني إلا بما يرى أنه يقبله منه ليربطه على ذلك فيكون الرجل أتى من نفسه لا من ذلك المخاطب له ومنهم من يقول لكل زمان خضر ومنهم من يقول لكل ولي خضر وللكفار كاليهود مواضع يقولون إنهم يرون الخضر فيها وقد يرى الخضر على صور مختلفة وعلى صورة هائلة وأمثال ذلك وذلك لأن هذا الذي يقول إنه الخضر هو جني بل هو شيطان يظهر لمن يرى أنه يضله وفي ذلك حكايات كثيرة يضيق هذا الموضع عن ذكرها
وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالا من هؤلاء فإن منتظرهم ليس عنده نقل ثابت عنه ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه المنتظر ولما دخل السرداب كان عندهم صغيرا لم يبلغ سن التمييز، وهم يقبلون من الأكاذيب أضعاف ما يقبله هؤلاء ويعرضون عن الاقتداء بالكتاب والسنة أكثر من إعراض هؤلاء ويقدحون في خيار المسلمين قدحا يعاديهم عليه هؤلاء فهم أضل عن مصالح الإمامة من جميع طوائف الأمة فقد فاتهم على قولهم أهم الدين وأشرفه
========
منهاج السنة النبوية/2
الوجه الرابع
أن يقال قوله التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة كلام باطل فإن مجرد معرفة الإنسان إمام وقته وإدراكه بعينه لا يستحق به الكرامة إن لم يوافق أمره ونهيه وإلا فليست معرفة إمام الوقت بأعظم من معرفة الرسول ﷺ ومن عرف أن محمدا رسول الله فلم يؤمن به ولم يطع أمره لم يحصل له شيء من الكرامة ولو آمن بالنبي وعصاه فضيع الفرائض وتعدى الحدود كان مستحقا للوعيد عند الإمامية وسائر طوائف المسلمين فكيف بمن عرف الإمام وهو مضيع للفرائض متعد للحدود.
وكثير من هؤلاء يقول حب علي حسنة لا يضر معها سيئة وإن كانت السيئات لا تضر مع حب علي فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص فإن كان حب علي كافيا فسواء وجد الإمام أو لم يوجد
الوجه الخامس
قوله وهي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان
فيقال له من جعل هذا من الإيمان إلا أهل الجهل والبهتان وسنتكلم إن شاء الله على ما ذكره من ذلك
والله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم والنبي ﷺ قد فسر الإيمان وذكر شعبه ولم يذكر الله ولا رسوله الإمامة في أركان الإيمان ففي الحديث الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي ﷺ في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان قال له الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره ولم يذكر الإمامة قال والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهذا الحديث متفق على صحته متلقى بالقبول أجمع أهل العلم بالنقل على صحته وقد أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه فهو متفق عليه من حديث أبي هريرة وفي أفراد مسلم من حديث عمر
وهؤلاء وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة فإما أن نحتج بما يقوم الدليل على صحته ونحن وهم أو لا نحتج بشيء من ذلك لا نحن ولا هم فإن تركوا الرواية رأسا أمكن أن نترك الرواية وأما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الرواية بالرواية والاعتماد على ما تقوم به الحجة ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعارضون به أهل السنة من الروايات الباطلة والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه
وهب أن لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم سورة الأنفال 2 4 فشهد لهؤلاء بالايمان من غير ذكر للإمامة
وقال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون سورة الحجرات 15 فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة
وقال تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون سورة البقرة 177 ولم يذكر الإمامة
وقال تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون سورة البقرة 1 5 فجعلهم مهتدين مفلحين ولم يذكر الإمامة
وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد بن عبد الله ﷺ كانوا إذا أسلموا لم يجعل إيمانهم موقوفا على معرفة الإمامة ولم يذكر لهم شيئا من ذلك وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم به الإيمان فإذا علم بالاضطرار أن هذا مما لم يكن الرسول يشترطه في الإيمان علم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال أهل البهتان
فإن قيل قد دخلت في عموم النصوص أو هي من باب مالا يتم الواجب إلا به أو دل عليها نص آخر
قيل هذا كله لو صح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الدين لا تكون من أركان الإيمان فإن ركن الإيمان مالا يحصل الإيمان إلا به كالشهادتين فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فلو كانت الإمامة ركنا في الإيمان لا يتم إيمان أحد إلا به لوجب أن يبين ذلك الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر كما بين الشهادتين والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الناس الذين دخلوا في دينه أفواجا لم يشترط على أحد منهم في الإيمان الإيمان بالإمامة لا مطلقا ولا معينا
الوجه السادس
قوله فقال رسول الله ﷺ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية
يقال له أولا من روى هذا الحديث بهذا اللفظ وأين إسناده وكيف يجوز أن يحتج بنقل عن النبي ﷺ من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي ﷺ قاله وهذا لو كان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف إنما الحديث المعروف مثل ما روى مسلم في صحيحه عن نافع قال جاء عبد الله ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد ابن معاوية فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله سمعته يقول من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية
وهذا حدث به عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد مع أنه كان فيه من الظلم ما كان ثم إنه اقتتل هو وهم وفعل بأهل الحرة أمورا منكرة
فعلم أن هذا الحديث دل على ما دل عليه سائر الأحاديث الآتية من أنه لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف وأن من لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية وهذا ضد قول الرافضة فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور وأبعد الناس عن طاعتهم إلا كرها
ونحن نطالبهم أولا بصحة النقل ثم بتقدير أن يكون ناقله واحدا فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بخبر مثل هذا الذي لا يعرف له ناقل وإن عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي
الوجه السابع
أن يقال إن كان هذا الحديث من كلام النبي {{صل{{ فليس في حجة لهذا القائل فإن النبي ﷺ قد قال ومن مات ميتة جاهلية في أمور ليست من أركان الإيمان التي من تركها كان كافرا كما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية والرافضة رءوس هؤلاء ولكن لا يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية كما دل على ذلك الكتاب والسنة فكيف يكفر بما هو دون ذلك
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ومن خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية وهذا حال الرافضة فإنهم يخرجون عن الطاعة ويفارقون الجماعة
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية وفي لفظ من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية. وهذه النصوص مع كونها صريحة في حال الرافضة فهي وأمثالها المعروفة عند أهل العلم لا بذلك اللفظ الذي نقله
الوجه الثامن أن هذا الحديث الذي ذكره حجة على الرافضة لأنهم لا يعرفون إمام زمانهم فإنهم يدعون أنه الغائب المنتظر محمد بن الحسن الذي دخل سرداب سامرا سنة ستين ومائتين أو نحوها ولم يميز بعد بل كان عمره إما سنتين أو ثلاثا أو خمسا أو نحو ذلك وله الآن على قولهم أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ولم ير له عين ولا أثر ولا سمع له حسن ولا خبر فليس فيهم أحد يعرفه لا بعينه ولا صفته لكن يقولون إن هذا الشخص الذي لم يره أحد ولم يسمع له خبر هو إمام زمانهم ومعلوم أن هذا ليس هو معرفة بالإمام
ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه في الدنيا ولا يعرف شيئا من أحواله فهذا لا يعرف ابن عمه وكذلك المال الملتقط إذا عرف أن له مالكا ولم يعرف عينه لم يكن عارفا لصاحب اللقطة بل هذا أعرف لأن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب عليه وأما المنتظر فلا يعرف له حال ينتفع به في الإمامة، فإن معرفة الإمام يخرج الإنسان فن الجاهلية هي المعرفة التي يحصل بها طاعة وجماعة خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم ولا جماعة تعصمهم والله تعالى بعث محمدا ﷺ وهداهم به إلى الطاعة والجماعة وهذا المنتظر لا يحصل بمعرفته طاعة ولا جماعة فلم يعرف معرفة تخرج الإنسان من حال الجاهلية بل المنتسبون إليه أعظم الطوائف جاهلية وأشبههم بالجاهلية وإن لم يدخلوا في طاعة غيرهم إما طاعة كافر وإما طاعة مسلم هو عندهم من الكفار أو النواصب لم ينتظم لهم مصلحة لكثرة اختلافهم وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة والجماعة وهذا يتبين
بالوجه التاسع
وهو أن النبي ﷺ أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس لا بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلا كما أمر النبي ﷺ بالاجتماع والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقا بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته وهذا يبين أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين
ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت النبي ﷺ يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنوكم قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ومن أنكر سلم ولكن من رضى وتابع قالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور وأنه يكره وينكر ما يأتونه من معصية الله ولا تنزع اليد من طاعتهم بل يطاعون في طاعة الله وأن منهم خيارا وشرارا من يحب ويدعى له ويحب الناس ويدعو لهم ومن يبغض ويدعو على الناس ويبغضونه ويدعون عليه
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر قالوا فما تأمر قال فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم فقد أخبر أن بعده خلفاء كثيرين وأمر أن يوفى ببيعة الأول فالأول وأن يعطوهم حقهم
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال قال لنا رسول الله ﷺ إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم وفي لفظ ستكون أثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة
فإن قال أنا أردت بقولي إنها أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين المطالب التي تنازعت الأمة فيها بعد النبي ﷺ وهذه هي مسألة الإمامة
قيل له فلا لفظ فصيح ولا معنى صحيح فإن ما ذكرته لا يدل على هذا المعنى بل مفهوم اللفظ ومقتضاه أنها أهم المطالب في الدين مطلقا وأشرف مسائل المسلمين مطلقا
وبتقدير أن يكون هذا مرادك فهو معنى باطل فإن المسلمين تنازعوا بعد النبي ﷺ في مسائل أشرف من هذه وبتقدير أن تكون هي الأشرف فالذي ذكرته فيها أبطل المذاهب وأفسد المطالب، وذلك أن النزاع في الإمامة لم يظهر إلا في خلافة علي رضي الله عنه وأما على عهد الخلفاء الثلاثة فلم يظهر نزاع إلا ما جرى يوم السقيفة وما انفصلوا حتى اتفقوا ومثل هذا لا يعد نزاعا ولو قدر أن النزاع فيها كان عقب موت النبي ﷺ فليس كل ما تنوزع فيه عقب موته ﷺ يكون أشرف مما تنوزع فيه بعد موته بدهر طويل
وإذا كان كذلك فمعلوم أن مسائل القدر والتعديل والتجوير والتحسين والتقبيح والتوحيد والصفات والإثبات والتنزيه أهم وأشرف من مسائل الإمامة ومسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد والعفو والشفاعة والتخليد أهم من مسائل الإمامة
ولهذا كل من صنف في أصول الدين يذكر مسائل الإمامة في الآخر حتى الإمامية يذكرون مسائل التوحيد والعدل والنبوة قبل مسائل الإمامة وكذلك المعتزلة يذكرون أصولهم الخمس التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والخامس هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه تتعلق مسائل الإمامة
ولهذا كان جماهير الأمة نالوا الخير بدون مقصود الإمامة التي تقولها الرافضة فإنهم يقرون بأن الأمام الذي هو صاحب الزمان مفقود لا ينتفع به أحد وأنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أو قريبا من ذلك وهو الآن غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنه فهم في هذه المدة لم ينتفعوا بإمامته لا في دين ولا في دنيا بل يقولون إن عندهم علما منقولا عن غيره
فإن كانت أهم مسائل الدين وهم لم ينتفعوا بالمقصود منها فقد فاتهم من الدين أهمه وأشرفه وحينئذ فلا ينتفعون بما حصل لهم من التوحيد والعدل لأنه يكون ناقصا بالنسبة إلى مقصود الإمامة فيستحقون العذاب كيف وهم يسلمون أن مقصود الإمامة إنما هو في الفروع الشرعية وأما الأصول العقلية فلا يحتاج فيها إلى الإمام وتلك هي أهم وأشرف
ثم بعد هذا كله فقولكم في الإمامة من أبعد الأقوال عن الصواب ولو لم يكن فيه إلا أنكم أوجبتم الإمامة لما فيها من مصلحة الخلق في دينهم ودنياهم وإمامكم صاحب الوقت لم يحصل لكم من جهته مصلحة لا في الدين ولا في الدنيا فأي سعى أضل من سعى من يتعب التعب الطويل ويكثر القال والقيل ويفارق جماعة المسلمين ويلعن السابقين والتابعين ويعاون الكفار والمنافقين ويحتال بأنواع الحيل ويسلك ما أمكنه من السبل ويعتضد بشهود الزور ويدلى أتباعه بحبل الغرور ويفعل ما يطول وصفه ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه ويعرفه ما يقربه إلى الله تعالى
ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده ولا أمره ولا نهيه ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلا إلا إذهاب نفسه وماله وقطع الأسفار وطول الانتظار بالليل والنهار ومعاداة الجمهور لداخل في سرادب ليس له عمل ولا خطاب ولو كان موجودا بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين فكيف عقلاء الناس يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يعقب كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالنسب
وهم يقولون إنه دخل السرداب بعد موت أبيه وعمره إما سنتان وإما ثلاث وإما خمس وإما نحو ذلك ومثل هذا بنص القرآن يتيم يجب أن يحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد ويحضنه من يستحق حضانته من أقربائه فإذا صار له سبع سنين امر بالطهارة والصلاة فمن لا توضأ ولا صلى وهو تحت حجر وليه في نفسه وماله بنص القرآن لو كان موجودا يشهده العيان لما جاز أن يكون هو إمام أهل الإيمان فكيف إذا كان معدوما أو مفقودا مع طول هذه الغيبة والمرأة إذا غاب عنها وليها زوجها الحاكم أو الولي الحاضر لئلا تفوت مصلحة المرأة بغيبة الولي المعلوم الموجود فكيف تضيع مصلحة الأمة مع طول هذه المدة مع هذا الإمام المفقود
فصل
قال المصنف الرافضي
الفصل الأول في نقل المذاهب في هذه المسألة
ذهبت الإمامية إلى أن الله عدل حكيم لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب وأن أفعاله إنما تقع لغرض صحيح وحكمه وأنه لا يفعل الظلم ولا العبث وأنه رءوف بالعباد يفعل ما هو الأصلح لهم والأنفع وأنه تعالى كلفهم تخييرا لا إجبارا ووعدهم الثواب وتوعدهم بالعقاب على لسان أنبيائه ورسله المعصومين بحيث لا يجوز عليهم الخطأ ولا النسيان ولا المعاصي وإلا لم يبق وثوق بأقوالهم وأفعالهم فتنتقى فائدة البعثة
ثم أردف الرسالة بعد موت الرسول بالإمامة فنصب أولياء معصومين ليأمن الناس من غلطهم وسهوهم وخطئهم فينقادون إلى أوامرهم لئلا يخلى الله العالم من لطفه ورحمته
وأنه لما بعث الله محمدا ﷺ قام بنقل الرسالة ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام ثم من بعده علي ولده الحسن الزكي ثم على ولده الحسين الشهيد ثم على علي بن الحسين زيد العابدين ثم على محمد بن علي الباقر ثم على جعفر بن محمد الصادق ثم على موسى بن جعفر الكاظم ثم على علي بن موسى الرضا ثم على محمد بن علي الجواد ثم على بن محمد الهادي ثم على الحسن بن علي العسكري ثم على الخلف الحجة محمد بن الحسن عليهم الصلاة والسلام وأن النبي ﷺ لم يمت إلا عن وصية بالإمامة
قال وأهل السنة ذهبوا إلى خلاف ذلك كله فلم يثبتوا العدل والحكمة في أفعاله تعالى وجوزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب وأنه تعالى لا يفعل لغرض بل كل أفعاله لا لغرض من الأغراض ولا لحكمة ألبتة وأنه يفعل الظلم والعبث وأنه لا يفعل ما هو الأصلح لعباده بل ما هو الفساد في الحقيقة لأن فعل المعاصي وأنواع الكفر والظلم وجميع أنواع الفساد الواقعة في العالم مسندة إليه تعالى الله عن ذلك وأن المطيع لا يستحق ثوابا والعاصي لا يستحق عقابا بل قد يعذب المطيع طول عمره المبالغ في امتثال أوامره تعالى كالنبي ﷺ ويثيب العاصي طول عمره بأنواع المعاصي وأبلغها كإبليس وفرعون
وأن الأنبياء غير معصومين بل قد يقع منهم الخطأ والزلل والفسوق والكذب والسهو وغير ذلك
وأن النبي ﷺ لم ينص على إمام وأنه مات عن غير وصية وأن الإمام بعد رسول الله ﷺ أبو بكر بن أبي قحافة بمبايعة عمر بن الخطاب له برضاء أربعة أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد بن عبادة
ثم من بعده عمر بن الخطاب بنص أبي بكر عليه ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم ثم علي بن أبي طالب لمبايعة الخلق له
ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الإمام بعده الحسن وبعضهم قال إنه معاوية ابن أبي سفيان
ثم ساقوا الإمامة في بني أمية إلى أن ظهر السفاح من بني العباس فساقوا الإمامة إليه
ثم انتقلت الإمامة منه إلى أخيه المنصور
ثم ساقوا الإمامة في بني العباس إلى المستعصم
قلت فهذا النقل لمذهب أهل السنة والرافضة فيه من الكذب والتحريف ما سنذكر بعضه
والكلام عليه من وجوه
أحدها
أن إدخال مسائل القدر والتعديل والتجوير في هذا الباب كلام باطل من الجانبين إذ كل من القولين قد قال به طوائف من أهل السنة والشيعة فالشيعة فيهم طوائف تثبت القدر وتنكر مسائل التعديل والتجوير والذين يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيهم طوائف تقول بما ذكره من التعديل والتجوير كالمعتزلة وغيرهم ومعلوم أن المعتزلة هم أصل هذا القول وأن شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي والكراجكي وغيرهم إنما أخذوا ذلك من المعتزلة وإلا فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا
وإن كان ما ذكره في ذلك ليس متعلقا بمذهب الإمامة بل قد يوافقهم على قولهم في الإمامية من لا يوافقهم على قولهم في القدر وقد تقول بما ذكره في القدر طوائف لا توافهم على الإمامة كان ذكر هذا في مسألة الإمامة بمنزلة سائر مسائل النزاع التي وافقوا فيها بعض المسلمين كمسائل فتنة القبر ومنكر ونكير والحوض والميزان والشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار وأمثال ذلك من المسائل التي لا تتعلق بالإمامة بل هي مسائل مستقلة بنفسها وبمنزلة المسائل العملية كمسائل الخلاف التي صنفها الموسوي وغيره من شيوخ الإمامية فتبين أن إدخال مسائل القدر في مسألة الإمامية إما جهل وإما تجاهل
الوجه الثاني
أن يقال ما نقله عن الإمامية لم ينقله على وجهه فإنه من تمام قول قول الإمامية الذي حكاه وهو قول من وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم من متأخري الشيعة أن الله لم يخلق شيئا من أفعال الحيوان لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم بل هذه الحوادث التي تحدث تحدث بغير قدرته ولا خلقه
ومن قولهم أيضا إن الله تعالى لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يقدر أن يضل مهتديا ولا يحتاج أحد من الخلق إلى أن يهديه الله بل الله قد هداهم هدى البيان وأما الاهتداء فهذا يهتدى بنفسه لا بمعونة الله له وهذا يهتدى بنفسه لا بمعونة الله له
ومن قولهم إن هدى الله للمؤمنين والكفار سواء ليس له على المؤمنين نعمة في الدين أعظم من نعمته على الكافرين بل قد هدى علي بن أبي طالب كما هدى أبا جهل بمنزلة الأب الذي يعطي أحد بنيه دراهم ويعطى الآخر مثلها لكن هذا أنفقها في طاعة الله وهذا في معصيته فليس للأب من الإنعام على هذا في دينه أكثر مما له من الإنعام على الآخر
ومن أقوالهم إنه يشاء الله مالا يكون ويكون مالا يشاء
فإن قيل فيهم من يقول إنه يخص بعضهم ممن علم منه أنه إذا خصه بمزيد لطف من عنده اهتدى بذلك وإلا فلا
قيل فهذا هو حقيقة قول أهل السنة المثبتين للقدر فإنهم يقولون كل من خصه الله بهدايته إياه صار مهتديا ومن لم يخصه بذلك لم يصر مهتديا فالتخصيص والاهتداء متلازمان عند أهل السنة
فإن قيل بل قد يخصه بما لا يوجب الاهتداء كما قال تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون سورة الأنفال 23
قيل هذا التخصيص حق لكن دعوى لا تخصيص إلا هذا غلط كما سيأتي بل كل ما يستلزم الاهتداء هو من التخصيص
وفي الجملة فالقوم لا يثبتون لله مشيئة عامة ولا قدرة تامة ولا خلقا متناولا لكل حادث وهذا القول أخذوه عن المعتزلة هم أئمتهم فيه، ولهذا كانت الشيعة فيه على قولين
الوجه الثالث
أن قوله إنه نصب أولياء معصومين لئلا يخلى الله العالم من لطفه ورحمته
إن أراد بقوله إنه نصب أولياء أنه مكنهم وأعطاهم القدرة على سياسة الناس حتى ينتفع الناس بسياستهم فهذا كذب واضح وهم لا يقولون ذلك بل يقولون إن الأئمة مقهورون مظلومون عاجزون ليس لهم سلطان ولا قدرة ولا مكنة ويعلمون أن الله لم يمكنهم ولم يملكهم فلم يؤتهم ولاية ولا ملكا كما أتى المؤمنين والصالحين ولا كما آتى الكفار والفجار
فإنه سبحانه قد آتى الملك لمن آتاه من الأنبياء كما قال في داود وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء سورة البقرة 251 وقال تعالى أم يحسدون الناس على آتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما سورة النساء 54 وقال تعالى وقال الملك ائتوني به سورة يوسف 5وقال وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا سورة الكهف 713
وقال تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك سورة البقرة 25فقد آتى الملك لبعض الكفار كما آتاه لبعض الأنبياء ومن بعد علي رضي الله عنه والحسن لم يؤت الملك لأحد من هؤلاء كما أوتيه الأنبياء والصالحون ولا كما أوتيه غيرهم من الملوك فبطل أن يكون الله نصب هؤلاء المعصومين على هذا الوجه
فإن قيل المراد بنصبهم أنه أوجب على الخلق طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم لكن الخلق عصوهم
فيقال فلم يحصل بمجرد ذلك في العالم لا لطف ولا رحمة بل إنما حصل تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم وأيضا فالمؤمنون بالمنتظر لم ينتفعوا به ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة مع كونهم يحبونه ويوالونه فعلم أنه لم يحصل به لطف ولا مصلحة لا لمن أقر بإمامته ولا لمن جحدها
فبطل ما يذكرون أن العالم حصل فيه اللطف والرحمة بهذا المعصوم وعلم بالضرورة أن هذا العالم لم يحصل فيه بهذا المنتظر شيء من ذلك لا لمن آمن به ولا لمن كفر به بخلاف الرسول والنبي الذي بعثه الله وكذبه قوم فإنه انتفع به من آمن به وأطاعه فكان رحمة في حق المؤمن به المطيع له وأما العاصي فهو المفرط
وهذا المنتظر لم ينتفع به لا مؤمن به ولا كافر به وأما سائر الاثنى عشر سوى علي فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أهل العلم والدين من جنس تعليم العلم والتحديث والافتاء ونحو ذلك وأما المنفعة المطلوبة من الأئمة ذوي السلطان والسيف فلم تحصل لواحد منهم فتبين أن ما ذكره من اللطف والمصلحة بالأئمة تلبيس محض وكذب
الوجه الرابع
أن قوله عن أهل السنة إنهم لم يثبتوا العدل والحكمة وجوزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب نقل باطل عنهم من وجهين
أحدهما أن كثير من أهل السنة الذين لا يقولون في الخلافة بالنص على علي ولا بإمامة الاثنى عشر يثبتون ما ذكره من العدل والحكمة على الوجه الذي قاله هو وشيوخه عن هؤلاء أخذوا ذلك كالمعتزلة وغيرهم ممن وافقهم متأخرو الرافضة على القدر فنقله عن جميع أهل السنة الذين هم في اصطلاحه واصطلاح العامة من سوى الشيعة هذا القول كذب بين منه
الوجه الثاني أن سائر أهل السنة الذين يقرون بالقدر ليس فيهم من يقول إن الله تعالى ليس بعدل ولا من يقول إنه ليس بحكيم ولا فيهم من يقول إنه يجوز أن يترك واجبا ولا أن يفعل قبيحا، فليس في المسلمين من يتكلم بمثل هذا الكلام الذي أطلقه ومن أطلقه كان كافرا مباح الدم باتفاق المسلمين
ولكن هذه مسألة القدر والنزاع فيها معروف بين المسلمين فأما نفاة القدر كالمعتزلة ونحوهم فقولهم هو الذي ذهب إليه متأخرو الإمامية
وأما المثبتون للقدر وهو جمهور الأمة وأئمتها كالصحابة والتابعين لهم بإحسان وأهل البيت وغيرهم فهؤلاء تنازعوا في تفسير عدل الله وحكمته والظلم الذي يجب تنزيهه عنه وفي تعليل أفعاله وأحكامه ونحو ذلك
فقالت طائفة إن الظلم ممتنع منه غير مقدور وهو محال لذاته كالجمع بين النقيضين وإن كل ممكن مقدور فليس هو ظلما وهؤلاء هم الذين قصدوا الرد عليهم وهؤلاء يقولون إنه لو عذب المطيعين ونعم العصاة لم يكن ظالما وقالوا الظلم التصرف فيما ليس له والله تعالى له كل شيء أو هو مخالفة الأمر والله لا آمر له وهذا قول كثير من أهل الكلام المثبتين للقدر ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة
وقال طائفة بل الظلم مقدور ممكن والله تعالى منزه لا يفعله لعدله ولهذا مدح الله نفسه حيث أخبر أنه لا يظلم الناس شيئا والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه لا بترك الممتنع
قالوا وقد قال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما سورة طه 112 قالوا الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن يهضم حسناته
وقال تعالى ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم سورة هود 100 101 فأخبر أنه لم يظلمهم لما أهلكهم بل أهلكهم بذنوبهم
وقال تعالى وجيء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون سورة الزمر 69 فدل على أن القضاء بينهم بغير القسط ظلم والله منزه عنه
وقال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا سورة الأنبياء 47 أي لا تنقص من حسناتها ولا تعاقب بغير سيئاتها فدل على أن ذلك ظلم ينزه الله عنه
وقال تعالى قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد سورة ق 28 29 وإنما نزه نفسه عن أمر يقدر عليه لا عن الممتنع لنفسه
ومثل هذا في القرآن في غير موضع مما يبين أن الله ينتصف من العباد ويقضي بينهم بالعدل وأن القضاء بينهم بغير العدل ظلم ينزه الله عنه وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره
وقال تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى سورة الأنعام 164 فإن ذلك ينزه الله عنه بل لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الله تعالى يقول يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا فقد حرم على نفسه الظلم كما كتب على نفسه الرحمة في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة سورة الأنعام 513
وفي الحديث الصحيح لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي والأمر الذي كتبه الله على نفسه أو حرمه على نفسه لا يكون إلا مقدورا له سبحانه فالممتنع لنفسه لا يكتبه على نفسه ولا يحرمه على نفسه
وهذا القول قول أكثر أهل السنة والمثبتين للقدر من أهل الحديث والتفسير والفقه والكلام والتصوف من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم
وعلى هذا القول فهؤلاء هم القائلون بعدل الله تعالى وإحسانه دون من يقول من القدرية إن من فعل كبيرة حبط إيمانه فإن هذا نوع من الظلم الذي نزه الله سبحانه نفسه عنه وهو القائل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره سورة الزلزلة 80وأما من اعتقد أن منته على المؤمنين بالهداية دون الكافرين ظلم منه فهذا جهل لوجهين
أحدهما أن هذا تفضل منه كما قال تعالى بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين سورة الحجرات 1وكما قالت الأنبياء إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده سورة إبراهيم 11 وقال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين سورة الأنعام 53
فتخصيص هذا بالإيمان كتخصيص هذا بمزيد علم وقوة وصحة وجمال ومال قال تعالى أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا سورة الزخرف 3وإذا خص أحد الشخصين بقوة وطبيعة تقضي غذاء صالحا خصه بما يناسب ذلك من الصحة والعافية وإذا لم يعط الاخر ذلك نقص عنه وحصل له ضعف ومرض
والظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو لا يضع العقوبة إلا في المحل الذي يستحقها لا يضعها على محسن أبدا
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يقبض ويبسط فبين أنه سبحانه يحسن ويعدل ولا يخرج فعله عن العدل والإحسان ولهذا قيل كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل
ولهذا يخبر أنه تعالى يعاقب الناس بذنوبهم وأن إنعامه عليهم إحسان منه كما في الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
وقد قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك سورة النساء 79 أي ما أصابك من نعم تحبها كالنصر والرزق فالله أنعم بذلك عليك وما أصابك من نقم تكرهها فبذنوبك وخطاياك فالحسنات والسيئات هنا أراد بها النعم والمصائب كما قال تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات سورة الأعراف 68 وكما قال تعالى إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل سورة التوبة 50 وقوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها سورة آل عمران 12ومثل هذا قوله تعالى وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون سورة الروم 3فأخبر أن ما يصيب به الناس من الخير فهو رحمة منه أحسن بها إلى عباده وما أصابهم به من العقوبات فبذنوبهم وتمام الكلام على هذا مبسوط في مواضع أخر
وكذلك الحكمة أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة لكن تنازعوا في تفسير ذلك
فقالت طائفة الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة
وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكن كل مريد حكيما ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم قائمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية وإنما ينازع في ذلك طائفة من نفاة القياس وغير نفاته وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده معلوم
وأصحاب القول الأول كجهم بن صفوان وموافقيه كالأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يقولون ليس في القرآن لام التعليل في أفعال الله بل ليس فيه إلا لام العاقبة
وأما الجمهور فيقولون بل لام التعليل داخلة في أفعال الله تعالى وأحكامه
والقاضي أبو يعلى وأبو الحسن بن الزاغوني ونحوهما من أصحاب أحمد وإن كانوا قد يقولون بالأول فهم يقولون بالثاني أيضا في غير موضع وكذلك أمثالهم من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وغيرهما
وأما ابن عقيل والقاضي في بعض المواضع وأبو خازم بن القاضي أبي يعلى وأبو الخطاب فيصرحون بالتعليل والحكمة في أفعال الله تعالى موافقة لمن قال ذلك من أهل النظر
والحنفية هم من أهل السنة القائلين بالقدر وجمهورهم يقولون بالتعليل والمصالح والكرامية وأمثالهم هم أيضا من القائلين بالقدر المثبتين لخلافة الخلفاء المفضلين لأبي بكر وعمر وعثمان وهم أيضا يقولون بالتعليل والحكمة وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يقولون بالتعليل والحكمة وبالتحسين والتقبيح العقلين كأبي بكر القفال وأبي علي بن أبي هريرة وغيرهم من أصحاب الشافعي وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب من أصحاب أحمد
وفي الجملة النزاع في تعليل أفعال الله وأحكامه مسألة لا تتعلق بالإمامة أصلا وأكثر أهل السنة على إثبات الحكمة والتعليل
ولكن الذين أنكروا ذلك من أهل السنة احتجوا بحجتين
أحداهما أن ذلك يستلزم التسلسل فإنه إذا فعل لعلة فتلك العلة أيضا حادثة فتفتقر إلى علة إن وجب ان يكون لكل حادث علة، وإن عقل الإحداث بغير علة لم يحتج إلى إثبات علة فهم يقولون إن أمكن الإحداث بغير علة لم يحتج إلى علة ولم يكن ذلك عبثا وإن لم يكن وجود الإحداث إلا لعلة فالقول في حدوث العلة كالقول في حدوث المعلول وذلك يستلزم التسلسل
الحجة الثانية أنهم قالوا من فعل لعلة كان مستكملا بها لأنه لو لم يكن حصول العلة أولى من عدمها لم تكن علة والمستكمل بغيره ناقص بنفسه وذلك ممتنع على الله
وأوردوا على المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة حجة تقطعهم على أصولهم فقالوا العلة التي فعل لأجلها إن كان وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء امتنع أن تكون علة وإن كان وجودها أولى فإن كانت منفصلة عنه لزم أن يستكمل بغيره وإن كانت قائمة به لزم أن يكون محلا للحوادث
وأما المجوزون للتعليل فهم متنازعون فالمعتزلة وأتباعهم من الشيعة تثبت من التعليل مالا يعقل وهو أنه فعل لعلة منفصلة عن الفاعل مع كون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء
وأما أهل السنة القائلون بالتعليل فإنهم يقولون إن الله يحب ويرضى كما دل على ذلك الكتاب والسنة ويقولون إن المحبة والرضا أخص من الإرادة وأما المعتزلة وأكثر أصحاب الأشعري فيقولون إن المحبة والرضا والإرادة سواء فجمهور أهل السنة يقولون إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة وهو وإن كان شرا بالنسبة إلى الفاعل فليس كل ما كان شرا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة بل لله في المخلوقات حكم قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها
وهؤلاء يجيبون عن التسلسل بجوابين
أحدهما أن يقال هذا التسلسل في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية فإنه إذا فعل فعلا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل فإذا كانت تلك الحكمة يطلب منها حكمة أخرى بعدها كان تسلسلا في المستقبل وتلك الحكمة الحاصلة محبوبة له وسبب لحكمة ثانية فهو لا يزال سبحانه يحدث من الحكم ما يحبه ويجعله سببا لما يحبه
قالوا والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل فإن نعيم الجنة وعذاب النار دائمان مع تجدد الحوادث فيهما وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان فزعم أن الجنة والنار يفنيان وأبو الهذيل العلاف زعم أن حركات أهل الجنة والنار تنقطع ويبقون في سكون دائم
وذلك أنهم لما اعتقدوا أن التسلسل في الحوادث ممتنع في الماضي والمستقبل قالوا هذا القول الذي ضللهم به أئمة الإسلام
وأما تسلسل الحوادث في الماضي فقيه أيضا قولان لأهل الإسلام لأهل الحديث والكلام وغيرهم
فمن يقول إنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فعالا إذا شاء أفعالا تقوم بنفسه بقدرته ومشيئته شيئا بعد شيء يقول إنه لم يزل يتكلم بمشيئته ويفعل بمشيئته شيئا بعد شيء مع قوله إن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن وإنه ليس في العالم شيء قديم مساوق لله كما تقوله الفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك وأنها مساوقة لله في وجوده فإن هذا ليس من أقوال المسلمين
وقد بينا فساد قول هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا أن قولهم بأن المبدع علة تامة موجب بذاته هو نفسه يستلزم فساد قولهم فإن العلة التامة تستلزم معلولها فلا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها
فالحوادث مشهودة في العالم فلو كان الصانع موجبا بذاته علة تامة مستلزمة لمعلولها لم يحدث شيء من الحوادث في الوجود إذ الحادث يمتنع أن يكون صادرا عن علة تامة أزلية فلو كان العالم قديما لكان مبدعة علة تامة والعلة التامة لا يتخلف عنها شيء من معلولها فيلزم من ذلك أن لا يحدث في العالم شيء فحدوث الحوادث دليل على أن فاعلها ليس بعلة تامة في الأزل وإذا انتفت العلة التامة في الأزل بطل القول بقدم شيء من العالم لكن هذا لا ينفى أن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل حيا فعالا لما يشاء
وعمدة الفلاسفة على قدم العالم هو قولهم يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث فيمتنع تقدير ذات معطلة عن الفعل لم تفعل ثم فعلت من غير حدوث سبب
وهذا القول لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم لا الأفلاك ولا غيرها إنما يدل على أنه لم يزل فعالا وإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه أو مفعولات حادثة شيئا بعد شيء كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى الله محدث مخلوق بعد أن لم يكن كما أخبرت الرسل أن الله خالق كل شيء وإن كان النوع لم يزل متجددا كما في الحوادث المستقبلة كل منها حادث مخلوق وهي لا تزال تحدث شيئا بعد شيء
قال هؤلاء والله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأخبر أنه خالق كل شيء ولا يكون المخلوق إلا مسبوقا بالعدم فالقرآن يدل على أن كل ما سوى الله مخلوق مفعول محدث
فليس شيء من الموجودات مقارنا لله تعالى كما يقوله دهرية الفلاسفة إن العالم معلول له وهو موجب له مفيض له وهو متقدم عليه بالشرف والعلية والطبع وليس متقدما عليه بالزمان فإنه لو كان علة تامة موجبة يقترن بها معلولها كما زعموا لم يكن في العالم شيء محدث فإن ذلك المحدث لا يحدث عن علة تامة أزلية يقارنها معلولها فإن المحدث المعين لا يكون أزليا
وسواء قيل إنه حدث بوسط أو بغير وسط كما يقولون إن الفلك تولد عنه بوسط عقل أو عقلين أو غير ذلك مما يقال فإن كل قول يقتضى أن يكون شيء من العالم قديما لازما لذات الله فهو باطل لأن ذلك يستلزم كون البارىء موجبا بالذات بحيث يقارنه موجبه إذ لولا ذلك لما قارنه بذلك الشيء ولو كان موجبا بالذات لم يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه فكان يلزم أن لا يكون في العالم شيء محدث
ولو قيل إنه موجب بذاته للفلك وأما حركات الفلك فيوجبها شيئا بعد شيء كان هذا باطلا من وجوه
أحدها
أن يقال إن كانت حركة الفلك لازمة له كما هو قولهم امتنع إبداع الملزوم دون لازمه وكونه موجبا بالذات علة تامة للحركة ممتنع لأن الحركة تحدث شيئا فشيئا والعلة التامة الموجبة لمعلولها في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها فلا تكون الحركة معلولة للموجب بذاته في الأزل الذي يلزمه معلوله وإن لم تكن لازمة له فهي حادثة فتقتضى سببا واجبا حادثا وذلك بالحادث لا يحدث عن العلة التامة الأزلية إذ الموجب بذاته لا يتأخر عنه موجبه
ولهذا كان قول هؤلاء الذين يجعلون الحوادث صادرة عن علة تامة أزلية لا يحدث فيها ولا منها شيء أشد فسادا من قول من يقول حدثت عن القادر بدون سبب حادث لأن هؤلاء أثبتوا فاعلا ولم يثبتوا سببا حادثا وأولئك يلزمهم نفى الفاعل للحوادث لأن العلة التامة الموجبة بذاتها في الأزل لا تكون محدثة لشيء أصلا ولهذا كانت الحوادث عندهم إنما تحدث بحركة الفلك وهم لا يجعلون فوق الفلك شيئا أحدث حركته بل قولهم في حركات الأفلاك وسائر الحوادث من جنس قول القدرية في أفعال الحيوان وحقيقة ذلك أنها تحدث بلا محدث لكن القدرية خصوا ذلك بأفعال الحيوان وهؤلاء قالوا ذلك في كل حادث علوي وسفلي
الوجه الثاني
أن الفاعل سواء كان قادرا أو موجبا بذاته أو قيل هو قادر يوجب بمشيئته وقدرته لا بد أن يكون موجودا عند وجود المفعول ولا يجوز أن يكون معدوما عند وجود المفعول إذ المعدوم لا يفعل موجودا ونفس إيجابه وفعله واقتضائه وإحداثه لا بد أن يكون ثابتا بالفعل عند وجود المفعول الموجب المحدث فلا يكون فاعلا حقيقة إلا مع وجود المفعول
فلو قدر أنه فعله واقتصاه فوجد بعد عدم للزم أن يكون فعله وإيجابه عند عدم المفعول الموجب وعند عدمه فلا إيجاب ولا فعل
وإذا كان كذلك فالموجب لحدوث الحوادث إذا قدر أنه يفعل الثاني بعد الأول من غير أن يحدث له حال يكون بها فاعلا للثاني كان المؤثر التام معدوما عند وجود الأثر وهذا محال فإن حاله عند وجود الأثر وعدمه سواء وقبله كان يمتنع أن يكون فاعلا له فكذلك عنده أو يقال قبله لم يكن فاعلا فكذلك عنده
إذ لو جوز أن يحدث الحادث الثاني من غير حدوث حال للفاعل بها صار فاعلا لزم حدوث الحوادث كلها بلا سبب وترجيح الفاعل لأحد طرفي الممكن بل لوجود الممكن بلا مرجح لأن حاله قبل ومع وبعد سواء فتخصيص بعض الأوقات بذلك الحادث تخصيص بلا مخصص فإن كان هذا جائزا جاز حدوث كل الحوادث بلا سبب حادث وبطل قولهم وإن لم يكن جائزا بطل أيضا قولهم فثبت بطلان قول هؤلاء المتفلسفة الدهرية على تقدير النقيضين وذلك يستلزم بطلانه في نفس الأمر
والواحد من الناس إذا قطع مسافة وكان قطعه للجزء الثاني مشروطا بالأول فإنه إذا قطع الأول حصل له أمور تقوم به من قدرة أو إرادة أو غيرهما تقوم بذاته بها صار حاصلا في الجزء الثاني لا أنه بمجرد عدم الأول صار قاطعا للثاني
فإذا شبهوا فعله للحوادث بهذا لزمهم أن يتجدد لله أحوال تقوم به عند إحداث الحوادث وإلا فإذا كان هو لم يتجدد له حال وإنما وجد الحادث الثاني بمجرد عدم الأول فحاله قبل وبعد سواء فاختصاص أحد الوقتين بالإحداث لا بد له من مخصص ونفس صدور الحوادث لا بد له من فاعل والتقدير أنه على حال واحدة من الأزل إلى الأبد فيمتنع مع هذا التقدير اختصاص وقت دون وقت بشيء أو أن يكون فاعلا للحوادث فإنه إذا كان ولا يفعل هذا الحادث وهو الآن كما كان فهو الآن لا يفعل هذا الحادث
وابن سينا وأمثاله من القائلين بقدم العالم بهذا احتجوا على أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم فقالوا إذا كان في الأزل ولا يفعل وهو الآن على حالة فهو الآن لا يفعل وقد فرض فاعلا هذا خلف وإنما لزم ذلك من تقدير ذات معطلة عن الفعل
فيقال لهم هذا بعينه حجة عليكم في إثبات ذات بسيطة لا يقوم بها فعل ولا وصف مع صدور الحوادث عنها فإن كان بوسائط لازمة لها فالوسط اللازم لها قديم بقدمها وقد قالوا إنه يمتنع صدور الحوادث عن قديم هو على حال واحد كما كان
الوجه الثالث
أن يقال هم يقولون بأن الواجب فياض دائم الفيض وإنما يتخصص بعض الأوقات بالحدوث لما يتجدد من حدوث الاستعداد والقبول وحدوث الاستعداد والقبول هو سبب حدوث الحركات
وهذا كلام باطل فإن هذا إنما يتصور إذا كان الفاعل الدائم الفيض ليس هو المحدث لاستعداد القبول كما يدعونه في العقل الفعال فيقولون إنه دائم الفيض ولكن يحدث استعداد القوابل بسبب حدوث الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية وتلك ليست صادرة عن العقل الفعال وإنما في المبدع الأول فهو المبدع لكل ما سواه فعنه يصدر الاستعداد والقبول والقابل والمقبول
وحينئذ فيقال إذا كان علة تامة موجبا بذاته وهو دائم الفيض لا يتوقف فيضه على شيء غيره أصلا لزم أن يكون كل ما يصدر عنه بواسطة أو بغير واسطة لازما له قديما بقدمه فلا يحدث عنه شيء لا بوسط ولا بغير وسط لأن فعله وإبداعه لا يتوقف على استعداد أو قبول يحدث عن غيره ولكن هو المبدع للشرط والمشروط والقابل والمقبول والاستعداد وما يفيض على المستعد وإذا كان وحده هو الفاعل لذلك كله امتنع أن يكون علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها لأن ذلك يوجب أن يكون معلوله كله أزليا قديما بقدمه وكل ما سواه معلول له فيلزم أن يكون كل ما سواه قديما أزليا وهذا مكابرة للحس
ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن فساد قول هؤلاء معلوم بالضرورة بعد التصور التام
وإنما عظمت حجتهم وقويت شوكتهم على أهل الكلام المحدث المبتدع الذي ذمه السلف والأئمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية والشيعة ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم فإن هؤلاء لما اعتقدوا أن الرب في الأزل كان يمتنع منه الفعل والكلام بمشيئته وقدرته وكان حقيقة قولهم أنه لم يكن قادرا في الأزل على الكلام والفعل بمشيئته وقدرته لكون ذلك ممتنعا لنفسه والممتنع لا يدخل تحت المقدور صاروا حزبين
حزبا قالوا إنه صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا وإنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وهذا قول المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة وهو قول الكرامية وأئمة الشيعة كالهاشمية وغيرهم
وحزبا قالوا صار الفعل ممكنا بعد أن كان ممتنعا منه وأما الكلام فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة بل هو شيء واحد لازم لذاته وهو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما أو قالوا إنه حروف أو حروف وأصوات قديمة الأعيان لا تتعلق بمشيئته وقدرته وهو قول طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه ويعزى ذلك إلى السالمية وحكاه الشهرستاني عن السلف والحنابلة وليس هو قول جمهور أئمة الحنابلة ولكنه قول طائفة منهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهم
وأصل هذا الكلام كان من الجهمية أصحاب جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف ونحوهما قالوا لأن الدليل قد دل على أن دوام الحوادث ممتنع وأنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ لامتناع حوادث لا أول لها كما قد بسط في غير هذا الموضع
قالوا فإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون كل ما تقارنه الحوادث محدثا فيمتنع أن يكون البارىء لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته وقدرته، بل يمتنع أن يكون لم يزل قادرا على ذلك لأن القدرة على الممتنع ممتنعة فيمتنع أن يكون قادرا على دوام الفعل والكلام بمشيئته وقدرته
قالوا وبهذا يعلم حدوث الجسم لأن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث
ولم يفرق هؤلاء بين مالا يخلو عن نوع الحوادث وبين مالا يخلو عن عين الحوادث ولا فرقوا فيما لا يخلو عن الحوادث بين أن يكون مفعولا معلولا أو أن يكون فاعلا واجبا بنفسه
فقال لهؤلاء أئمة الفلاسفة وأئمة أهل الملل وغيرهم فهذا الدليل الذي أثبتم به حدوث العالم هو يدل على امتناع حدوث العالم وكان ما ذكرتموه إنما يدل على نقيض ما قصدتموه
وذلك لأن الحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ممكنا والإمكان ليس له وقت محدود فما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله فليس لإمكان الفعل وجواز ذلك وصحته مبدأ ينتهى إليه فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها
قال المناظر عن أولئك المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له لكن نقول إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له وذلك لأن الحوادث عندنا يمتنع أن تكون قديمة النوع بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة العدم لا أول له بخلاف جنس الحوادث
فيقال لهم هب أنكم تقولون ذلك لكن يقال إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا وليس لهذا الإمكان وقت معين بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله فيلزم دوام الإمكان وإلا لزم انقلاب الجنس من الإمكان إلى الامتناع من غير حدوث شيء ولا تجدد شيء
ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث أو جنس الفعل أو جنس الإحداث أو ما يشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان هو مصير ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد وهذا ممتنع في صريح العقل وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة
وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا لم يزل الحادث ممكنا فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه فإنه يعقل كون الحادث ممكنا ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل وأما كون الممتنع ممكنا فهو ممتنع في نفسه فكيف إذا قيل لم يزل إمكان هذا الممتنع
وأيضا فما ذكروه من الشرط وهو أن جنس الفعل أو جنس الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لم يزل ممكنا فإنه يتضمن الجمع بين النقيضين أيضا فإن كون هذا لم يزل يقتضى أنه لا بداية لإمكانه
وإن إمكانه قديم أزلي وكونه مسبوقا بالعدم يقتضى أن له بداية وأنه ليس بقديم أزلي فصار قولهم مستلزما أن الحوادث يجب أن يكون لها بداية وأنه لا يجب أن يكون لها بداية
وذلك لأنهم قدروا تقديرا ممتنعا والتقدير الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع كقوله تعالى لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا سورة الأنبياء 2فإن قولهم إمكان جنس الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له مضمونة أن ما له بداية ليس له بدايه فإن المشروط بسبق العدم له بداية وإن قدر أنه لا بداية له كان جمعا بين النقيضين
وأيضا فيقال هذا تقدير لا حقيقة له في الخارج فصار بمنزلة قول القائل جنس الحوادث بشرط كونها ملحوقة بالعدم هل لإمكانها نهاية أم ليس لإمكانها نهاية فكما أن هذا يستلزم الجمع بين النقيضين في النهاية فكذلك الأمل يستلزم الجمع بين النقيضين في البداية
وأيضا فالممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح تام يجب به الممكن وقد يقولون لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام يستلزم وجود ذلك الممكن
وهذا الثاني أصوب كما عليه نظار المسلمين المثبتين فإن بقاءه معدوما لا يفتقر إلى مرجح ومن قال إنه يفتقر إلى مرجح قال عدم مرجحه يستلزم عدمه ولكن يقال هذا مستلزم لعدمه لا أن هذا هو الأمر الموجب لعدمه ولا يجب عدمه في نفس الأمر بل عدمه في نفس الأمر لا علة له فإن عدم المعلول يستلزم عدم العلة وليس هو علة له والملزوم أعم من كونه علة لأن ذلك المرجح التام لو لم يستلزم وجود الممكن لكان وجود الممكن مع المرجح التام جائزا لا واجبا ولا ممتنعا وحينئذ فيكون ممكنا فيتوقف على مرجح لأن الممكن لا يحصل إلا بمرجح
فدل ذلك على أن الممكن إن لم يحصل مرجح يستلزم وجوده امتنع وجوده وما دام وجوده ممكنا جائزا غير لازم لا يوجد وهذا هو الذي يقوله أئمة أهل السنة المثبتين للقدر مع موافقة أئمة الفلاسفة لهم وهذا مما احتجوا به على أن الله خالق أفعال العباد
والقدرية من المعتزلة وغيرهم تخالف في هذا وتزعم أن القادر يمكنه ترجيح الفعل على الترك بدون ما يستلزم ذلك وادعوا أنه إن لم يكن القادر كذلك لزم أن يكون موجبا بالذات لا قادرا قالوا والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك فمتى قيل إنه لا يفعل إلا مع لزوم أن يفعل لم يكن مختارا بل مجبورا
فقال لهم الجمهور من أهل الملة وغيرهم بل هذا خطأ فإن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك ليس هو الذي إن شاء الفعل مشيئة جازمة وهو قادر عليه قدرة تامة يبقى الفعل ممكنا جائزا لا لازما واجبا ولا ممتنعا محالا
بل نحن نعلم أن القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة وهو قادر عليه قدرة تامة لزم وجود الفعل وصار واجبا بغيره لا بنفسه كما قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما شاء سبحانه فهو قادر عليه فإذا شاء شيئا حصل مرادا له وهو مقدور عليه فيلزم وجوده وما لم يشأ لم يكن فإنه ما لم يرده وإن كان قادرا عليه لم يحصل المقتضى التام لوجوده فلا يجوز وجوده
قالوا ومع القدرة التامة والإرادة الجازمة يمتنع عدم الفعل ولا يتصور عدم الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه وهو معروف بالأدلة اليقينية فإن فعل المختار لا يتوقف إلا على قدرته وإرادته فإنه قد يكون قادرا ولا يريد الفعل فلا يفعله وقد يكون مريدا للفعل لكنه عاجز عنه فلا يفعل أما مع كمال قدرته وإرادته فلا يتوقف الفعل على شيء غير ذلك والقدرة التامة والإرادة الجازمة هي المرجح التام للفعل الممكن فمع وجودهما يجب وجود ذلك الفعل
والرب تعالى قادر مختار يفعل بمشيئته لا مكره له وليس هو موجبا بذاته بمعنى أنه علة أزلية مستلزمة للفعل ولا بمعنى أنه يوجب بذات لا مشيئة لها ولا قدرة بل هو يوجب بمشيئته وقدرته ما شاء وجوده وهذا هو القادر المختار فهو قادر مختار يوجب بمشيئته ما شاء وجوده
وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة فإن الموجب بذاته إذا كان أزليا يقارنه موجبه فلو كان الرب تعالى موجبا بذاته للعالم في الأزل لكان كل ما في العالم مقارنا له في الأزل وذلك ممتنع بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما شاء الله وجوده من العالم فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته وما لم يشأ يمتنع وجوده إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده
ولفظ الموجب بالذات فيه إجمال فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته فلا منافاة بين كونه فاعلا بالقدرة والاختيار وبين كونه موجبا بالذات بهذا التفسير وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئا من الأشياء بذات مجردة عن القدرة والاختيار فهذا باطل ممتنع وإن أريد أن علة تامة أزلية تستلزم معلولها الأزلى بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه لازم لذاته أزلا وأبدا الفلك أو غيره فهذا أيضا باطل
فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله أو فسر بما يقتضى سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فهو حق فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته لكن لا يقتضى هذا أنه شاء شيئا من المخلوقات بعينه في الأزل بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوه متعددة
ولهذا كان عامة العقلاء على أن الأزلي لا يكون مرادا مقدورا ولا أعلم نزاعا بين النظار أن ما كان من صفات الرب أزليا لازما لذاته لا يتأخر منه شيء لا يجوز أن يكون مرادا مقدورا وأن ما كان مرادا مقدورا لا يكون إلا حادثا شيئا بعد شيء وإن كان نوعه لم يزل موجودا أو كان نوعه كله حادثا بعد أن لم يكن
ولهذا كان الذين اعتقدوا أن القرآن قديم لازم لذات الله متفقين على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته وإنما يكون بمشيئته وقدرته خلق إدراك في العبد لذلك المعنى القديم والذين قالوا كلامه قديم وأرادوا أنه قديم العين متفقون على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته سواء قالوا هو معنى واحد قائم بالذات أو قالوا هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية الأعيان بخلاف أئمة السلف الذين قالوا إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإنه لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء فإن هؤلاء يقولون الكلام قديم النوع وإن كلمات الله لا نهاية لها بل لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته ولم يزل يتكلم كيف شاء إذا شاء ونحو ذلك من العبارات والذين قالوا إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه حادث بالغير قائم بذاته أو مخلوق منفصل عنه يمتنع عندهم أن يكون قديما
فقد اتفقت الطوائف كلها علي أن المعين القديم الأزلي لا يكون مقدورا مرادا بخلاف ما كان نوعه لم يزل موجودا شيئا بعد شيء فهذا مما يقول أئمة السلف وأهل السنة والحديث إنه يكون بمشيئته وقدرته كما يقول ذلك جماهير الفلاسفة الأساطين الذين يقولون بحدوث الأفلاك وغيرها وأرسطو وأصحابه الذين يقولون بقدمها
فأئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة يقولون إن الأفلاك محدثة كائنة بعد أن لم تكن مع قولهم إنه لم يزل النوع المقدور المراد موجودا شيئا بعد شيء
ولكن كثيرا من أهل الكلام يقولون ما كان مقدورا مرادا يمتنع أن يكون لم يزل شيئا بعد شيء ومنهم من يقول بمنع ذلك في المستقبل أيضا
وهؤلاء هم الذين ناظرهم الفلاسفة القائلون بقدم العالم ولما ناظروهم واعتقدوا أنهم قد خصموهم وغلبوهم اعتقدوا أنهم قد خصموا أهل الملل مطلقا لاعتقادهم الفاسد الناشىء عن جهلهم بأقوال أئمة أهل الملل بل وبأقوال أساطين الفلاسفة القدماء وظنهم أنه ليس لأئمة الملل وأئمة الفلاسفة قول إلا قول هؤلاء المتكلمين وقولهم أو قول المجوس والحرانية أو قول من يقول بقدم مادة بعينها ونحو ذلك من الأقوال التي قد يظهر فسادها للنظار وهذا مبسوط في موضع آخر
والمقصود هنا أن عامة العقلاء مطبون عل أن العلم بكون الشىء المعين مرادا مقدورا يوجب العلم بكونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن بل هذا عند العقلاء من المعلوم بالضرورة ولهذا كان مجرد تصور العقلاء أن الشيء مقدور للفاعل مراد له فعله بمشيئته وقدرته موجب للعلم بأنه حادث بل مجرد تصورهم كون الشيء مفعولا أو مخلوقا أو مصنوعا أو نحو ذلك من العبارات يوجب العلم بأنه محدث كائن بعد أن لم يكن ثم بعد هذا قد ينظر في أنه فعله بمشيئته وقدرته وإذا علم أن الفاعل لا يكون فاعلا إلا بمشيئته وقدرته وما كان مقدورا مرادا فهو محدث كان هذا أيضا دليلا ثانيا على أنه محدث
ولهذا كان كل من تصور من العقلاء أن الله تعالى خلق السموات والأرض أو خلق شيئا من الأشياء كان هذا مستلزما لكون ذلك المخلوق محدثا كائنا بعد أن لم يكن
وإذا قيل لبعضهم هو قديم مخلوق أو قديم محدث وعنى بالمخلوق والمحدث ما يعنيه هؤلاء المتفلسفة الدهرية المتأخرون الذين يريدون بلفظ المحدث أنه معلول ويقولون إنه قديم أزلى مع كونه معلولا ممكنا يقبل الوجود والعدم فإذا تصور العقل الصريح هذا المذهب جزم بتناقضه وأن أصحابه جمعوا بين النقيضين حيث قدروا مخلوقا محدثا معلولا مفعولا ممكنا أن يوجد وأن يعدم وقدروه مع ذلك قديما أزليا واجب الوجود بغيره يمتنع عدمه
وقد بسطنا هذا في مواضع في الكلام على المحصل وغيره وذكرنا أن ما ذكره الرازي عن أهل الكلام من أنهم يجوزون وجود مفعول معلول أزلي للموجب بذاته لم يقله أحد منهم بل هم متفقون على أن كل مفعول فإنه لا يكون إلا محدثا
وما ذكره هو أمثاله موافقة لابن سينا من أن الممكن وجوده وعدمه قد يكون قديما أزليا قول باطل عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى عند أرسطو وأتباعه القدماء والمتأخرين فإنهم موافقون لسائر العقلاء في أن كل ممكن يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا كائنا بعد أن لم يكن وأرسطو إذا قال إن الفلك قديم لم يجعله مع ذلك ممكنا يمكن وجوده وعدمه
والمقصود أن العلم بكون الشيء مقدورا مرادا يوجب العلم بكونه محدثا بل العلم بكونه مفعولا يوجب العلم بكونه محدثا فإن الفعل والخلق والإبداع والصنع ونحو ذلك لا يعقل إلا مع تصور حدوث المفعول
وأيضا فالجمع بين كون الشيء مفعولا وبين كونه قديما أزليا مقارنا لفاعله في الزمان جمع بين المتناقضين ولا يعقل قط في الوجود فاعل قارنة مفعوله المعين سواء سمى علة فاعلة أو لم يسم ولكن يعقل كون الشرط مقارنا للمشروط
والمثل الذي يذكرونه من قولهم حركت يدي فتحرك خاتمي أو كمي أو المفتاح ونحو ذلك حجة عليهم لا لهم فإن حركة اليد ليست هي العلة التامة ولا الفاعل لحركة الخاتم بل الخاتم مع الإصبع كالإصبع مع الكف فالخاتم متصل بالإصبع والإصبع متصلة بالكف لكن الخاتم يمكن نزعها بلا ألم بخلاف الإصبع وقد يعرض بين الإصبع والخاتم خلو يسير بخلاف أبعاض الكف
ولكن حركة الإصبع شرط في حركة الخاتم كما أن حركة الكف شرط في حركة الإصبع أعني في الحركة المعينة التي مبدؤها من اليد بخلاف الحركة التي تكون للخاتم أو للإصبع إبتداء فإن هذه متصلة منها إلى الكف كمن يجر إصبع غيره فيجر معه كفه
وما يذكرونه من أن التقدم والتأخر يكون بالذات والعلة كحركة الإصبع ويكون بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ويكون بالمكانة كتقدم العالم على الجاهل ويكون بالمكان كتقدم الصف الأول على الثاني وتقدم مقدم المسجد على مؤخره ويكون بالزمان كلام مستدرك
فإن التقدم والتأخر المعروف هو التقدم والتأخر بالزمان فإن قبل وبعد ومع ونحو ذلك معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني وأما التقدم بالعلية أو الذات مع المقارنة في الزمان فهذا لا يعقل ألبتة ولا له مثال مطابق في الوجود بل هو مجرد تخيل لا حقيقة له
وأما تقدم الواحد على الاثنين فإن عنى به الواحد المطلق فهذا لا وجود له في الخارج ولكن في الذهن والذهن يتصور الواحد المطلق قبل الاثنين المطلق فيكون متقدما في التصور تقدما زمانيا وإن لم يعن به هذا فلا تقدم بل الواحد شرط في الاثنين مع كون الشرط لا يتأخر عن المشروط بل قد يقارنه وقد يكون معه فليس هنا تقدم واجب غير التقدم الزماني
وأما التقدم بالمكان فذاك نوع آخر وأصله من التقدم بالزمان فإن مقدم المسجد تكون فيه الأفعال المتقدمة بالزمان على مؤخره فالإمام يتقدم فعله بالزمان لفعل المأموم فسمى محل الفعل المتقدم متقدما وأصله هذا
وكذلك التقدم بالرتبة فإن أهل الفضائل مقدمون في الأفعال الشريفة والأماكن وغير ذلك على من هو دونهم فسمى ذلك تقدما وأصله هذا
وحينئذ فإن كان الرب هو الأول المتقدم على كل ما سواه كان كل شيء متأخرا عنه وإن قدر أنه لم يزل فاعلا فكل فعل معين ومفعول معين هو متأخر عنه
وإذا قيل الزمان مقدار الحركة فليس هو مقدار حركة معينة كحركة الشمس أو الفلك بل الزمان المطلق مقدار الحركة المطلقة وقد كان قبل أن يخلق الله السماوات والأرض والشمس والقمر حركات وأزمنة وبعد أن يقيم الله القيامه فتذهب الشمس والقمر تكون في الجنة حركات وأزمنة كما قال تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا سورة مريم 6وجاء في الآثار أنهم يعرفون الليل والنهار بأنوار تظهر من جهة العرش وكذلك لهم في الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة يعرف بما يظهر فيه من الأنوار الجديدة القوية وإن كانت الجنة كلها نورا يزهر ونهرا يطرد لكن يظهر بعض الأوقات نور آخر يتميز به النهار عن الليل
فالرب تعالى إذا كان لم يزل متكلما بمشيئته فعالا بمشيئته كان مقدار كلامه وفعاله الذي لم يزل هو الوقت الذي يحدث فيه ما يحدث من مفعولاته وهو سبحانه متقدم على كل ما سواه التقدم الحقيقي المعقول
ولا تحتاج أن نجيب عن هذا بما ذكره الشهرستاني والرازي وغيرهما من أن في أنواع التقدمات تقدم أجزاء الزمان على بعض وأن هذا نوع آخر وأن تقدم الرب على العالم هو من هذا الجنس
فإن هذا قد يرد لوجهين
أحدهما أن تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض هو بالزمان فإنه ليس المراد بالتقدم بالزمان أن يكون هناك زمان خارج عن التقدم والمتقدم وصفاتهما بل المراد أن المتقدم يكون قبل المتأخر القبلية المعقولة كتقدم اليوم على غد وأمس على اليوم ومعلوم أن تقدم طلوع الشمس وما يقارنه من الحوادث على الزوال نوع واحد فلا فرق بين تقدم نفس الزمان المتقدم على المتأخر وبين تقدم ما يكون في الزمان المتقدم على ما يكون في الزمان المتأخر
الوجه الثاني أن يقال أجزاء الزمان متصلة متلاحقة ليس فيها فصل عن الزمان ومن قال إن الباري لم يزل غير فاعل ولا يتكلم بمشيئته ثم صار فاعلا ومتكلما بمشيئته وقدرته يجعل بين هذا وهذا من الفصل مالا نهاية له فكيف يجعل هذا بمنزلة تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض
وبالجملة فالعلم بأن الفاعل بمشيئته وقدرته بل الفاعل مع قطع النظر عن كونه إنما يفعل بمشيئته وقدرته وإن كان هذا لازما له في نفس الأمر فالعلم بمجرد كونه فاعلا للشيء المعين يوجب العلم بأنه أبدعه وأحدثه وصنعه ونحو ذلك من معاني العبارات التي تقتضي أن المفعول كان بعد أن لم يكن وأن ما فعله بقدرته وإرادته كان بعد أن لم يكن وإن قدر دوام كونه فاعلا بقدرته وإرادته
فعلم أن إرادته لشيء معين في الأزل ممتنع لأن إرادة وجوده تقتضي إرادة وجود لوازمه لأن وجود الملزوم بدون وجود اللازم محال فتلك الإرادة القديمة لو اقتضت وجود مراد معين في الأزل لاقتضت وجود لوازمه وما من وجود معين من المرادات إلا وهو مقارن لشيء آخر من الحوادث كالفلك الذي لا ينفك عن الحوادث وكذلك العقول والنفوس التي يثبتها هؤلاء الفلاسفة هي لا تزال مقارنة للحوادث وإن قالوا إن الحوادث معلولة لها فإنها ملازمة مقارنة لها على كل تقدير
وذلك أن الحوادث مشهودة في العالم فإما أن تكون لم تزل مقارنة للعالم أو تكون حادثة فيه بعد أن لم تكن فإن لم تزل مقارنة له ثبت أن العالم لم يزل مقارنا للحوادث وإن قيل إنها حادثة فيه بعد أن لم تكن كان العالم خاليا عن الحوادث ثم حدثت فيه وذلك يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب حادث وهذا ممتنع على ما تقدم وكما سلموه هم فإن قيل إن هذا جائز أمكن وجود العالم بما فيه من الحوادث مع القول بأن الحوادث حدثت بعد أن لم تكن حادثة أعني نوع الحوادث وإلا فكل حادث معين فهو حادث بعد أن لم يكن
وإنما النزاع في نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أو في المستقبل فقط أو لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل على ثلاثة أقوال معروفة عند أهل النظر من المسلمين وغيرهم أضعفها قول من يقول لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم ابن صفوان وأبي الهذيل العلاف وثانيها قول من يقول يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي كقول كثير من أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الكرامية والأشعرية والشيعة ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم والقول الثالث قول من يقول يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة أهل الحديث وأئمة الفلاسفة وغيرهم
لكن القائلون بقدم الأفلاك كأرسطو وشيعته يقولون بدوام حوادث الفلك وأنه ما من دورة إلا وهي مسبوقة بأخرى لا إلى أول وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام بل حقيقة قولهم إن الله لم يخلق شيئا كما بين في موضع آخر وهذا كفر باتفاق أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى
وهؤلاء القائلون بقدمها يقولون بأزلية الحوادث في الممكنات وأما الذين يقولون إن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وما سواه مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن فهم يفرقون بين الخالق الواجب والمخلوق الممكن في دوام الحوادث وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة القدماء فهم وإن قالوا إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل حيا فعالا فإنهم يقولون إن ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن
والمقصود هنا أن الفلاسفة القائلين بقدم العالم إن جوزوا حدوث الحوادث بلا سبب حادث بطلت عمدتهم في قدم العالم وإن منعوا ذلك امتنع خلو العالم عن الحوادث وهم لا يسلمون أنه لم يخل من الحوادث
وإذا كان كل موجود معين من مرادات الله التي يخلقها فإنه مقارن للحوادث مستلزم لها امتنع إرادته دون إرادة لوازمه التي لا ينفك عنها والله رب كل شيء وخالقه لا رب غيره فيمتنع أن يكون بعض ذلك بإرادته وبعضه بإرادة غيره بل الجميع بإرادته
وحينئذ فالإرادة الأزلية القديمة إما أن تكون مستلزمة لمقارنة مرادها لها وإما أن لا تكون كذلك فإن كان الأول لزم أن يكون المراد ولوازمه قديما أزليا والحوادث لازمة لكل مراد مصنوع فيجب أن تكون مرادة له وأن تكون قديمة أزلية إذ التقدير أن المراد مقارن للإرادة فيلزم أن تكون جميع الحوادث المتعاقبة قديمة أزلية وهذا ممتنع لذاته
وإن قيل إنه أراد القديم بإرادة قديمة وأراد الحوادث المتعاقبة عليه بإرادات متعاقبة كما قد يقوله طائفة من الفلاسفة وهو يشبه قول صاحب المعتبر قيل أولا كون الشيء مرادا يستلزم حدوثه بل وتصور كونه مفعولا يستلزم حدوثه فإن مقارنة المفعول المعين لفاعله ممتنع في بداية العقول
وقيل ثانيا إن جاز أن يكون له إرادات متعاقبة دائمة النوع لم يمتنع أن يكون كل ما سواه حادثا بتلك الإرادات فالقول حينئذ بقدم شيء من العالم قول بلا حجة أصلا
وقيل ثالثا إن الفاعل الذي من شأنه أن يفعل شيئا بعد شيء بإرادات متعاقبة يمتنع قدم شيء معين من إراداته وأفعاله وحينئذ فيمتنع قدم شيء من مفعولاته فيمتنع قدم شيء من العالم
وقيل رابعا إذا قدر أنه في الأزل كان مريدا لذلك المعين كالفلك إرادة مقارنة للمراد لزم أن يكون مريدا للوازمه إرادة مقارنة للمراد فإن وجود الملزوم بدون اللازم محال واللازم له نوع الحوادث وإرادة النوع إرادة مقارنة له في الأزل محال لامتناع وجود النوع كله في الأزل
وإذا قيل اللازم له دوام الحوادث فيكون مستلزما لدوام الإرادة لتلك الحوادث قيل معلوم أن إرادة هذا الحادث ليست إرادة هذا الحادث وأن جوزوا هذا لزمهم أن يجوزوا وجود جميع الكائنات بإرادة واحدة قديمة أزلية كما يقوله من يقول من المتكلمين كابن كلاب وأتباعه وحينئذ يبطل قولهم
========
منهاج السنة النبوية/3
وإذا كان كذلك فالمعلول المعين القديم إذا قدر كان مرادا بإرادة قديمة أزلية باقية ولم يقترن بها إرادة شيء من الحوادث لأن الحادث لا يكون قديما ونوع الإرادات والحوادث ليس فيه شيء بعينه قديم لكن قد يقال يقترن بها النوع الدائم لكن هذا ممتنع من وجوه قد ذكر بعضها
وإن قيل إن الإرادة القديمة الأزلية ليست مستلزمة لمقارنة مرادها لها لم يجب أن يكون المراد قديما أزليا ولا يجوز أن يكون حادثا لأن حدوثه بعد أن لم يكن يفتقر إلى سبب حادث كما تقدم
وإن جاز أن يقال إن الحوادث تحدث بالإرادة القديمة الأزلية من غير تجدد أمر من الأمور كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام من الأشعرية والكرامية وغيرهم ومن وافقهم من أتباع الأئمة أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كان هذا مبطلا لحجة هؤلاء الفلاسفة على قدم العالم
فإن أصل حجتهم أن الحوادث لا تحدث إلا بسبب حادث فإذا جوزوا حدوثها عن القادر المختار بلا سبب حادث أو جوزوا حدوثها بالإرادة القديمة الأزلية بطلت عمدتهم وهم لا يجوزون ذلك
وأصل هذا الدليل أنه لو كان شيء من العالم قديما للزم أن يكون صدر عن مؤثر تام سواء سمى علة تامة أو موجبا بالذات أو قيل إنه قادر مختار وأختياره أزلي مقارن لمراده في الأزل ويمتنع أن يكون في الأزل ويمتنع أن يكون في الأزل قادر مختار يقارنه مراده سواء سمى ذلك علة تامة أو لم يسم وسواء سمى موجبا بالذات أو لم يسم بل يمتنع أن يكون شيء من المفعولات المعينة العقلية مقارنا لفاعله الأزلى في الزمان وامتناع هذا معلوم بصريح العقل عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ويمتنع أن يكون في الأزل علة تامة أو موجب بالذات سواء سمى قادرا مختارا أو لم يسم وسر ذلك أن ما كان كذلك لزم أن يقارنه أثره المسمى معلولا أو مرادا أو موجبا بالذات أو مبدعا أو غير ذلك من الأسماء لكن مقارنة ذلك له في الأزل تقتضي أن لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا ولو لم يكن كذلك لم يكن للحوادث فاعل بل كانت حادثة بنفسها وهذا ممتنع بنفسه فإثبات موجب بالذات أو فاعل مختار يقارنه مراده في الأزل يستلزم أن لا يكون للحوادث فاعل وهذا محال لا سيما قول من يقول إن العالم صدر عن ذات بسيطة لا يقوم بها صفة ولا فعل كما يقوله ابن سينا وأمثاله فإن هؤلاء يقولون بصدور الأمور المختلفة عن ذات بسيطة وإن العلة البسيطة التامة الأزلية توجب معلولات مختلفة وهذا من أعظم الأقوال امتناعا في صريح المعقول
ومهما أثبتوه من الوسائط كالعقول وغيرها فإنه لا يخلصهم من هذا القول الباطل فإن تلك الوسائط كالعقول صدرت عن غيرها وصدر عنها غيرها
فإن كانت بسيطة من كل وجه فقد صدر المختلف الحادث عن البسيط الأزلي وإن كان فيها اختلاف أو قام بها حادث فقد صدرت أيضا المختلفات والحوادث عن البسيط التام الأزلي وكلاهما باطل فهم مع القول بأن مبدع العالم علة له أبعد الناس عن مراعاة موجب التعليل
وهؤلاء يقولون أيضا إنه علة تامة أزلية لبعض العالم كالأفلاك مثلا وليس علة تامة في الأزل لشيء من الحوادث بل لا يصير علة تامة لشيء من الحوادث إلا عند حدوثه فيصير علة بعد أن لم يكن علة مع أن حاله قبل ومع وبعد حال واحدة فاختصاص كل وقت بحوادثه وبكونه صار علة تامة فيه لتلك الحوادث لا بد له من مخصص ولا مخصص ولا مخصص إلا الذات البسيطة وحالها في نفسها واحد أزلا وأبدا فكيف يتصور أن يخص بعض الأوقات بحوادث مخصوصة دون بعض مع تماثل أحوالها في نفسها
وهذا بعينه تخصيص لكل حال من الأحوال الحادثة المتماثلة عن سائر أمثاله بذلك الإحداث وبتلك المحدثات من غير مخصص يختص به ذلك المثل فقد وقع هؤلاء في أضعاف ما فروا منه وأضعاف أضعافه إلى مالا يتناهى وإذا قيل حدوث الحادث الأول أعد الذات لحدوث الثاني
قيل لهم فالذات نفسها هي علة الجميع ونسبتها إلى الجميع نسبة واحدة فما الموجب لكونها جعلت ذلك يعدها لهذا دون العكس مع أنه لم يقم بها شيء يوجب التخصيص
وأيضا فكيف تصير هي فاعلة لهذا الحادث بعد أن لم تكن فاعلة له من غير أمر يقوم بها
وأيضا فكيف يكون معلولها يجعلها فاعلة بعد أن لم تكن فاعلة بدون فعل يقوم بها
وإذا قالوا أفعالها تختلف وتحدث لاختلاف القوابل والشرائط وحدوث ذلك الاستعداد وسبب ذلك الحدوث هو الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية
قيل لهم هذا إن كان ممكنا فإنما يمكن فيما يكون فيه فاعل الإعداد غير فاعل الإمداد كالشمس التي يفيض نورها وحرارتها على العالم ويختلف فعلها ويتأخر كمال تأثيرها عن شروقها لاختلاف القوابل وحدوثها والقوابل ليست من فعل الشمس
وكذلك ما يدعونه من العقل الفعال الذي يختلف فيضه في هذا العالم باختلاف قوابله فإن القوابل اختلفت باختلاف حركات الأفلاك وليست حركات كل الأفلاك عن العقل الفياض فأما الذات التي منها الإعداد ومنها الإمداد ومنها الفيض ومنها القبول وهي الفاعلة للقابل والمقبول والشرط والمشروط فلا يتصور أن يقال إنما اختلف فعلها أو فيضها أو إيجابها وتأخر لاختلاف القوابل والشروط أو لتأخر ذلك فإنه يقال القول في اختلاف القوابل والشروط وتأخرها كالقول في اختلاف المقبول والمشروط وتأخر ذلك فليس هناك سبب وجودي يقتضي ذلك إلا مجرد الذات التي هي عندهم بسيطة وهي عندهم علة تامة أزلية فهل هذا القول إلا من أفسد الأقوال في صريح المعقول
وإن قالوا السبب في ذلك أنه لم يكن إلا هذا وأن الممكنات لا تقبل إلا هذا
قيل الممكنات قبل وجودها ليس لها حقيقة موجودة تجعل هي السبب في تخصيص أحد الموجودين بالوجود دون الآخر ولكن بعد وجودها يعقل كون الممكن شرطا لغيره ومانعا لغيره كوجود اللازم فإنه شرط في الضدين فإنه مانع من الآخر دون غيره ووجود اللازم فإنه شرط في وجود الملزوم أي لا بد من وجوده مع وجوده سواء وجدا معا أو سبق أحدهما الآخر وإنما يقدر وجود شيء من الممكنات فكيف يعقل أن أحد الممكنين الجائزين اللذين لم يوجد واحد منهما هو الذي أوجب في الذات البسيطة أن يوجد هذا دون هذا ويجعل هذا قديما دون هذا مع أنها واحدة بسيطة نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة
وإذا قيل ماهية الممكن أوجبت ذلك دون وجوده
قيل الجواب من وجهين
أحدهما أن الماهية المجردة عن الوجود إنما تعقل في العلم الذي يعبر عنه بالوجود الذهني دون الوجود الخارجي والعلم تابع للمعلوم فإن لم يكن من الذات الفاعلة سبب يقتضي تخصيص ماهية دون ماهية بالوجود بل كانت بسيطة لا اختصاص لها بشيء من الماهيات لم يعقل اختصاص إحدى الماهيتين بالوجود دون الأخرى ومعلوم أن الفاعل إذا تصور ما يريد فعله قبل أن يفعله فلا بد من أن يكون فيما يراد فعله سبب يوجب تخصيصه بالإرادة والعبد لإرادته أسباب خارجة عنه توجب التخصيص وأما الرب تعالى فلا يخرج عنه إلا ما هو منه وهو مفعوله فإن لم يكن في ذاته ما يوجب التخصيص امتنع التخصيص منه فامتنع الفعل
الثاني أن يقال هب أن ماهية الممكن ثابتة في الخارج لكن القول في تخصيص تلك الماهيات المقارنة لوجودها بالوجود دون بعض كالقول في تخصيص وجودها إذ كان كل ما يقدر وجوده فماهيته مقارنة له
وإن قيل إن الماهيات أمر محقق في الخارج غني عن الفاعل فهذا تصريح بأنها واجبة بنفسها مشاركة للرب في إبداع الوجود وهذا باطل وهذا يتوجه على القول بأن المعدوم ليس بشيء وهو الصواب وعلى قول من قال إنه شيء في الخارج أيضا
فصل
ثم إنه يمكن تحرير هذا الدليل بطريق التقسيم على كل تقدير تقوله طائفة من طوائف المسلمين
مثل أن يقال إن الحوادث إما أن يمتنع دوامها ويجب أن يكون لها ابتداء وإما أن لا يمتنع دوامها بل يجوز حوادث لا أول لها
فإن كان الأول لزم وجود الحوادث عن القديم الواجب الوجود بنفسه من غير حدوث شيء من الأشياء كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام سواء قالوا إنها تصدر عن القادر المختار ولم يثبتوا له إرادة قديمة كما تقوله المعتزلة والجهمية أو قالوا إنها تصدر عن القادر المختار المريد بإرادة قديمة أزلية كما تقوله الكلابية والأشعرية والكرامية
وعلى هذا القول فيمتنع قدم شيء من العالم فإنه من شيء من العالم إلا وهو مقرون بالحوادث لم يسبقها سواء جعل كل ذلك جسما أو قيل إن هناك عقولا ونفوسا ليست أجساما فإنه لا ريب أنها مقارنة للحوادث فإنها فاعلة مستلزمة لها فإذا امتنع وجود حوادث لا أول لها امتنع أن يكون للحوادث علة مستلزمة لها سواء كانت ممكنة أو واجبة وعلى هذا التقدير فالإرادة القديمة لا تستلزم وجود المراد معها لكن يجب وجود المراد في الوقت المتأخر عن الإرادة
وإن قيل إنه يمكن دوام الحوادث وأن لا يكون لها ابتداء
فيقال على هذا التقدير يمتنع أن يكون شيء من العالم قديما أزليا لا الأفلاك ولا العقول ولا النفوس ولا المواد العنصرية ولا الجواهر المفردة ولا غير ذلك لأن كل ما كان قديما من العالم أزليا فلا بد أن يكون فاعله موجبا له بالذات سواء سمى علة تامة أو مرجحا تاما أو سمى قادرا مختارا
لكن وجود الموجب بالذات في الأزل محال لأنه يستلزم أن يكون موجبه ومقتضاه أزليا وهذا ممتنع لوجوه
منها أن المفعول المعين للفاعل يمتنع أن يكون مقارنا له في الزمان أزليا معه لا سيما إذا اعتبر مع ذلك أن يكون فاعلا بإرادته وقدرته فإن مقارنة مقدورة المعين له بحيث يكون أزليا معه محال بل هذا محال ممتنع فيما يقدر قائما به فإنه يمتنع كونه مرادا أزليا فلأن يكون ممتنعا فيما هو منفصل عنه بطريق الأولى
ومنها أنه إذا قدر علة تامة موجبا بذاته لزم أن يقارنه معلوله مطلقا فيكون كل شيء من العالم أزليا وهذا محال خلاف المشاهدة وإجماع العقلاء
وإذا قيل إن بعض العالم أزلي كالأفلاك ونوع الحركات وبعضه ليس بأزلي كآحاد الأشخاص والحركات
قيل هذا يقتضي بطلان قولهم من وجوه
أحدها أنه إذا جاز كونه فاعلا للحوادث شيئا بعد شيء أمكن أن يكون كل ما سواه حادثا فالقول بقدم شيء معين من العالم قول بلا حجة الثاني أن كونه محدثا للحوادث شيئا بعد شيء بدون قيام سبب به يوجب الإحداث ممتنع فإن الذات إذا كان حالها قبل هذا وبعد هذا ومع هذا واحدة امتنع أن تخص هذا بالإحداث دون هذا بل امتنع أن تحدث شيئا
الثالث أنه إن جوز أن تحدث شيئا بدون سبب يقوم بها جاز أن يكون لجميع الحوادث ابتداء فلا يكون في العالم شيء قديم وإن لم يجوز ذلك بطل قولهم بأنها تحدث الحوادث بدون سبب يقوم بها
الرابع أن إحداث الحوادث إن لم يجز بدون سبب يقوم بها بطل قولهم وإن افتقر إلى سبب يقوم بها لزم أن يقوم بها تلك الأمور دائما شيئا بعد شيء فلا تكون فاعلة قط إلا مع قيام ذلك بها فيمتنع أن يكون لها مفعول معين أزلا وأبدا لأن صدور ذلك عن ذات تفعل ما يقوم بها شيئا بعد شيء ممتنع لأن ما تفعل بهذه الواسطة لا يكون فعلها إلا شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون لها فعل معين لازم لها وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون لها مفعول معين لازم لها
الخامس أنه إذا قدر أن شيئا من معلولاتها لازم لها أزلا وأبدا لم يكن ذلك إلا لكون الذات علة تامة موجبة له ومعلوم أن المعين مخصوص بقدر وصفه وحال وهذا التخصيص الذي فيه يستلزم أن يكون الاختصاص في علته وإلا فالعلة التي لا اختصاص لها لا توجب ما هو مختص بقدر وحال وصفة
ومعلوم أنه إذا قدر أن الفاعل هو الذات المجردة عن الأحوال المتعاقبة عليها سواء قيل إنه لا يقوم بها الأحوال أو قيل إنها تقوم بها لكن على التقديرين لا تكون موجبة لشيء قديم أزلي إلا لمجرد الذات المجردة عن الأحوال المتعاقبة لأن الأحوال المتعاقبة آحادها موجودة شيئا بعد شيء فيمتنع أن تكون موجبة لشيء قديم أزلي فإن الموجب القديم المعين الأزلي أولى أن يكون قديما أزليا معينا والأحوال المتعاقبة ليس منها شيء قديم معين أزلي فيمتنع أن يكون الموجب المشروط بها قديما أزليا
فإذا قدر أنه قديم أزلي لم يكن ذلك إلا بتقدير أن تكون الذات المجردة هي الموجبة والذات المجردة ليس فيها اختصاص يوجب تخصيص الفلك دون غيره بكونه معلولا بخلاف ما إذا قيل إنه حدث بعد أن لم يكن لأسباب أوجبت الحدوث والتخصيص فإن هذا السؤال يندفع وهذا دليل مستقل في المسألة ولم يتقدم بعد ذكره في هذا الكتاب السادس أنه إذا كانت الأحوال لازمة لها كان بتقدير فعلها بدون الأحوال تقديرا ممتنعا وحينئذ فالذات المستلزمة للأحوال المتعاقبة لا تفعل بدونها وإذا كان الفاعل لا يفعل إلا بأحوال متعاقبة امتنع قدم شيء من مفعولاته لأن القديم يقتضي علة تامة أزلية وما يستلزم الأحوال المتعاقبة لا يكون اقتضاؤه في الأزل لشيء معين تاما أزليا بل إنما يتم اقتضاؤه لكل مفعول عند وجود الأحوال التي بها يصير فاعلا
السابع أنه إن جاز أن يقوم بالفاعل الأحوال المتعاقبة جاز بل وجب حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ذلك فإما أن يقال يمتنع حدوث شيء ومعلوم وجود الحوادث وإما أن يقال بل تحدث بلا سبب حادث في الفاعل وحينئذ فيلزم جواز حدوث كل ما سوى الله تعالى فإنه إذا جاز أن يحدث الحوادث دائما بلا سبب يقتضي حدوثها فلأن تحدث جميعها بلا سبب يقتضي حدوثها أولي فإن هذا أقل محذورا فإذا جاز الحدوث مع المحذور الأعظم فمع الأخف أولى
وأيضا فالأول إن كان مستلزما لتلك الحوادث كان الجميع قديما وهو ممتنع كما تقدم وإن لم يكن مستلزما لتلك الحوادث كانت حادثة بعد أن لم تكن فيلزم حدوث الحوادث بدون سبب حادث وإن كان مستلزما لنوعها دون الآحاد فقد عرف بطلان ذلك من وجوه ولو جاز حدوث الحوادث بدون سبب حادث لجاز حدوث العالم وإذا جاز الحدوث العالم امتنع قدمه لأنه لا يكون قديما إلا لقدم العلة الموجبة له
وإذا قدر أن ثم علة موجبة له فإنه يجب القدم ويمتنع الحدوث وإذا جاز حدوثه امتنع قدمه فكذلك إذا جاز قدمه امتنع حدوثه فإنه لا يجوز قدمه إلا القدم موجبه ومع ذلك يمتنع حدوثه فكما أن الممكن الذهني الذي يقبل الوجود والعدم إذا حصل المقتضى التام وجب وجوده وإلا وجب عدمه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وليس في الخارج إلا ما وجب وجوده بنفسه أو بغيره أو ما امتنع وجوده بنفسه أو بغيره فكذلك القول في قدم الممكن وحدوثه ليس في الخارج إلا ما يجب قدمه أو يمتنع قدمه فإذا حصل موجب قدمه بنفسه أو بغيره وإلا امتنع قدمه ولزم إما دوام عدمه وإما حدوثه فمع القول بجواز حدوثه يمتنع قدم العلة الموجبة له فيمتنع قدمه فلا يمكن أن يقال إنه يجوز حدوثه مع إمكان أن يكون قديما بل إذا ثبت جواز حدوثه ثبت امتناع قدمه
ولهذا كان كل من جوز حدوث الحوادث بدون سبب حادث يقول بحدوثه ومن قال بقدمه لم يقل أحد منهم بجواز حدوث الحوادث بدون سبب حادث وإن كان هذا القول مما يخطر بالبال تقديره بأن يقال يمكن حدوث الحوادث بلا سبب حادث لأن الفاعل القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ويمكن مع ذلك قدم العالم بأن يكون المختار رجح قدمه بلا مرجح فإن هذا القول لظهور بطلانه لم يقله أحد من العقلاء فيما نعلم لأنه مبني على مقدمتين كل منهما باطلة في نظر العقول وإن كان من العقلاء من التزم بعضهما فلا يعرف من التزمهما معا
إحداهما كون الفاعل المختار يرجح بلا سبب فإن أكثر العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة أو هو قطعي غير ضروري
والثانية كون القادر المختار يكون فعله مقارنا له لا يحدث شيئا بعد شيء فإن هذا أيضا مما يقول العقلاء أو جمهورهم إن فساده معلوم بالضرورة أو قطعا بل جمهور العقلاء يقولون إن مفعول الفاعل لا يكون مقارنا له أبدا
ثم من النظار من قال بإحدى المقدمتين دون الأخرى فالقدرية وبعض الجهمية يقولون بالأولى وبعض الجبرية يقولون بالأولى في حق الرب دون العبد وأما الثانية فلم يقل بها إلا من جعل الفاعل مريدا أو جعل بعض العالم قديما كأبي البركات ونحوه وأما القائلون بقدم شيء من العالم فلا يقولون بأن الفاعل مريد وهؤلاء قولهم أفسد من قول أبي البركات وأمثاله فإن كون المفعول المعين لم يزل مقارنا لفاعله هو مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة فإذا قيل مع ذلك إن الفاعل غير مريد كان زيادة ضلال ولم يكن هذا مما يقوى قولهم بل نفس كون الفاعل فاعلا لمفعوله المعين يمنع مقارنته له وما يذكرونه من حركة الخاتم مع اليد وحركة الشعاع مع الشمس وأمثال ذلك ليس فيه أن المفعول قارن فاعله وإنما قارن شرطه وليس في العالم فاعل لم يزل مفعوله مقارنا له
وأما سائر القائلين بقدم شيء من العالم فلا يقولون بأن الفاعل مريد
ثم كل من الطائفتين من أعظم الناس إنكارا لمقدمة القدرية وهو أن الفاعل المختار يرجح بلا مرجح حادث ومتى جوزوا ذلك بطل قولهم بقدم شيء من العالم فإن أصل قولهم إنما هو أن الفاعل يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن لامتناع حدوث الحوادث بلا سبب فيمتنع أن يكون معطلا ثم يصير فاعلا بل إذا قدر أنه كان معطلا لزم دوام تعطيله فإذا قدر أنه فاعل لزم دوام فعله وعندهم يمتنع ما قاله أولئك المتكلمون من جواز تعطيله ثم فعله فمتى جوزوا أن يكون معطلا لم يفعل لم يمكنهم نفي ما قاله أولئك ولا القول بقدم شيء من العالم
لكن غاية من جوز هذا أن يصير شاكا يقول هذا ممكن وهذا ممكن ولا أدرى أيهما الواقع وحينئذ فيمكن أن يعلم أحدهما بالسمع ومعلوم أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بأن الله خالق كل شيء وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام فمن قدر أن عقله جوز الأمرين فبقي شاكا أمكنه أن يعلم وقوع أحد الجائزين بالسمع
والعلم بصدق الرسول ليس موقوفا على العلم بحدوث العالم وهذه طريقة صحيحة لمن سلكها فإن المقدمات الدقيقة الصحيحة العقلية قد لا تظهر لكل أحد والله تعالى قد وسع طريق الهدى لعباده فيعلم أحد المستدلين المطلوب بدليل ويعلمه الآخر بدليل آخر ومن علم صحة الدليلين معا كان كل منهما يدله على المطلوب وكان اجتماع الأدلة يوجب قوة العلم وكل منهما يخلف الآخر إذا عزب الآخر عن الذهن
ولكن مع كون أحد من العقلاء لم يعلم أنه قال هذا ومع كون نقيضه مما يعلم بالسمع فنحن نذكر دلالة العقل على فساده أيضا فنقول
كما أنه ما يثبت قدمه امتنع عدمه فما جاز عدمه امتنع قدمه فإنه لو كان قديما لامتنع عدمه والتقدير أنه جائز العدم فيمتنع قدمه وما جاز حدوثه لم يمتنع عدمه بل جاز عدمه وقد تقدم أن ما جاز عدمه امتنع قدمه لأنه لو كان قديما لم يجز عدمه بل امتنع عدمه
وتلك المقدمة متفق عليها بين النظار متكلمهم ومتفلسفهم وغيرهم وبيان صحتها أن ما يثبت قدمه فإما أن يكون قديما بنفسه أو بغيره فالقديم بنفسه واجب بنفسه والقديم بغيره واجب بغيره ولهذا كان كل من قال إن العالم أو شيئا منه قديم فلا بد من أن يقول هو واجب بنفسه أو بغيره ولا يمكنه مع ذلك أن يقول ليس هو بواجب بنفسه ولا بغيره فإن القديم بنفسه لو لم يكن واجبا بنفسه لكان ممكنا مفتقرا إلى غيره فإن كان محدثا لم يكن قديما وإن كان قديما بغيره لم يكن قديما بنفسه وقد فرض أنه قديم بنفسه فثبت أن ما هو قديم بنفسه فهو واجب بنفسه
وأما القديم بغيره فأكثر العقلاء يقولون يمتنع أن يكون شيء قديما بفاعل ومن جوز ذلك فإنه يقول قديم بقدم موجبه الواجب بنفسه ففاعله لا بد أن يوجبه فيكون علة موجبة أزلية إذ لو لم يوجبه بل جاز وجوده وجاز عدمه وهو من نفسه ليس له إلا العدم لوجب عدمه ومع وجوب العدم يمتنع وجوده فضلا عن قدمه فما لم يكن موجودا بنفسه ولا قديما بنفسه إذا لم يكن له في الأزل ما يوجب وجوده لزم عدمه فإن المؤثر التام إذا حصل لزم وجود الأثر وإن لم يحصل لزم عدمه
وإذا قيل التأثير أولى به مع إمكان عدم التأثير قيل هذه مقدمة باطلة كما تقدم وأنتم تسلمون صحتها والذين ادعوا صحتها لم يقولوا بباطل قولكم فلم يجمع أحد بين هذين القولين الباطلين
ونحن في مقام الاستدلال فإن قلتم نحن نقول هذا على طريق الإلزام لمن قال هذا من الجبرية والقدرية الذين يجوزون ترجيح القادر المختار بدون مرجح تام يوجب الفعل فنقول لهم هلا قلتم بأن الرب فاعل مختار وهو مع هذا فعله لازم له
قيل لكم هؤلاء يقولون إن الفعل القديم ممتنع لذاته ولو قدر أن الفاعل غير مختار فكيف إذا كان الفاعل مختارا
فقد علم أن فعل القادر المختار يمتنع أن يكون مقارنا له
ويقولون لا يعقل الترجيح إلا مع الحدوث ويقولون إن الممكن لا يعقل ترجيح وجوده على عدمه إلا مع كونه حادثا فأما الممكن المجرد بدون الحدوث فلا يعقل كونه مفعولا بل يقولون إن هذا معلوم بالضرورة وهو كون الممكن مما يمكن وجوده بدلا من عدمه وعدمه بدلا من وجوده وهذا إنما يكون فيما يمكن أن يكون موجودا ويمكن أن يكون معدوما وما وجب قدمه بنفسه أو بغيره امتنع أن يكون معدوما فيمتنع أن يكون ممكنا
قالوا وهذا ما اتفق عليه جماهير العقلاء حتى أرسطو وأتباعه القدماء يقولون إن الممكن لا يكون إلا محدثا وكذلك ابن رشد الحفيد وغيره من متأخريهم
وإنما قال إن الممكن يكون قديما طائفة منهم كابن سينا وأمثاله واتبعه على ذلك الرازي وغيره ولهذا ورد على هؤلاء من الإشكالات ما ليس لهم عنه جواب صحيح كما أورد بعض ذلك الرازي في محصلة ومحققوهم لا يقولون إن المحرج إلى الفاعل هو مجرد الحدوث حتى يقولوا إن المحدث في حال بقائه غني عن الفاعل بل يقولون إنه محتاج إلى الفاعل في حال حدوثه وحال بقائه وإن الممكن لا يحدث ولا يبقى إلا بالمؤثر
فهذا الذي عليه جماهير المسلمين بل عليه جماهير العقلاء لا يقولون إن شيئا من العالم غنى عن الله في حال بقائه بل يقولون متى قدر أنه ليس بحادث امتنع أن يكون مفعولا محتاجا إلى المؤثر فالقدم عندهم ينافي الحاجة إلى الفاعل وينافى كونه مفعولا فالحدوث عندهم من لوازم كون الشيء مفعولا فيمتنع عندهم أن يكون مفعول قديما وهذا ليس قول القدرية والجبرية فقط بل هذا قول جماهير العقلاء من أهل الملل وغير أهل الملل وهو قول جماهير أئمة الفلاسفة
وأما كون الفلك مفعولا قديما فإنما هو قول طائفة قليلة من الفلاسفة وعند جمهور العقلاء أنه معلوم الفساد بالضرورة ولهذا كل من تصور من العقلاء أن الله خلق السموات والأرض تصور أنها كانت بعد أن لم تكن وكل من تصور أن شيئا من الموجودات مصنوع مفعول لله تصور أنه حادث فأما تصور أنه مفعول وأنه قديم فهذا إنما تتصوره العقول تقديرا له كما يتصور الجمع بين النقيضين تقديرا له والذي يقول ذلك يتعب تعبا كثيرا في تقدير إمكان ذلك وتصويره كما يتعب سائر القائلين بأقوال ممتنعة ثم مع هذا فالفطر ترد ذلك وتدفعه ولا تقبله
وأعجب من ذلك تسمية هؤلاء العالم محدثا ويعنون بكونه محدثا أنه معلول العلة القديمة وإذا سئل أحدهم هل العالم محدث أو قديم يقول هو محدث وقديم ويعني بذلك أن الفلك قديم بنفسه لم يزل وأنه محدث يعنون بكونه محدثا له أنه معلول علة قديمة
وهذه العبارة يقولها ابن سينا وأمثاله من الباطنية فإنهم يأخذون عبارات المسلمين فيطلقونها على معانيهم كما قال مثل ذلك في لفظ الأفول فإن أهل الكلام المحدث لما احتجوا بحدوث الأفعال على حدوث الفاعل الذي قامت به الأفعال وزعموا أن إبراهيم الخليل احتج بهذا وأن المراد بالأقول الحركة والانتقال وأنه استدل بذلك على حدوث المتحرك والمنتقل نقل ابن سينا هذه المادة إلى أصله وذكر هذا في إشاراته فجعل هذا الأفول عبارة عن الإمكان وقال إن ما هوى في حظيرة الإمكان هوى في حظيرة الأفول ولفظه فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما
وذلك أنه أراد أن يقول بقول سلفه الفلاسفة مع قوله بما يشبه طريقة المتكلمين والمتكلمون استدلو على حدوث الجسم بطريقة التركيب فجعل هو التركيب دليلا على الإمكان والمتكلمون جعلوا دليلهم هو دليل إبراهيم الخليل بقوله لا أحب الآفلين سورة الأنعام 76 وفسروه بأن الأفول هو الحركة فقال ابن سينا قال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى لا أحب الآفلين فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما
ويريد بالشرط أنه ليس بمركب وأن المركب ممكن ليس بواجب والممكن آفل الإمكان أفول ما والآفل عندهم هو الذي يكون موجودا بغيره ويقولون نحن نستدل بإمكان الممكنات على الواجب ونقول العالم قديم لم يزل ولا يزال ونجعل معنى قوله تعالى لا أحب الآفلين أي لا أحب الممكنين وإن كان الممكن واجب الوجود بغيره قديما لم يزل ولا يزال
ومعلوم أن كلا القولين من باب تحريف الكلم عن مواضعه وإنما الأفول هو المغيب والاحتجاب ليس هو الإمكان ولا الحركة
وإبراهيم الخليل لم يحتج بذلك على حدوث الكواكب ولا على إثبات الصانع وإنما احتج بالأفول على بطلان عبادتها فإن قومه كانوا مشركين يعبدون الكواكب ويدعونها من دون الله لم يكونوا يقولون إنها هي التي خلقت السموات والأرض فإن هذا لا يقوله عاقل ولهذا قال يا قوم إني برئ مما تشركون سورة الأنعام 78 وقال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين سورة الشعراء 75 77 وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن هؤلاء القوم يأخذون عبارات المسلمين التي عبروا بها عن معنى فيعبرون بها عن معنى آخر يناقض دين المسلمين ليظهر بذلك أنهم موافقون للمسلمين في أقوالهم وأنهم يقولون العالم محدث وأن كل ما سوى الله فهو عندنا آفل محدث يمعنى أنه معلول له وإن كان قديما أزليا معه واجبا به لم يزل ولا يزال
وإذا كان جماهير العقلاء يقولون إن المفعول لا يكون إلا حادثا لا سيما المفعول لفاعل باختياره فإذا كان من هؤلاء من قال إنه يفعل بدون سبب حادث وإنه يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح لم يلزمه أن يقول مع هذا إن مفعوله قديم رجحه بلا مرجح فإنه يقول إن هذا القول باطل وقولي الآخر إن كان باطلا فلا أجمع بين قولين باطلين وإن كان حقا فقول الحق لا يوجب علي أن أقول الباطل فإن الحق لا يستلزم الباطل بل الباطل قد يستلزم الحق وهذا لا يضر الحق فإنه إذا وجد الملزوم وجد اللازم فالحق لازم سواء قدر وجود الباطل أو عدمه أما الباطل فلا يكون لازما للحق لأن لازم الحق حق والباطل لا يكون حقا فلا يلزم من قال الحق أن يقول الباطل وهذا ظاهر
والمقصود هنا أنه متى قيل بجواز حدوث الحوادث بدون سبب حادث أمكن أن يفعل الفاعل الحوادث بعد أن لم يكن فاعلا بدون سبب حادث كما يقول ذلك من يقوله من طوائف النظار من متكلمة المسلمين وغيرهم من القدرية والجبرية وغيرهم وحتى كان ذلك ممكنا في نفس الأمر لم يجب دوام الفاعل فاعلا وأمكن حدوث الزمان والمادة وغير ذلك كما يقول ذلك من يقوله من النظار من أهل الكلام والفلسفة ومتى كان ذلك ممكنا بطل كل ما يحتج به على قدم شيء من العالم فبطل القول بقدم العالم وعلم أيضا امتناع قدمه لأنه لا يكون قديما إلا إذا كان واجبا بنفسه أو كان الفاعل مستلزما بنفسه له فإذا لم يكن هناك فاعل مستلزم له امتنع أن يكون قديما وكان كل من حجج القائلين بالحدوث والقائلين بالقدم مبطلة لهذا القول
أما القائلون بالقدم فعمدتهم أن المؤثر التام يستلزم أثره فيمتنع عندهم القول بمفعول قديم من غير علة تامة موجبة لأنه أثر عن غير مؤثر تام
وأما القائلون بالحدوث فعمدتهم أن الفاعل المختار بل الفاعل مطلقا لا يكون مفعول إلا حادثا وأن مفعولا قديما ممتنع
فصار عمدة هؤلاء وهؤلاء مبطلة لهذا القول الذي لم يقله أحد ولكن يقال على سبيل الإلزام لكل من الطائفتين إذا التزمت فاسد قولها دون صحيحة فإذا التزمت القدمية جواز حدوث الحوادث بلا سبب وأن الأثر لا يحتاج إلى مؤثر تام بل القادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح والتزمت الحدوثية أن المفعول مطلقا أو المفعول بالقدرة والاختيار لم يزل قديما أزليا مع فاعله مقارنا له لزم من هذين اللازمين إمكان أن يكون الفاعل قادرا مختارا يرجح بلا مرجح ومفعوله مع هذا قديما بقدمه لكن أحد من العقلاء لم يلتزم هذين فيما علمناه وإن قدر أنه التزم ذلك فقد التزم ملزومين باطلين كل منهما باطل بالبرهان والجمع بينهما لم يقله أحد من العقلاء وكان كل من العقلاء يرد عليه ببرهان قاطع ولكن هو يعارض كلام كل طائفة بكلام الطائفة الأخرى وغايته فساد بعض قول هؤلاء وفساد بعض قول هؤلاء لكن لا يلزم أن يسلم له الجميع بين فساد كل من القولين ولا الجمع بين هذا الفساد وهذا الفساد بل هذا يكون أبلغ في رد قوله
وأيضا فإن كلا من الطائفتين فرت من أحد الفسادين وظنت الآخر ليس بفاسد ولم تهتد إلى الجمع بين الصحيح كله والسلامة من الفاسد كله فليس له أن يلزمها ما علمت فساده مع ما لم تعلم فساده فيلزمها الفاسد كله ويخرجها من الصحيح كله فإن غاية قولها أبلق أن يكون فيه بياض وسواد والأبلق خير من الأسود
فإن الطائفة التي قالت إن القادر يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح إنما قالته لما علمت أن القادر الفاعل لا بد أن يكون فعله حادثا وأن كونه فاعلا مع كونه الفعل قديما جمع بين المتناقضين ولم يهتدوا إلى الفرق بين نوع الفعل وبين عينه بل اعتقدت أيضا أن حوادث لا أول لها ممتنع فقالت حينئذ فيمتنع دوام الفعل فيلزم كونه فاعلا بعد أن لم يكن فيلزم ترجيح القادر لأحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح لأن القادريه لا تختص ولم تزل وإن قيل باختصاصها أو حدوثها لزم حدوث القادرية لا محدث وتخصيصها بغير مخصص وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن بغير سبب وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان بدون سبب يوجب هذا الانتقال وإذا جاز ذلك فجواز كونه مرجحا لأحد مقدوريه أولى بالجواز
وهذه اللوازم وإن قال الجمهور ببطلانها فإنهم يقولون ألجأنا إليها تلك الملزومات لما ذكرناه من ظنهم أنه لا فرق بين النوع والعين وإذا قيل لهم فقولوا مع هذه اللوازم بانتفاء تلك الملزومات فقالوا إن القادر يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح ويحدث الحوادث بلا سبب مع أن الفاعل القادر يقارنه مفعوله المعين وأنه لا أول لعين الفعل والمفعول فقد لزمهم أن يقولوا باللوازم التي يظهر بطلانها مع نفي الملزومات التي أوجبت تلك في نظرهم التي فيها ما يظهر بطلانه وفيها ما يخفي بطلانه فقد لزمهم أن يقولوا باللازم الباطل الذي لا حاجة بهم إليه مع نفي ما أحوجهم إليه مع أن فيه حقا أو فيه حقا وباطلا
وكذلك الطائفة التي قالت بقدم العالم فإنها لما اعتقدت أن الفاعل يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن وأن يحدث حادثا لا في وقت ويمتنع الوقت في العدم المحض ولم يهتدوا إلى الفرق بين دوام النوع ودوام العين ظنت أنه يلزم قدم عين المفعول فالتزمت مفعولا قديما أزليا لفاعل ثم قال من قال منهم لا يعقل كون الفاعل فاعلا بالاختيار مع كون مفعوله قديما مقارنا له فقالوا هو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار والتزموا ما هو معلوم الفساد عند حمهور العقلاء من مفعول معين مقارن لفاعله أزلا وأبدا حذرا من إثبات كونه يصير فاعلا بعد أن لم يكن
فإذا قيل لهم فقولوا بهذه الأقوال مع قولكم إنه يمكن أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن فيرجح أحد مقدوريه بلا مرجح فقد لزمهم أن يقولوا الباطل كله وأن يقولا باللازم الذي يظهر بطلانه بدون الملزوم الذي فيه حق وباطل الذي ألجأهم إلى هذا اللازم وأيضا فإنه على هذا التقدير الذي نتكلم عليه وهو تقدير أن لا يكون الأزلى مستلزما لتلك الحوادث بل كانت حادثة بعد أن لم تكن فيلزم أن العالم كان خاليا عن جميع الحوادث ثم حدثت فيه بلا سبب حادث وهو شبيه بقول الحرانيين القائلين بالقدماء الخمسة الواجب بنفسه والمادة والمدة والنفس والهيولي كما يقوله ديمقراطيس وابن زكريا الطبيب ومن وافقهما أو بقول يحكى عن بعض القدماء وهو أن جواهر العالم أزلية وهو القول بقدم المادة وكانت متحركة على غير انتظام فاتفق اجتماعها وانتظامها فحدث هذا العالم
وكلا القولين في غاية الفساد وأما الأولون فيقولون إن النفس عشقت الهيولي فعجز الرب عن تخليصها من الهيولي حتى تذوق وبال اجتماعها بالهيولي وهم قالوا هذا فرارا من حدوث حادث بلا سبب وقد وقعوا فيما فروا منه وهو حدوث محبة النفس للهيولي فيقال لهم ما الموجب لذلك فقد لزمهم حدوث حادث بلا سبب ولزمهم ما هو أشنع من ذلك وهو حدوث الحوادث بدون صدورها عن رب العالمين والقول بقدماء معه
فإن قالوا بوجوب وجودها لزم كون واجب الوجود مستحيلا موصوفا بما يستلزم حدوثه ونقصه وإمكانه
وإن لم تكن واجبة بأنفسها بل به لزم أن يكون موجبا لها دون غيرها والعلة القديمة تستلزم معلولها فيلزم من ذلك تغير معلولها واستحالته من حال إلى حال بدون فعل منها واستحالة المعلول اللازم بدون تغير في العلة محال وإلا لم يكن معلولا لها وإن جوزوا ذلك فليجوزوا كون العالم قديما أزليا لازما لذات الرب وهو مع هذا ينتقض وتنشق السماء وتنفطر وتقوم القيامة بدون فعل من الرب ولا حدوث شيء منه أصلا بل بمجرد حدوث حادث في العالم بلا محدث
وإن قالوا هو بغض النفس للهيولي كان من جنس قولهم إن سبب حدوثه محبة النفس للهيولي فإذا جاز أن يحدث بمحبة النفس بدون اختيار الرب تعالى جاز أن ينتقض بغض النفس بدون اختيار الرب
وأما الآخرون فإنهم أثبتوا حدوث العالم فإن كانوا ينفون الصانع بالكلية فقد قالوا بحدوث الحوادث بلا محدث وإن كانوا يقولون بالصانع فقد أثبتوا إحداثه لهذا النظام بلا سبب حادث إن قالوا إن الرب لم يكن يحركها قبل انتظامها وإن قالوا إنه كان يحركها قبل انتظامها ثم إنه ألفها فهؤلاء قائلون بإثبات الصانع وحدوث هذا العالم وقولهم خير من قول القائلين بقدم هذا العالم
ثم إن قولهم يحتمل شيئين أحدهما إثبات شيء من العالم قديم بعينه فيكون قولهم بعض قول القائلين بقدم هذا العالم وهو من جنس قول القائلين بالقدماء الخمسة من حيث أثبتوا قديما معينا غير الأفلاك وهو من جنس قول أهل الأفلاك حيث أثبتوا حوادث لم تزل ولا تزال إن كانوا يقولون بأن تلك المواد لم تزل متحركة وإن قالوا بل كانت ساكنة ثم تحركت فقولهم من جنس قول أهل القدماء الخمسة فما دل على فساد قول هؤلاء وهؤلاء يدل على فساد قولهم
وما ذكرنا من التقسيم يأتي على كل قول وإن كان كل قول باطل له دلائل خاصة تدل على فساده
وأيضا فالمتكلمون الذين يثبتون الجوهر الفرد أو يقولون إن الحركة والسكون أمران وجوديان كجمهور المعتزلة والأشعرية وغيرهم يقولون إن العالم لم يخل من الحركة والسكون ومن الاجتماع والافتراق وهي حادثة فالعالم مستلزم للحوادث
وهذا مبسوط في موضعه وفيه نزاع بين النظار ومقدماته فيها طول ونزاع وقد لا يتقرر بعضها فلا نبسطه في هذا الموضع إذ لا حاجة بنا إليه وهو من الكلام المذموم فإن كثيرا من النظار يقولون إن السكون أمر عدمي ونقول إثبات الجوهر الفرد باطل والأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة ولا من الهيولى والصورة بل الجسم واحد في نفسه وأما كون الأجسام كلها تقبل التفريق أو لا يقبله إلا بعضها فليس هذا موضع بسطه وبتقدير أن يقبل ما يقبل التفريق فلا يجب أن يقبله إلى غير غاية بل يقبله إلى غاية وبعدها يكون الجسم صغيرا لا يقبل التفريق الفعلي بل يستحيل إلى جسم آخر كما يوجد في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تستحيل هواء مع أن أحد جانبيها متميز عن الآخر فلا يحتاج إلى إثبات جزء لا يتميز منه جانب عن جانب ولا يحتاج إلى إثبات تجزئة وتفريق لا يتناهى بل تتصغر الأجسام ثم تستحيل إذا تصغرت فهذا القول أقرب إلى العقول من غيره
فلما كان دليل أولئك مبنيا على إحدى هاتين المقدمتين إثبات الجواهر الفردة وأن الأجسام مركبة منها أو إثبات أن السكون أمر وجودي والنزاع في ذلك مشهور والبرهان عند التحقيق لا يقوم إلا على نقيض ذلك لم يبسط الكلام في تقريره
ولا يحتاج في إثبات شيء مما جاءت به الرسل إلى طرق باطلة مثل هذه الطرق وإن كان الذين دخلوا فيها أعلم وأعقل من المتفلسفة المخالفين وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول لكن بسبب ما غلطوا فيه من السمعيات والعقليات شاركهم في بعض الغلط في ذلك أهل الباطل من المتفلسفة وغيرهم وضموا إليه أمورا أخرى أبعد عن العقل والشرع منه وصاروا يحتجون على أولئك المتكلمين الذين هم أولى بالشرع والعقل منهم ببطلان ما خالفوهم فيه وخالفوا فيه الحق وصاروا يجعلون ذلك حجة على مخالفة الحق مقدرين أنه لا حق عند الرسل وأتباعهم إلا ما يقوله هؤلاء المتكلمون وصاروا بمنزلة من جاور بعض جهال المسلمين وفساقهم من المشركين وأهل الكتاب فصار يورد بعض ما أولئك فيه من الجهل والظلم ويجعل ذلك حجة على بطلان دين المسلمين مقدرا أن دين المسلمين هو ما أولئك عليه مع كونه هو أجهل وأظلم منهم كما يحتج طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى على القدح في دين المسلمين بما يجدون في بعضهم من الفواحش إما بنكاح التحليل وإما غيره وما يجدونه من الظلم أو الكذب أو الشرك فإذا قوبلوا على وجه الإنصاف وجدوا الفواحش والظلم والكذب والشرك فيهم أضعاف ما يجدونه في المنتسبين إلى دين الإسلام وإذا بين لهم حقيقة الإسلام تبين أنه ليس فيه شيء من تلك الفواحش والظلم والكذب والشرك فإنه ما من ملة إلا وقد دخل في بعض أهلها نوع من الشر لكن الشر الذي دخل في غير المسلمين أكثر مما دخل في المسلمين والخير الذي يوجد في المسلمين أكثر مما يوجد في غيرهم وكذلك أهل السنة في الإسلام الخير فيهم أكثر منه في أهل البدع والشر الذي في أهل البدع أكثر منه في أهل السنة
فإن قيل ما ذكرتموه يدل على أنه يمتنع أن يكون العالم خاليا على الحوادث ثم تحدث فيه لكن نحن نقول إنه لم يزل مشتملا على الحوادث والقديم هو أصل العالم كالأفلاك ونوع الحوادث مثل جنس حركات الأفلاك فأما أشخاص الحوادث فإنها حادثة بالاتفاق وحينئذ فالأزلي مستلزم لنوع الحوادث لا لحادث معين فلا يلزم قدم جميع الحوادث ولا حدوث جميعها بل يلزم قدم نوعها وحدوث أعيانها كما يقول أئمة أهل السنة منكم إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء ويقولون إن الفعل من لوازم الحياة والرب لم يزل حيا فلم يزل فعالا وهذا معروف من قول أئمتكم كأحمد بن حنبل والبخاري صاحب الصحيح ونعيم ابن حماد الخزاعي وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم ممن قبلهم مثل ابن عباس وجعفر الصادق وغيرهما ومن بعدهم
وهم ينقلون ذلك عن أئمة أهل السنة ويقولون إن من خالف هذا القول فهو مبتدع ضال وهؤلاء وأمثالهم عندكم هم أئمة أهل السنة والحديث وهم من أعلم الناس بمقالة الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن أتبع الناس لها
وهؤلاء وغيرهم كسفيان بن عيينة احتجوا على أن كلام الرب غير مخلوق بأن الله لم يخلق شيئا إلا ب كن فلو كانت كن مخلوقة لزم التسلسل المانع من الخلق وهذا التسلسل فلو كانت كن مخلوقة لزم التسلسل في أصل كونه خالقا وفاعلا فهو تسلسل في أصل التأثير وهو ممتنع باتفاق العقلاء بخلاف التسلسل في الآثار المعينة فإنه إذا لم يكن خالقا إلا بقوله كن امتنع أن يكون القول مخلوقا كما إذا قيل لا يكون خالقا إلا بعلم وقدرة امتنع أن يكون العلم والقدرة مخلوقين لأنه يلزم أن يكون ذلك المخلوق يمتنع وجوده إلا بعد وجوده فإنه لا يكون خالقا إلا به فيجب كونه متقدما على كل مخلوق فلو كان مخلوقا للزم تقدمه على نفسه وهذه حجة صحيحة عقلية شرعية بخلاف ما إذا قيل إنه يخلق هذا بكن وهذا بكن أخرى فإن هذا يستلزم وجود أثر بعد أثر وهذا في جوازه نزاع بين العقلاء وأئمة السنة منكم ثم إن أساطين الفلاسفة وكثيرا من أهل الكلام يجيز ذلك
والمقصود أنكم إذا جوزتم وجود حادث بعد حادث عن القديم الأزلي الذي هو الرب عندكم فكذلك يقول هؤلاء في حوادث العالم التي تحدث في الفلك وغيره
قيل هذا قياس باطل وتشبيه فاسد وذلك أن هؤلاء إذا قالوا هذا قالوا الرب نفسه يفعل شيئا بعد شيء أو أن يتكلم بشيء وهذا ليس بممتنع بل هو جائز في صريح العقل فإن غاية ما يقال أن يكون وجود الأول وانقضاؤه شرطا في الثاني كما يكون وجود الوالد شرطا في وجود الولد وأن يكون تمام فاعلية الثاني إنما حصلت عند عدم الأول ويكون عدم الأول إذا اشترط في الثاني فهو من جنس اشتراط عدم أحد الضدين في وجود الضد الآخر مع أن الفاعل للضد الحادث ليس هو عدم الأول فكيف إذا كان هو المعدم للأول
وإذا قيل فعله للثاني مشروط بعدم الأول كان من باب اشتراط عدم الضد لوجود ضده ثم إن كان الشرط إعدام الأول كان فعله مشروطا بفعله والإعدام أمر وجودي وأيضا فالفاعل عند عدم الضد المانع يتم كونه مريدا قادرا وتلك أمور وجودية وهو المقتضى لها إما بنفسه أو بما منه فلم يحصل موجود إلا منه وعنه
وأما هؤلاء فيقولون إن الفاعل الأول لا تقوم به صفة ولا فعل بل هو ذات مجردة بسيطة وإن الحوادث المختلفة تحدث عنها دائما بلا أمر يحدث منه وهذا مخالفة لصريح المعقول سواء سموه موجبا بالذات أو فاعلا بالاختيار فإن تغير المعلولات واختلافها بدون تغير العلة واختلافها أمر مخالف لصريح المعقول وفعل الفاعل المختار لأمور حادثة مختلفة بدون ما يقوم به من الإرادة بل من الإرادات المتنوعة مخالف لصريح المعقول
وهؤلاء يقولون مبدأ الحوادث كلها حركة الفلك وليس فوقه أمور حادثة توجب حركته مع أن حركات الفلك تحدث شيئا بعد شيء بلا أسباب حادثة تحدثها وحركات الأفلاك هي الأسباب لجميع الحوادث عندهم فإذا لم يكن لها محدث كان حقيقة قولهم أنه ليس لشيء من الحوادث محدث وإن كان للفلك عندهم نفس ناطقة فحقيقة قولهم في جميع الحوادث من جنس قول القدرية في فعل الحيوان
ولهذا اضطر ابن سينا في هذا الموضع إلى جعل الحركة ليست شيئا يحدث شيئا بعد شيء بل هو أمر واحد لم يزل موجودا كما قد ذكرنا ألفاظه وبينا فسادها وأنه إنما قال ذلك لئلا يلزمه أنه يحدث عن العلة التامة حادث بعد حادث فخالف صريح العقل والحس في حدوث الحركة شيئا بعد شيء ليسلم له ما أدعاه من أن رب العالمين لم يحدث شيئا لأنه عنده علة تامة وقد اعترف حذاقهم بفساد قولهم
وأما من قال منهم بقيام الإرادات المتعاقبة به كأبي البركات وأمثاله فهؤلاء يقولون إنه موجب بذاته للأفلاك وموجب للحوادث المتعاقبة فيه بما يقوم به من الإرادات المتعاقبة
فيقال لهؤلاء أولا من جنس ما قيل لإخوانهم والحجة إليهم أقرب فإنهم أقرب إلى الحق فيقال لهم إذا جاز أن يحدث الحوادث شيئا بعد شيء لما يقوم به من الإرادات شيئا بعد شيء فلماذا لا يجوز أن تكون الأفلاك حادثة بعد أن لم تكن لما يقوم به من الإرادات المتعاقبة وقد تفطن لهذا طائفة من حذاق هؤلاء النظار كالأثير الأبهري فقال يجوز أن يحدث جميع ذلك لما يقوم به من إرادة وإن كانت مسبوقة بإرادة أخرى لا إلى غاية
ويقال لهم أيضا لم لا يجوز أن تكون السماوات والأرض بأنفسها مسبوقة بمادة بعد مادة لا إلى غاية وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن وإن كان كل حادث قبله حادث كما يقوله من يقوله في الأمور القائمة بذاته من إرادات أو غيرها فإن تسلسل الحوادث ودوامها إن كان ممكنا فهذا ممكن وإن كان ممتنعا لزم إمتناع قدم الفلك فعلى التقديرين لا يلزم قدم الفلك ولا حجة لكم على قدمه مع أن الرسل قد أخبرت بأنه مخلوق فما الذي أوجب مخالفة ما أتفقت عليه الرسل وأهل الملل وأساطين الفلاسفة القدماء من غير أن يقوم على مخالفته دليل عقلي أصلا
إذ غاية ما يقولونه إنما هو إثبات قدم نوع الفعل لا عينه فإن جميع ما يحتج به القائلون بقدم العالم لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم بل إذا قالوا اعتبار أسباب الفعل وهو الفاعل والغاية والمادة والصورة يدل على قدم الفعل فإنما يدل ذلك إن دل على قدم نوعه لا عينه وقدم نوعه ممكن مع القول بموجب سائر الأدلة العقلية الدالة على أن الفعل لا يكون إلا حادثا وإن كان حادثا شيئا بعد شيء وأن الفاعل مطلقا أو الفاعل بالاختيار لا يكون فعله إلا حادثا ولو كان شيئا بعد شيء وأن دوام الحوادث لمخلوق معين قديم أزلي ممتنع وكذلك المفعول المعين المقارن لفاعله لم يزل معه ممتنع
مع أن الرسل قد أخبرت بأن الله تعالى خالق كل شيء وأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام فكيف عدلتم عن صحيح المنقول وصريح المعقول إلى ما يناقضه بل أثبتم قدم ما لا يدل دليل إلا على حدوثه لا على قدمه
ثم يقال لهؤلاء أيضا إذا كان الرب فاعلا بإراداته كما سلمتموه وكما دلت عليه الأدلة بل إذا كان فاعلا كما سلمتموه أنتم وإخوانكم القائلون بأنه قديم عن موجب قديم وموجبه فاعله فلا يعقل فاعل مفعوله مقارن له لم يتقدم عليه بزمان ابتداء بل تقدير هذا في العقل تقدير لا يعقل وأنتم شنعتم على مخالفيكم لما أثبتوا حدوثا في غير زمان وقلتم هذا لا يعقل فيقال لكم ولا يعقل أيضا فعل في غير زمان أصلا ولا يعقل مفعول مقارن لفاعله لم يتقدم عليه بزمان أصلا
وما ذكرتموه من أن التقدم بالذات أمر معقول وهو تقدم العلة على المعلول أمر قدرتموه في الأذهان لا وجود له في الأعيان فلا يعقل في الخارج فاعل يقارنه مفعوله سواء سميتموه علة تامة أو لم تسموه وما تذكرونه من كون الشمس فاعله للشعاع وهو مقارن لها في الزمان مبني على مقدمتين على أن مجرد الشمس هي الفاعله وأنه مقارن لها بالزمان وكلتا المقدمتين باطلة فمعلوم أن الشعاع لا يكفي في حدوثه مجرد الشمس بل لا بد من حدوث جسم قابل له ولا بد مع ذلك من زوال الموانع
وأيضا فلا نسلم لكم أن الشعاع مقارن للشمس في الزمان بل قد يقال إنه متأخر عنها ولو بجزء يسير من الزمان وهكذا ما تمثلون به من قول القائل حركت يدي فتحرك المفتاح أوكمى مبنى على هاتين المقدمتين الباطلتين فمن الذي يسلم أن حركة اليد هي العلة التامة لحركة الكم والمفتاح بل الفاعل للحركتين واحد لكن تحريكه للثاني مشروط بتحريكه الأول فالحركة الأولى شرط في الثانية لا فاعلة لها والشرط يجوز أن يقارن المشروط وإذا قدر أن أحدهما فاعل للآخر لم يسلم أنه مقارن له في الزمان بل يعقل تحريك الإنسان لما قرب منه قبل تحريكه لما بعد منه فتحريكه لشعر جلده متقدم على تحريكه لباطن ثيابه وتحريكه لباطن ثيابه متقدم على تحريكه لظاهرها وتحريكه لقدمه متقدم على تحريكه لنعله وتحريكه ليده متقدم على تحريكه لكمه
والمقارنة يراد بها شيئان أحدهما الاتصال كاتصال أجزاء الزمان وأجزاء الحركة الحادثة شيئا بعد شئ فكل واحد يكون متصلا بالآخر يقال إنه مقارن له لاتصاله به وإن كان عقبه يقال أيضا لما هو معه من غير تقدم في الزمان أصلا ومعلوم أن الأجسام المتصل بعضها ببعض إذا كان مبدأ الحركة من أحد طرفيها فإن الحركة تحصل فيها شيئا بعذ شئ فهي متصلة مقترنة بالاعتبار الأول ولا يقال إنها مقترنة في الزمان بالمعنى الثاني
ومبدأ ما يحركه الإنسان منه فإذا حرك يده تحرك الكم المتصل بها وتحرك ما اتصل بالكم لكن حركة اليد قبل حركة الكم مع اتصالها وهكذا سائر النظائر والإنسان إذا حرك حبلا بسرعة فإنه تتصل الحركة بعضها ببعض مع العلم بأن الطرف الذي يلي يده تحرك قبل الطرف الآخر ولا يعقل قط فعل من الأفعال إلا حادثا شيئا بعد شئ لا يعقل فعل مقارن لفاعله في الزمان أصلا
وإذا قيل إن الفاعل لم يزل فاعلا كان المعقول منه أنه لم يزل يحدث شيئا بعد شئ لم يعقل منه أنه لم يزل مفعوله المعين مقارنا له لم يتقدم عليه بزمان أصلا
وأيضا فالرب تعالى إذا لم يحدث شيئا إلا بقدرته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون سورة يس 82 فلا بد أن يريد الفعل قبل أن يفعله ولا بد أن يكون الفعل قبل المفعول وإن كانت لإرادة والفعل موجودين عند وجود المفعول كما يقول أهل السنة إن القدرة لا بد أن تكون مع الفعل
لكن إذا قيل لم يزل المفعول لازما للفاعل لم يكن فرق بين الصفة القائمة به وبين المفعول المخلوق له فلا يكون فرق بين حياته وبين مخلوقاته بل ولا بين الخالق والمخلوق
والعقلاء يعلمون الفرق بين ما يفعله الفاعل لا سيما ما يفعله باختياره وبين ما هو صفة له من لوازم ذاته ويعلمون أن لون الإنسان وطوله وعرضه ليس مرادا له ولا مقدورا له ولا مفعولا له لأنه لازم له لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وأما أفعاله الداخلة تحت قدرته ومشيئته فهي أفعال له مقدورة مرادة فإذا قدر أن هذه لازمة لذاته كاللون والقدر كان هذا غير معقول بل كان هذا مما يعلم به أن هذه ليست أفعال له ولا مفعولات بل صفات له
وأيضا فإذا كان العالم لم يخل من نوع الحوادث كما سلمتموه وكما يقوم عليه البرهان بل كما اتفق عليه جماهير العقلاء لم يمكن فعل العالم بدون الحوادث لامتناع وجود الملزوم بدون اللازم ولم يمكن أن يكون ملزوم الحوادث المصنوع المفعول قديما وكل جزء من أجزاء العالم يمتنع أن يخلو من الحوادث
وما يدعيه هؤلاء المتفلسفة من أن العقول خالية عن الحوادث من أبطل الكلام لو كان للعقول وجود في الخارج فكيف ولا حقيقة لها في الخارج وذلك أن معلول العقول عندهم وهي النفوس الفلكية أو الأفلاك أو ما شئت من العالم مستلزم للحوادث فإن النفوس والأفلاك لا يمكن خلوها من الحوادث عندهم ولو خلت لم تكن نفوسا بل تكون عقولا
وحينئذ فإذا كان المعلول لم يخل عن الحوادث لزم أن تكون علته لم تخل من الحوادث وإلا لزم حدوث الحوادث في المعلول بلا علة وهو ممتنع فإنه لا بد للحوادث من سبب تحدث عنده فإن لم يكن في علة النفوس والأفلاك ما يقتضي ذلك بطل أن تكون علة لها لامتناع صدور الحوادث المختلفة عن علة بسيطة على حال واحدة
وهذا مما استدل به أئمتهم وغير أئمتهم القائلون بأن الرب تقوم به الأمور الاختيارية قالوا لأن المفعولات فيها من التنوع والحدوث ما يوجب أن يكون سبب ذلك عن الفاعل وإلا لزم حدوث الحوادث بلا محدث وإذا كان كل جزء من أجزاء العالم ملزوما للحوادث وهو مصنوع فإبداعه بدون الحوادث ممتنع وإحداث الحوادث شيئا بعد شيء مع قدم ذات محلها المعلول ممتنع لأن القديم الموجب لذاته لا يوجها إلا مع الحوادث فلا يكون موجبا لها قط إلا مع فعل حادث يقوم به وإذا كان لا يفعل إلا بفعل حادث امتنع أن يكون المفعول قديما لأن قدم المفعول يقتضي قدم الفعل بالضرورة
وإذا قيل فعل الملزوم قديم وفعل الحوادث حادث شيئا بعد شيء لزم أن يقوم بذات الفاعل فعلان أحدهما فعل للذات القديمة وهو قديم بقدمها دائم بدوامها والآخر أفعال لحوادثها وهي حادثة شيئا بعد شيء فتكون ذات الفاعل فاعلة للملزوم بفعل وفاعلة للازم بفعل آخر أو أفعال وفعلها للملزوم يوجب فعلها للازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم وإرادتها للملزوم توجب إرادتها للازم لأن المريد للملزوم العالم بأن هذا يلزمه إن لم يرد اللازم لكان إما غير مريد لوجود الملزوم وإما غير عالم بالملزوم
والرب تعالى مريد للملزوم وعالم بالملزوم فيمتنع أن يريد الملزوم دون اللازم وهذا وإن كان لا بد منه فيما يريد إحداثه ويريد أن يحدث له حوادث متعاقبة كما يحدث الإنسان ويحدث له أحوالا متجددة شيئا بعد شيء ويحدث الأفلاك ويحدث حوادثها شيئا بعد شيء لكنه إذا فرض أن الملزوم غير محدث له لم يعقل كونه مفعولا له ولا يعقل أيضا كونه معلولا له قديما بقدمه فإن المعلول له صفات ومقادير مختصة به والعلة المجردة عن الأحوال الاختيارية إنما تستلزم ما يكون من لوازمها وإنما يكون من لوازمها ما يناسبها مناسبة المعلول لعلته والمعلول فيه من الأقدار والأعداد والصفات المختلفة ما يمتنع وجود ما يشابه ذلك في علته فتمتنع المناسبة وإذا امتنعت المناسبة امتنع كونه علة له
وأيضا فإذا قدر أنها موجب أزلي للمعلول الأزلي كان إيجابها له إما بالذات مجردة عن أحوالها المتعاقبة وإما مع أحوالها والأول ممتنع فإن خلو الذات عن لوازمها ممتنع والثاني ممتنع لأن الذات المستلزمة لصفاتها وأحوالها لا تفعل إلا بصفاتها وأحوالها والأحوال المتعاقبة يمتنع أن يكون لها معلول معين قديم أزلي ويمتنع أن تكون شرطا في المعلول الأزلي لأن المعلول الأزلي لا بد أن يكون مجموع علة أزلية والأحوال المتعاقبة لا يكون مجموعها ولا شيء منها أزليا
وإنما الأزلي هو النوع القديم الذي يوجد شيئا فشيئا وهذا يمتنع أن يكون شرطا في الأزل
وهذا كما لو قيل إن الفلك المتحرك دائما يوجب ذاتا أزلية متحركة أو غير متحركة فإن هذا ممتنع عندهم وعند غيرهم فإن ما كان فعله مشروطا بالحركة يمتنع أن يكون مفعوله المعين قديما ولو قدر أن المتحرك الأزلي يوجب متحركا أزليا لم يوجب إلا ما يناسبه وأما المتحركات المختلفة في قدرها وصفاتها وحركاتها فيمتنع صدورها عن متحرك حركة متشابهة
وأيضا فإن المفعول المخلوق مفتقر إلى الفاعل من جميع الوجوه ليس له شيء إلا من الفاعل والفاعل الخالق غني عنه من جميع الوجوه واقترانهما أزلا وأبدا يمنع كون أحدهما فاعلا غنيا والآخر مفعولا فقيرا بل يمنع كونه متولدا عنه ويوجب كونه صفة له فإن الولد وإن تولد عن والده بغير قدرته وإرادته واختياره ومشيئته فهو حادث عنه وأما كون المتولد عن الشيء ملازما للمتولد عنه مقارنا له في وجوده فهذا أيضا لا يعقل
ولهذا كان قول من قال من مشركي العرب إن الملائكة أولاد الله وإنهم بناته مع ما في قولهم من الكفر والجهل فقول هؤلاء أكفر منه من وجوه فإن اولئك يقولون إن الملائكة حادثة كائنة بعد أن لم تكن وكانوا يقولون إن الله خلق السماوات والأرض لم يكونوا يقولون بقدم العالم
وأما هؤلاء فيقولون إن العقول والنفوس التي يسمونها الملائكة والسماوات قديمة بقدم الله لم يزل الله والدا لها فهم مع قولهم بأن الله ولدها يقولون لم تزل معه وهذا أمر لا يعقل لا في الولد ولا في الفعل فكان قولهم مخالفا لما تعرفه العقول من جميع الجهات وسر الأمر أنهم جمعوا بين النقيضين فأثبتوا فعلا وصنعا وإبداعا من غير إبداع ولا صنع ولا فعل
وقولهم في فعل الرب كقولهم في ذاته وصفاته فأثبتوا واجب الوجود ووصفوه بما يستلزم أن يكون ممتنع الوجود وأثبتوا صفاته وقالوا فيها ما يوجب نفي صفاته فهم دائما يجمعون في أقوالهم بين النقيضين وذلك أنهم في الأصل معطلة محضة ولكن أثبتوا ضربا من الإثبات وأرادوا أن يجمعوا بين الإثبات والتعطيل فلزمهم التناقض
ولهذا يمتنعون من أن يوصف بنفي أو إثبات فمنهم من يقول لا يقال هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت وقد يقولون لا يقال هو موجود ولا يقال ليس بموجود ولا يقال هو حي ولا يقال ليس بحي فيرفعون النقيضين جميعا أو يمتنعون من إثبات أحد النقيضين ورفع النقيضين ممتنع كما أن جمع النقيضين ممتنع والامتناع من إثبات أحد النقيضين هو الإمساك عن النفي والإثبات والحق والباطل وذلك جهل وامتناع عن معرفة الحق والتكلم به
ومدار ذلك على أن الله لا يعرف ولا يذكر ولا يمجد ولا يعبد وهو من أنواع السفسطة فإن السفسطة منها ما هو نفي للحق ومنها ما هو نفي للعلم به ومنها ما هو تجاهل وامتناع عن إثباته ونفيه ويسمى أصحاب هذا القول اللاأدرية لقولهم لا ندري كما قال فرعون وما رب العالمين سورة الشعراء 23 متجاهلا أنه لا يعرفه وأنه منكور لا يعرف فخاطبه موسى بما بين له أنه أعرف من أن ينكر وأعظم من أن يجحد فقال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين سورة الشعراء 24 2وكذلك قالت الرسل لمن قال من قومهم إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم سورة إبراهيم 9 10 إلى أمثال ذلك وهذا المقام مبسوط في موضعه ولكن نبهنا عليه هنا لاتصال الكلام به
والمقصود هنا أنه إذا جوزنا حدوث الحوادث بلا سبب حادث امتنع القول بقدم العالم كما سنبين امتناع ذلك على القول بامتناع حدوث الحوادث بلا سبب فيلزم القول بامتناع قدمه على التقديرين فيلزم امتناع القول بقدمه على تقدير النقيضين وهو المطلوب
وهذا التقدير الذي نريد أن نتكلم عليه وهو تقدير إمكان دوام الحوادث وتسلسلها وإمكان حوادث لا أول لها وعلى هذا القول فيمتنع حدوث حادث بلا سبب حادث بالضرورة واتفاق العقلاء فيما نعلم لأن ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن بلا مرجح تام مع إمكان المرجح التام وحدوث الحوادث بلا سبب حادث مع إمكان حدوث السبب الحادث دائما
وهذا لم يقله أحد من العقلاء فيما نعلم وهو باطل لأن ذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وذلك لأنه إذا كان نسبة الحادث المعين إلى جميع الأوقات نسبة واحدة ونسبتها إلى قدرة الفاعل القديم وإرادته في جميع الأحوال نسبة واحدة والفاعل على حال واحدة لم يزل عليها كان من المعلوم بالضرورة أن تخصيص وقت بدون وقت بالإحداث ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح
وأيضا فإذا قيل إن هذا جائز ونحن نتكلم على تقدير جواز دوام الحوادث جاز أن يريد حادثا بعد حادث لا إلى أول لا يقتضى أن يريد حادثا بعينه في الأزل لأن وجود الحادث المعين في الأزل محال بالضرورة واتفاق العقلاء فإن المحدث المعين لا يكون قديما إذ هذا جمع بين النقيضين وإنما النزاع في دوام نوع الحوادث لا في قدم حادث معين
وفي الجملة فإذا قيل بجواز دوام الحوادث وأن نوعها قديم لم يقل إن نوعها حادث بعد أن لم يكن فإن ما جاز قدمه امتنع عدمه
والمراد هنا الجواز الخارجي لا مجرد الجواز الذهني الذي هو عدم العلم بالامتناع فإن ذلك لا يدل على قدم شيء بخلاف الأول وهو العلم بإمكان قدمه لأنه إذا جاز قدمه لم يكن إلا لوجوبه بنفسه أو لصدوره عن واجب الوجود وعلى التقديرين فما كان واجبا بنفسه أو لازما للواجب بنفسه لزم كونه قديما وامتنع كونه معدوما لأن الواجب بنفسه يجب قدمه ويمتنع عدمه ويمتنع وجود الملزوم بدون اللازم فيجب قدم لوازمه ويمتنع عدمها
وإذا قيل بجواز دوام الحوادث جاز قدم نوعها وإنما يجوز قدمها ويمتنع عدم نوعها إذا كان له موجب أزلي وحينئذ فيجب قدم نوعها ويمتنع عدم نوعها فلا يجب أن يكون بعض العالم أزليا ثم إنه يحدث فيه الحوادث مع القول بجواز دوامها بل يمتنع ذلك كما تقدم وهذه كلها مقدمات بينة لمن تدبرها وفهمها
فتبين أنه لو كان شيء من العالم أزليا قديما للزم أن يكون فاعله موجبا بالذات ولو كان فاعل العالم موجبا بالذات لم يحدث في العالم شيء من الحوادث والحوادث فيه مشهودة فامتنع أن يكون فاعل العالم موجبا بذاته فامتنع أن يكون العالم قديما كما قاله أولئك الدهرية بل ويمتنع أيضا أن يكون المعين الذي هو مفعول الفاعل أزليا لا سيما مع العلم بأنه فاعل باختياره فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي على هذا التقدير الذي هو تقدير إمكان الحوادث ودوامها وامتناع صدور الحوادث بلا سبب حادث
وإذا قيل إن فاعل العالم قادر مختار كما هو مذهب المسلمين وسائر أهل الملل وأساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو فإنه لا بد أن يكون الفاعل المبدع مريدا لمفعولاته حين فعله لها كما قال تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون سورة النحل 4ولا يكفي وجود إرادة قديمة تتناول جميع المتجددات بدون تجدد إرادة ذلك الحادث المعين لأنه على هذا التقدير يلزم جواز حدوث الحوادث بلا سبب حادث
ونحن نتكلم على التقدير الآخر وهو امتناع حدوثها بدون سبب حادث وإذا كان على هذا التقدير لا بد من ثبوت الإرادة عند وجود المراد ولا بد من إرادة مقارنة للمراد مستلزمة له آمتنع أن يكون في الأزل إرادة يقارنها مرادها سواء كانت عامة لكل ما يصدر عنه أو كانت خاصة ببعض المفعولات فإن مرادها هو مفعول الرب وهذه الإرادة هي إرادة أن يفعل ومعلوم أن الشيء الذي يريد الفاعل أن يفعله لا يكون شيئا قديما أزليا لم يزل ولا يزال بل لا يكون إلا حادثا بعد أن لم يكن
وهذا معلوم بضرورة العقل عند عامة العقلاء وهو متفق عليه عند نظار الأمم المسلمين وغير المسلمين وجماهير الفلاسفة الأولين والآخرين حتى ارسطو وأتباعه ولم ينازع في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتفلسفة جوز بعضهم أن يكون مفعولا ممكنا وهو قديم أزلي كابن سينا وأمثاله وجوز بعضهم مع ذلك أن يكون مرادا
وأما جماهير العقلاء فيقولون إن فساد كل من هذين القولين معلوم بضرورة العقل حتى المنتصرون لأرسطو وأتباعه كابن رشد الحفيد وغيره أنكروا كون الممكن يكون قديما أزليا على إخوانهم كابن سينا وبينوا أنهم خالفوا في هذا القول أرسطو وأتباعه وهو كما قال هؤلاء
وكلام ارسطو بين في ذلك في مقالة اللام التي هي آخر كلامه في علم ما بعد الطبيعة وغير ذلك
وأرسطو وقدماء أصحابه مع سائر العقلاء يقولون إن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا كائنا بعد أن لم يكن والمفعول لا يكون إلا محدثا وهم إذا قالوا بقدم الأفلاك لم يقولوا إنها ممكنة ولا مفعولة ولا مخلوقة بل يقولون إنها تتحرك للتشبه بالعلة الأولى فهي محتاجة إلى العلة الأولى التي يسميها ابن سينا وأمثاله واجب الوجود من جهة أنه لا بد في حركتها من التشبه به فهو لها من جنس العلة الغائية لا أنه علة فاعلة لها عند أرسطو وذويه
وهذا القول وإن كان من أعظم الأقوال كفرا وضلالا ومخالفة لما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ولهذا عدل متأخروا الفلاسفة عنه وأدعوا موجبا وموجبا كما زعمه ابن سينا وأمثاله
وأساطين الفلاسفة قبل أرسطو لم يكونوا يقولون بقدم العالم بل كانوا مقرين بأن الأفلاك محدثة كائنة بعد أن لم تكن مع نزاع منتشر لهم في المادة فالمقصود هنا أن هؤلاء مع ما فيهم من الضلال لم يرضوا لأنفسهم أن يجعلوا الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قديما أزليا بل قالوا إنه لا يكون إلا محدثا ولا رضوا لأنفسهم أن يقولوا إن المفعول المصنوع المبدع قديم أزلي ولا أن المراد الذي أراد الباري فعله هو قديم أزلي فإن فساد هذه الأقوال ظاهر في بداية العقول وإنما ألجأ إليها من قالها من متأخريهم ما التزموه من الأقوال المتناقضة التي ألجأتهم إليها
كما أن كثيرا من أهل الكلام ألجأتهم أصول لهم فيها إلى أقوال يعلم فسادها بضرورة العقل مثل إرادة أو كلام لا في محل ومثل شيء واحد بالعين يكون حقائق متنوعة ومثل أمر سبق بعضه بعضا يكون قديم الأعيان لم يزل كل شيء منه قديما أزليا وأمثال ذلك
وما يذكره الرازي وأمثاله في هذه المسألة وغيرها من إجماع الحكماء كدعواه إجماعهم على علة الافتقار هي الإمكان وأن الممكن المعلول يكون قديما أزليا فهو إنما يذكر ما وجده في كتب ابن سينا ويظن أن هذا إجماع الفلاسفة
ولما كان كون المفعول لا يعقل إلا بعد العدم ظاهرا كان الفلاسفة يجعلون من جملة علل الفعل العدم ويجعلون العدم من جملة المبادىء وعندهم من جملة الأجناس العالية للأعراض أن يفعل وأن ينفعل ويعبرون عنهما بالفعل والانفعال
فإذا قيل إن البارىء فعل شيئا من العالم لزم أن يقوم به أن يفعل وهو الفعل فيقوم به الصفات التي سموها الأعراض ولزم أن الفعل لا يكون إلا بعد عدم لا يكون مع كون المفعول قديما أزليا وقالوا لما كان ما يسمونه الحركة أو التغير أو الفعل محتاجا إلى العدم والعدم ليس بمحتاج إليه كان العدم مبدءا له بهذا الاعتبار ومرادهم أنه شرط في ذلك فإنه لا يكون حركة ولا فعل ونحو ذلك مما قد يسمونه تغيرا واستكمالا إلا بوجود بعد عدم إما عدم ما كان موجودا وإما عدم مستمر كعدم المستكمل ما كان معدوما له ثم حصل فإذن هذا المتغير والمستكمل والمتحرك والمفعول محتاج إلى العدم والعدم غير محتاج إليه فصار العدم مبدءا له بهذا الاعتبار ولهذا كان الفعل والانفعال المعروف في العالم إنما هو ما يحدث من تأثير الفاعل وتأثير الفعل لا يعقل فعل ولا انفعال بدون حدوث شيء بعد عدم
ثم هؤلاء الشذوذ من المتأخرين الذين زعموا أن الفعل لا يشترط فيه تقدم العدم قد ذكروا لهم حججا ذكرها ابن سينا وغيره من متأخريهم واستقصاها الرازي في مباحثه المشرقية وذكر في ذلك ما سماه عشرة براهين وكلها باطلة
قال:
الأول المحتاج إلى العدم السابق إما أن يكون هو وجود الفعل وإما أن يكون هو تأثير الفاعل فيه ومحال أن يكون المفتقر إلى العدم السابق هو وجود الفعل لأن الفعل لو افتقر في وجوده إلى العدم لكان ذلك العدم مقارنا له والعدم المقارن مناف لذلك الوجود ومحال أن يكون المفتقر إليه تأثير الفاعل لأن تأثير الفاعل يجب أن يكون مقارنا للأثر ووجود الأثر ينافي عدمه والمنافي لما يجب أن يكون مقارنا يجب أن يكون منافيا والمنافي لا يكون شرطا فإذن لا الفعل في كونه موجودا ولا حاصلا ولا الفاعل في كونه مؤثرا يفتقر إلى العدم المنافى
فيقال في الجواب إنه ليس المراد بكون المفعول أو فعل الفاعل مفتقرا إلى العدم أن العدم مؤثر فيه حتى يجب أن يكون مقارنا له بل المراد أنه لا يكون إلا بعد العدم كما قالوا هم إن العدم من جملة المبادىء سواء جعلوه مبدءا لمطلق الفعل أو الحركة أو الحركة والتغير والاستكمال فالمقصود أنهم جعلوا ذلك مفتقرا إلى العدم بمعنى أنه لا يكون إلا بعد عدم شيء لا بمعنى أن العدم مقارن له
ومعلوم أنه إذا قيل إن الحركة لا تكون إلا شيئا بعد شيء أو الصوت كان الحادث من ذلك موقوفا على وجود ما قبله وإن لم يكن مقارنا له
وأيضا فالشيء المعدوم إذا عدم بعد وجوده كان هذا العدم الحادث مفتقرا إلى ذلك الوجود السابق ولم يكن مقارنا له
وأيضا فهذا الذي قاله يلزمه في كل ما يحدث فإن كل ما يحدث فإنما يحدث بعد عدمه فحدوثه متوقف على عدمه السابق لوجوده مع أن ذلك العدم ليس مقارنا له فإن طردوا حجتهم لزمهم
أن لا يحدث حادث وهذه مكابرة وهذا شأنهم في عامة حججهم التي يذكرونها في قدم العالم فإن مقتضاها أن لا يحدث شيء وحدوث الحوادث في العالم مشهود فكانت حججهم مما يعلم أنها من جنس شبه السوفسطائية
وهذا كحجتهم العظمى التي يحتجون بها على أنه مؤثر تام في الأزل وأن المؤثر التام يستلزم أثره فإن مقتضاها أن لا يحدث شيء وهم ضلوا حيث لم يفرقوا بين مطلق المؤثر وبين المؤثر في كل ممكن
فإذا قالوا كونه مؤثرا إما أن يكون لذاته المخصوصة أو لأمر لازم لها أو لأمر منفصل عنها والثالث ممتنع لأن ذلك المنفصل هو من جملة آثاره فيمتنع أن يكون مؤثرا فيه لامتناع الدور في العلل وعلى الأول والثاني يلزم دوام كونه مؤثرا
قيل لهم كونه مؤثرا يراد به أنه مؤثر في وجود كل ما صدر عنه ويراد به أنه مؤثر في شيء معين من العالم ويراد به أنه مؤثر في الجملة مثل أن يكون مؤثرا في شيء بعد شيء1)
والأول والثاني ممتنعان في الأزل لا سيما الأول فإنه لا يقوله عاقل والحجة لا تدل على تأثيره في كل شيء في الأزل ولا في شيء معين في الأزل
وأما الثالث فيناقض قولهم لا يوافقه بل يقتضي حدوث كل ما سواه فإذا كان تأثيره من لوازم ذاته والحوادث مشهودة بل التأثير لا يعقل إلا مع الإحداث كان الإحداث الثاني مشروطا بسبق الأول وبأنقصائه أيضا وذلك من لوازم ذاته شيئا بعد شيء
فلا يكون في الحجة ما يدل على قولهم ولا على ما يناقض ما أخبرت به الرسل وإن دل على بطلان قول طائفة من أهل الكلام المحدث في دين الإسلام من الجهمية والقدرية ومن اتبعهم
وكذلك ما يحتجون به على بطلان الإحداث والتأثير ونحو ذلك من الشبه المقتضية نفي التأثير ونفي ترجيح وجود الممكن على عدمه ونفي كونه فاعلا لحكمة أو لا لحكمة وغير ذلك مما يذكر في هذا الباب فإن جميعها تقتضي أن لا يحدث في العالم حادث وهذا خلاف المشاهدة وكل حجة تقتضي خلاف المشهود فهي من جنس حجج السفسطة
وهم كلهم متفقون على أن العدم من جملة العلل وهو مأخوذ عن أرسطو قال أرسطو في مقالة اللام التي هي منتهى فلسفته وهي علم ما بعد الطبيعة
وأما على طريق المناسبة فأخلق بنا إن نحن اتبعنا ما وصفنا ان نبين أن مبادىء جميع الأشياء الموجودة الثلاثة العنصر والصورة والعدم مثال ذلك في الجوهر المحسوس أن الحر نظير الصورة والبرد نظير العدم والعنصر هو الذي له هذان بالقوة وفي باب الكيف يكون البياض نظير الصورة والسواد نظير العدم والشيء الموضوع لهما هو السطح في قياس العنصر ويكون الضوء نظير الصورة والظلمة نظير العدم والجسم القابل للضوء هو الموضوع لهما فليس يمكن على الإطلاق أن تجد عناصر هي بأعيانها عناصر لجميع الأشياء وأما على طريق المناسبة والمقايسة فأخلق بها أن توجد
قال وليس طلبنا الآن طلب عنصر الأشياء الموجودة لكن قصدنا إنما هو طلب مبدئها وكلاهما سبب لها إلا أن المبدأ قد يجوز أن يوجد خارجا عن الشيء مثل السبب المحرك وأما العناصر فلا يجوز أن تكون إلا في الأشياء التي هي منها وما كان عنصرا فليس مانع يمنع من أن يقال له مبدأ وما كان مبدءا فليس له عنصر لا محالة
وذلك أن المبدأ المحرك قد يجوز أن يكون خارجا عن المحرك ولكن المحرك القريب من الأشياء الطبيعية هو مثل الصورة وذلك أن الإنسان إنما يلده إنسان وأما في الأشياء الوهمية فالصورة أو العدم مثال ذلك الطب والجهل به والبناء والجهل به وفي كثير من الأمور يكون السبب المحرك هو الصورة من ذلك أن الطب من وجه ما هو الصحة لأنها المحركة وصورة البيت من وجه ما هي البناء والإنسان إنما يلده إنسان
وليس قصدنا لطلب المحرك القريب لكن قصدنا للمحرك الأول الذي منه يتحرك جميع الأشياء فالأمر فيه بين أنه جوهر وذلك أنه مبدأ الجواهر ولا يجوز أن يكون مبدأ الجواهر إلا جوهرا وهو مبدأ الجواهر ومبدأ جميع الأشياء الموجودة ولم يكن التهيب من التصريح بهذا فيما تقدم صوابا فإن سائر الأشياء إنما هي أحداث وحالات للجوهر وحركات له وينبغي أن نبحث عن هذا الجوهر الذي يحرك الجسم كله ما هو هل يجب أن نضع أنه نفس أو أنه عقل أو أنه غيرهما بعد أن نحذر ونتوقى أن نحكم على المبدأ الأول بشيء من الأعراض التي تلزم الأواخر من الأشياء الموجودة ولكنه قد يوجد في أواخر الأشياء الموجودة ما هو بالقوة وأن يكون الشيء في الأوقات المختلفة على حالات مختلفة وأن لا يكون دائما على حال واحدة والأشياء التي تقبل الكون والفساد هي التي توجد بهذه الحال فإنك تجد الشيء فيها بعينه مرة بالقوة ومرة بالفعل مثال ذلك أن الخمر توجد بالفعل بعد أن تغلى وتسكر وقد تكون موجودة بالقوة في وقت آخر إذا كانت الرطوبة التي فيها تتولد إنما هي في نفس الكرم واللحم وربما كان بالفعل وربما كان بالقوة في العناصر التي عنها تتولد وإذا قلنا بالقوة أو بالفعل فليس نعني شيئا غير الصورة والعنصر ونعني بالصورة التي يمكن أن تنفرد من المركب من الصورة والعنصر فأما المنفرد فمثل الضوء والظلمة إذ كان يمكن فيها أن تنفرد عن الهواء والمركب منهما فمثل البدن الصحيح والبدن السقيم وأعني بالعنصر الشيء الذي يمكن فيه أن يحتمل الحالتين كلتيهما مثل البدن فربما كان صحيحا وربما كان سقيما
فهذا الشيء الذي بالفعل والذي بالقوة قد يختلف لا في العناصر الموجودة في الأشياء المركبة منهما أعني من الصورة والعنصر لكن في الأشياء الخارجة عن الأشياء المركبة أيضا التي لم يكن عنصرها عنصر الأشياء التي تكون عنها ولا صورتها لكن غيرها
فينبغي أن يكون هذا الأمر قائما في وهمك إذا قصدت البحث عن السبب الأول أن بعض العلل المحركة موافقة في الصورة للشيء المتحرك قريبة منه وبعضها أبعد منه أما العلة القريبة فمثل الأب
وأما الشمس فهي علة أبعد وأبعد من الشمس الفلك المائل وهذه الأشياء ليست عللا على طريق عنصر الشيء الحادث أو على طريق صورة ولا على طريق عدم لكنها إنما هي محركة وهي محركة لا على أنها موافقة في الصورة قريبة مثل الأب لكنها أبعد وأقوى فعلا إذا كانت هي ابتداء العلل القريبة أيضا وذكر كلاما آخر ليس هذا موضع بسطه
ثم ذكر الرازي البرهان الثاني وهو أن الفعل ممكن الوجود في الأزل لثلاثة أوجه
أحدها أنه لو لم يكن كذلك لكان ممتنعا ثم صار ممكنا ولكان الممتنع لذاته قد انقلب ممكنا لذاته وهذا يرفع الأمان عن القضايا العقلية وثانيهما أنه ممكن فيما لا يزال فإن كان إمكانه لذاته أو لعلة دائمة لزم دوام الإمكان وإن كان لعلة حادثة كان باطلا لأن الكلام في إمكان حدوث تلك العلة كالكلام في إمكان حدوث غيرها فيلزم دوام إمكان الفعل
وثالثها أن امتناع الفعل إن كان لذاته أو لسبب واجب لذاته لزم دوام الامتناع وهو باطل بالحس والضرورة وإجماع العقلاء لوجود الممكنات وإن كان لسبب غير واجب امتنع كونه قديما فإن ما وجب قدمه امتنع عدمه ثم الكلام فيه كالكلام في الأول فكونه ممتنعا في الأزل لعلة حادثة ظاهر البطلان فإن القديم لا يكون لعلة حادثة
قال فثبت أنه لا يمكن دعوى امتناع حصول الممكنات في الأزل ولا يمكن أن يقال المؤثر ما كان يمكن أن يؤثر فيه ثم صار يمكن فإن القول في امتناع التأثير وإمكانه كالقول في امتناع وجود الأثر وإمكانه
قال فثبت أن استناد الممكنات إلى المؤثر لا يقتضي تقدم العدم عليها قال وعلى هذه الطريقة إشكال لأنا نقول الحادث إذا اعتبرناه من حيث كونه مسبوقا بالعدم فهو مع هذا الشرط لا يمكن أن يقال بأن إمكانه يتخصص بوقت دون وقت لما ذكرتموه من الأدلة فإذن إمكانه ثابت دائما ثم لا يلزم من دوام إمكانه خروجه عن الحدوث لأنا لما أخذناه من حيث كونه مسبوقا بالعدم كانت مسبوقيته بالعدم جزءا ذاتيا له والجزء الذاتي لا يرفع وإذا لم يلزم من إمكان حدوث الحادث من حيث إنه حادث خروجه عن كونه حادثا فقد بطلت هذه الحجة
قال فهذا شك لا بد من حله
قلت فيقال هذا الشك هو المعارضة التي اعتمد عليها في كتبه الكلامية كالأربعين وغيره وعليها اعتمد الآمدي في دقائق الحقائق وغيره وهي باطلة لوجهين أحدهما أنه ليس فيها جواب عن حجتهم بل هي معارضة محضة الثاني أن يقال قوله الحادث إذا اعتبر من حيث هو حادث أتعني به إذا قدر أن الحوادث كلها لها أول فإذا اعتبر مع ذلك إمكانها فلا أول له أم تعني به أن كل حادث تعتبره إذا اعتبر إمكانه
فإن عنيت الأول قيل لك لا نسلم إمكان هذا التقدير فإنك قدمت أنه لا بد لكل حادث من أول وجملة الحوادث مسبوقة بالعدم وأن لا يكون الفاعل أحدث شيئا ثم أحدث وقدرت مع ذلك أن إحداثه لم يزل ممكنا ونحن لا نسلم إمكان الجمع بين هذين فأنت إنما منعت دوام كونه محدثا في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها ومع امتناع ذلك يستحيل أن يكون الإحداث لم يزل ممكنا فقد قدرت إمكان دوام الحدوث مع امتناع دوامه وهذا تقدير لاجتماع النقيضين
وأما إن عنيت بما تقدره حدوث حادث معين فلا نسلم أن إمكانه أزلي بل حدوث كل حادث معين جاز أن يكون مشروطا بشروط تنافي أزليته وهذا هو الواقع كما يعلم ذلك في كثير من الحوادث فإن حدوث ما هو مخلوق من مادة يمتنع قبل وجود المادة ولكن الجواب عن هذه الحجة أنها لا تقتضي إمكان قدم شيء بعينه كما قد بسط في موضع آخر فلا يلزم من ذلك إمكان قدم شيء بعينه من الممكنات وهو المطلوب
قال الرازي:
البرهان الثالث الحوادث إذا وجدت واستمرت فهي في حال استمرارها محتاجة إلى المؤثر لأنها ممكنة في حال بقائها كما كانت ممكنة في حال حدوثها والممكن يفتقر إلى المؤثر
فيقال هذه الحجة إنما تدل على أن الممكنات المحدثة تحتاج حال بقائها إلى المؤثر ونحن نسلم هذا كما سلمه جمهور النظار من المسلمين وغيرهم وإنما نازع في ذلك طائفة من متكلمي المعتزلة وغيرهم لكن هذا لا يدل على أن الممكن أن يوجد وأن يعدم يمكن مقارنته للفاعل أزلا وأبدا إلا إذا بين إمكان كونه أزليا أبديا مع إمكان وجوده وعدمه وهذا محل النزاع كيف وجمهور العقلاء يقولون لا يعقل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد إلا ما يكون حادثا وأما القديم الأزلي الواجب بنفسه أو بغيره فلا يعقل فيه أن يمكن أن يوجد وأن لا يوجد فإن عدمه ممتنع
وإذا قيل هو باعتبار ذاته يقبل الأمرين
قيل عن هذا جوابان
أحدهما أنه مبني على أن له حقيقة في الخارج غير وجوده الثابت في الخارج وهذا باطل
الثاني أنه لو قدر أن الأمر كذلك فمع وجوب موجبه الأزلي يكون واجبا أزلا وأبدا فيمتنع العدم كما يقوله أهل السنة في صفات الرب تعالى وهذا لا يعقل فيه أنه يمكن وجوده وعدمه ولا أن له فاعلا يفعله كما أنه لا يعقل مثل ذلك في الصفات اللازمة للقديم تعالى
قال الرازي
البرهان الرابع أن افتقار الأثر إلى المؤثر إما لأنه موجود في الحال أو لأنه كان معدوما أو لأنه سبقه عدم ومحال أن يكون العدم السابق هو المقتضى فإن العدم نفي محض فلا حاجة له إلى المؤثر أصلا ومحال أن يكون هو كونه مسبوقا بالعدم لأن كون الوجود مسبوقا بالعدم كيفية تعرض للوجود بعد حصوله على طريق الوجوب لأن وقوعه على نعت المسبوقية بالعدم كيفية لازمة بعد وقوعه فإنه يستحيل أن يقع إلا كذلك والواجب غني عن المؤثر فإذن المفتقر هو الوجود والوجود عارض للماهية فلا يعتبر في افتقاره إلى الفاعل تقدم العدم والجواب أن يقال قوله افتقاره إلى المؤثر إما أن يكون لكذا أو لكذا إما أن يريد به إثبات السبب الذي لأجله صار مفتقرا إلى المؤثر وإما أن يريد به إثبات دليل يدل على كونه مفتقرا إلى المؤثر فإن ما يقرن بحرف اللام على جهة التعليل قد يكون علة للوجود في الوجود الخارجي وقد يكون علة للعلم بذلك وثبوته في الذهن وهذا يسمى دليلا وبرهانا وقياس الدلالة وبرهان الدلالة والأول إذا استدل به سمى قياس العلة وبرهان العلة وبرهان لم لأنه يفيد علة الأثر في الخارج وفي الذهن
========
منهاج السنة النبوية/4
فقول القائل الآفتقار إلى المؤثر إما أن يكون لأجل الحدوث أو الإمكان أو لمجموعهما وما يذكره طائفة من المتأخرين من الأقوال الثلاثة في ذلك فحقيقه أن يقال أتريدون البحث عن نفس العلة الموجبة في نفس الأمر لهذا الافتقار أم البحث عن الدليل الدال على هذا الافتقار
فإن أردتم الأول قيل لكم هذا فرع ثبوت كون افتقار المفعول إلى الفاعل إنما هو لعلة أخرى ولم تثبتوا ذلك بل لقائل أن يقول كل ما سوى الله مفتقر اليه لذاته وحقيقته لا لعلة أوجبت كون ذاته وحقيقته مفتقرة إلى الله ومن المعلوم أنه لا يجب في كل حكم وصفة توصف بها الذوات أن تكون ثابتة لعلة فإن هذا يستلزم التسلسل الممتنع فإن افتقار كل ما سوى الله إلى الله هو حكم وصفة ثبت لما سواه فكل ما سواه سواء سمى محدثا أو ممكنا أو مخلوقا أو غير ذلك هو مفتقر محتاج إليه لا يمكن استغناؤه عنه بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال بل كما أن غنى الرب من لوازم ذاته ففقر الممكنات من لوازم ذاتها وهي لا حقيقة لها إلا إذا كانت موجودة فإن المعدوم ليس بشيء فكل ما هو موجود سوى الله فإنه مفتقر إليه دائما حال حدوثه وحال بقائه
وإن أريد بعلة الافتقار إلى الفاعل ما يستدل به على ذلك فيقال كون الشيء حادثا بعد أن لم يكن دليل على أنه مفتقر إلى محدث يحدثه وكونه ممكنا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام دليل على أنه مفتقر إلى واجب يبدعه وكونه ممكنا محدثا دليلان لأن كلا منهما دليل على افتقاره وهذه الصفات وغير ذلك من صفاته مثل كونه محدثا وكونه فقيرا وكونه مخلوقا ونحو ذلك تدل على احتياجه إلى خالقه فأدلة احتياجه إلى خالقه كثيرة وهو محتاج إليه لذاته لا لسبب آخر وحينئذ فيمكن أن يقال وجوده دليل على افتقاره إلى خالقه وعدمه السابق دليل على افتقاره إلى الخالق وكونه موجودا بعدم العدم دليل على افتقاره إلى الخالق فلا منافاة بين الأقسام وعلى هذا فلا يصح قوله العدم نفى محض فلا حاجة له إلى المؤثر أصلا وذلك أنا إذا جعلنا عدمه دليلا على أنه لا يوجد بعد العدم إلا بفاعل لم يجعل عدمه هو المحتاج إلى المؤثر بل نظار المسلمين يقولون إن الممكن لا يفتقر إلى المؤثر إلا في وجوده وأما عدمه المستمر فلا يفتقر فيه إلى المؤثر
وأما هؤلاء الفلاسفة كابن سينا ومن تبعه كالرازي فيقولون إنه لا يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بمرجح فيقولون لا يترجح عدمه على وجوده إلا بمرجح كما يقولون لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح ثم قالوا مرجح العدم عدم المرجح فعله كونه معدوما عدم علة كونه موجودا
وأما نظار المسلمين فينكرون هذا غاية الإنكار كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وغيرهما من نظار المسلمين وهذا هو الصواب
وقول أولئك علة عدمه عدم علته فيقال لهم أتريدون أن عدم علته مستلزم لعدمه ودليل على عدمه أم تريدون أن عدم علته هو الذي جعله معدوما في الخارج
أما الأول فصحيح ولكن ليس هو قولكم
وأما الثاني فباطل فإن عدمه المستمر لا يحتاج إلى علة إلا كما يحتاج عدم العلة إلى علة ومعلوم أنه إذا قيل عدم لعدم علته قيل وذلك العدم أيضا لعدم علته وهذا مع أنه يقتضي التسلسل في العلل والمعلولات وهو باطل بصريح العقل فبطلانه ظاهر ولكن المقصود بيان بعض تناقض هؤلاء الملاحدة المتفلسفة المخالفين لصريح المعقول وصحيح المنقول
وكذلك قوله لأن كونه مسبوقا بالعدم كيفية تعرض للوجود بعد حصوله وهي لازمة له لا علة له
فيقال هذا ليس بصفة ثبوتية له بل هي صفة إضافية معناها أنه كان بعد أن لم يكن ثم لو قدر أنها صفة لازمة له فالمراد أنها دليل على افتقاره إلى المؤثر وأيضا فأنت قدرت هذا علة افتقاره لم تقدره معلول افتقاره فكونه غنيا لا يمنع كونه علة وإنما يمنع كونه معلولا وإن قال هذه متأخرة عن افتقاره والمتأخر لا يكون علة للمتقدم
قيل هذا ذكرته في مواضع أخر لا هاهنا وجوابه أنه دليل على الافتقار لا موجب له والدليل متأخر عن المدلول عليه باتفاق العقلاء
فإن قيل إن كان الحدوث دليلا على الافتقار إلى المؤثر لم يلزم أن يكون كل مفتقر إلى المؤثر حادثا لأن الدليل يجب طرده ولا يجب عكسه
قيل نعم انتفاء الدلالة من هذا الوجه لا ينفي الدلالة من وجوه أخر مثل أن يقال شرط افتقاره إلى الفاعل كونه محدثا والشرط يقارن المشروط وهذا أيضا مما يبين به الاقتران فيقال علة الافتقار بمعنى شرط افتقاره كونه محدثا أو ممكنا أو مجموعهما والجميع حق ومثل أن يقال إذا أريد بالعلة المقتضى لافتقاره إلى الفاعل هو حدوثه أي كونه مسبوقا بالعدم فإن كل ما كان مسبوقا بالعدم هو ثابت حال افتقاره إلى الفاعل فإن افتقاره إلى الفاعل هو حال حدوثه وتلك الحال هو فيها مسبوق بالعدم فإن كل ما كان مسبوقا بالعدم كان كائنا بعد أن لم يكن وهذا المعنى يوجب افتقاره إلى الفاعل
قال الرازي:
البرهان الخامس أنه إما أن يتوقف جهة افتقار الممكنات إلى المؤثر أو جهة تأثير المؤثرات فيها على الحدوث أو لا تتوقف والأول قد أبطلناه في باب القدم والحدوث فثبت أن الحدوث غير معتبر في جهة الافتقار
فيقال ما ذكرته في ذلك قد بين إبطاله أيضا وأن كل ما يفتقر إلى الفاعل لا يكون إلا حادثا وأما القديم الأزلي فيمتنع أن يكون مفعولا والذي ذكرته في كتاب الحدوث والقدم في المباحث المشرقية هو الذي جرت عادتك بذكره في المحصل وغيره وهو أن الحدوث عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم وبالغير فهو صفة للوجود فيكون متأخرا عنه وهو متأخر عن تأثير المؤثر فيه المتأخر عن احتياجه إليه المتأخر عن علة الحاجة فلو كان الحدوث علة الحاجة إلى الحدوث أو شرطها لزم تأخر الشيء عن نفسه بأربع مراتب
جوابه أن هذا ليس صفة وجودية قائمة به حتى يتأخر عن وجوده بل معناه أنه كان بعد أن لم يكن وهو إنما يحتاج إلى المؤثر في هذه الحال وهو في هذه الحال مسبوق بالعدم والتأخرات المذكورات هنا اعتبارات عقلية ليست تأخرات زمانية والعلة هنا المراد بها المعنى الملزوم لغيره ليس المراد بها أنها فاعل متقدم على مفعوله بالزمان واللازم والملزوم قد يكون زمانهما جميعا كما يقولون الصفة تفتقر إلى الموصوف والعرض إلى الجوهر وإن كانا موجودين معا ويقولون إنما افتقر العرض إلى الموصوف لكونه معنى قائما بغيره وهذا المعنى مقارن لافتقاره إلى الموصوف
قال الرازي
البرهان السادس أن الممكن إذا لم يوجد فعدمه إما أن يكون لأمر أو لا لأمر ومحال أن يكون لا لأمر فإنه حينئذ يكون معدوما لما هو هو وكل ما هويته كافية في عدمه فهو ممتنع الوجود فإذن الممكن العدم ممتنع الوجود هذا خلف فتبين أن يكون الأمر ثم ذلك المؤثر لا يخلو إما أن يشترط في تأثيره فيه تجدده أولا يشترط ومحال أن يشترط ذلك فإن الكلام مفروض في العدم السابق على وجوده والعدم المتجدد هو العدم بعد الوجود فإذن لا يشترط في استناد عدم الممكنات إلى ما يقتضى عدمها تجدده وإذا كان العدم الممكن مستندا إلى المؤثر من غير شرط التجدد علمنا أن الحاجة والافتقار لا يتوقف على التجدد وهو المطلوب
فيقال من العجائب بل من أعظم المصائب أن يجعل مثل هذا الهذيان برهانا في هذا المذهب الذي حقيقته أن الله لم يخلق شيئا بل الحوادث تحدث بلا خالق وفي إبطال أديان أهل الملل وسائر العقلاء من الأولين والأخرين لكن هذه الحجج الباطلة وأمثالها لما صارت تصد كثيرا من أفاضل الناس وعقلائهم وعلمائهم عن الحق المحض الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول بل تخرج أصحابها عن العقل والدين كخروج الشعرة من العجين إما بالجحد والتكذيب وإما بالشك والريب احتجنا إلى بيان بطلانها للحاجة إلى مجاهدة أهلها وبيان فسادها من أصلها إذ كان فيها من الضرر بالعقول والأديان ما لا يحيط به إلا الرحمن
والجواب من وجوه
أحدها أن يقال قد تقدم قولكم قبل هذا بأسطر إن العدم نفى محض فلا حاجة به إلى المؤثر أصلا وجعلتم هذا مقدمة في الحجة التي قبل هذه فكيف تقولون بعد هذا بأسطر المعدوم الممكن لا يكون عدمه إلا لموجب وقدمنا أن جماهير نظار المسلمين وغيرهم يقولون إن العدم لا يفتقر إلى علة وما علمت أحدا من النظار جعل عدم الممكن مفتقرا إلى علة إلا هذه الطائفة القليلة من متأخري المتفلسفة كابن سينا وأتباعه وإلا فليس هذا قول قدماء الفلاسفة لا أرسطو ولا أصحابه كبرقلس والإسكندر الأفروديسي شارح كتبه وثامسطيوس ولا غيرهم من الفلاسفة ولا هو قول أحد من النظار كالمعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم فليس هو قول طائفة من طوائف النظار لا المتكلمة ولا المتفلسفة ولا غيرهم
الوجه الثاني أن يقال قوله محال أن يكون معدوما لا لأمر فإنه حينئذ يكون معدوما لما هو هو وكل ما هويته كافية في عدمه فهو ممتنع الوجود
فيقال هذا تلازم باطل فإنه إذا كان معدوما لا لأمر لم يكن معدوما لا لذاته ولا لغير ذلك فقولك فإنه حينئذ يكون معدوما لما هو هو باطل فإنه يقتضي أنه معدوم لأجل ذاته وأن ذاته هي العلة في كونه معدوما كالممتنع لذاته وهذا يناقض قولنا معدوم لا لأمر فكيف يكون نفى الشيء لازما لثبوته
فإن قيل مراده إما أن يكون لأمر أو لا لأمر خارجي قيل فتكون القسمة غير حاصرة وهو أن يكون معدوما لا لعلة
الوجه الثالث أن يقال الفرق معلوم بين قولنا ذاته لا تقتضي وجوده ولا عدمه أو لا تستلزم وجوده ولا عدمه أو لا توجب وجوده ولا عدمه وبين قولنا تقتضي وجوده أو عدمه أو تستلزم ذلك أو توجه فإن ما استلزمت ذاته وجوده كان واجبا بنفسه وما استلزمت عدمه كان ممتنعا وما لم تستلزم واحدا منهما لم يكن واجبا ولا ممتنعا بل كان هو الممكن فإذا قيل إنه معدوم لا لأمر لم يوجب أن يكون هناك أمر يستلزم عدمه بل يقتضي ألا يكون هناك أمر يستلزم وجوده ومعلوم أنه على هذا التقدير لا يكون ممتنع الوجود
ولهذا يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فمشيئته مستلزمة لوجود مراده وما لا يشاؤه لا يكون فعدم مشيئته مستلزم لعدمه لا أن العدم فعل شيئا بل هو ملزوم له وإذا فسرت العلة هنا بالملزوم وكان النزاع لفظيا ولم يكن لهم فيه حجة
وقولنا ذاته استلزمت وجوده أو استلزمت عدمه لا ينبغي أن يفهم منه أن في الخارج شيئا كان ملزوما لغيره فإن الممتنع ليس بشيء أصلا في الخارج باتفاق العقلاء ولكن حقيقة الأمر أن نفسه هي اللازم والملزوم إما الوجود وإما العدم فعدم الممتنع ملزوم عدمه ووجود الواجب ملزوم وجوده وأما الممكن فليس له من نفسه وجود ولا عدم ملزوم لوجود ولا عدم بل إن حصل ما يوجده وإلا بقي معدوما
الوجه الرابع أن يقال إذا كان كل ممكن لا يعدم إلا بعلة معدومة مؤثرة في عدمه فتلك العلة المعدومة إن كان عدمها واجبا كان وجودها ممتنعا فإن المعلول يجب بوجوب علته ويمتنع بامتناعها وحينئذ فيكون عدم الممكن علته واجبة ووجوده ممتنعا فإن المعلول يجب بوجوب علته ويمتنع بامتناعها وحينئذ كل ممكن يقدر إمكانه فإنه ممتنع وهذا فيه من الجمع بين النقيضين ما هو في غاية الاستحالة كيفية وكمية
وإن قيل عدم علته يفتقر إلى عدم يؤثر في وجودها وعدم ذاك المؤثر لعدم مؤثر فيه وهلم جرا فلذلك يستلزم التسلسل الباطل الذي هو أبطل من تسلسل المؤثرات الوجودية
الوجه الخامس أن يقال إنه لو فرض أن العدم المستمر له علة قديمة وأن المعلول إذا كان عدما مستمرا كانت علته التي هي عدم مستمر علة أزلية لم يلزم من ذلك أن يكون الموجود المعين الذي يمكن أن يوجد وأن يعدم قديما أزليا ويكون الفاعل له لم يزل فاعلا له بحيث يكون فاعل الموجودات لم يحدث شيئا قط فإن قياس الموجود الواجب القديم الأزلي الخالق فاعل الموجودات المخلوقة على العدم المستمر المستلزم لعدم مستمر من أفسد القياس وهو قياس محض من غير جامع فكيف يجوز الاحتجاج بمثل هذا التشبيه الفاسد في مثل هذا الأصل العظيم ويجعل خلق رب العالمين لمخلوقاته مثل كون العدم علة للعدم وهل هذا إلا أفسد من قول الذين ذكر الله عنهم إذ قال فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين سورة الشعراء 94 98 فإذا كان هذا حال من سوى بينه وبين بعض الموجودات فكيف بمن سوى بينه وبين العدم المحض
قال الرازي
البرهان السابع واجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون أكثر من واحد فإذن صفات واجب الوجود وهي تلك الأمور الإضافية والسلبية على رأي الحكماء والصفات والأحوال والأحكام على اختلاف آراء المتكلمين في ذلك ليس شيء منها واجب الثبوت بأعيانها بل هي بما هي ممكنة الثبوت في نفسها واجبة الثبوت نظرا إلى ذات واجب الوجود فثبت أن التأثير لا يتوقف على سبق العدم وتقدمه
فلئن قالوا تلك الصفات والأحكام ليست من قبيل الأفعال ونحن إنما نوجب سبق العدم في الأفعال فنقول إن مثل هذه المسائل العظيمة لا يمكن التعويل فيها على مجرد الألفاظ فهب أن ما لا يتقدمه العدم لا يسمى فعلا لكن ثبت أن ما هو ممكن الثبوت لما هو هو يجوز استناده إلى مؤثر يكون دائم الثبوت مع الأثر وإذا كان ذلك معقولا لا يمكن دعوى الامتناع فيه في بعض المواضع اللهم إلا أن يمتنع صاحبه عن إطلاق لفظ الفعل وذلك مما لا يعود إلى فائدة عظيمة
فيقال الجواب عن هذه الحجة من وجوه
أحدها أن قوله واجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون أكثر من واحد إن أريد به يمتنع أن يكون أكثر من إله واحد أو رب واحد أو خالق واحد أو معبود واحد أو حي واحد أو قيوم واحد أو صمد واحد أو قائم بنفسه واحد ونحو ذلك فهذا صحيح
لكن لا يستلزم ذلك أن لا يكون له صفات من لوازم ذاته يمتنع تحقق ذاته بدونها وأن لا يكون واجب الوجود هو تلك الذات المستلزمة لتلك الصفات والمراد بكونه واجب الوجود أنه موجود بنفسه يمتنع عليه العدم بوجه من الوجوه ليس له فاعل ولا ما يسمى علة فاعلة ألبتة وعلى هذا فصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست ممكنة الثبوت فإنها ليست ممكنة يمكن أن توجد ويمكن أن تعدم ولا تفتقر إلى فاعل يفعلها ولا علة فاعلة بل هي من لوازم الذات التي هي بصفاتها اللازمة لها واجبة الوجود فدعوى المدعي أن الصفات اللازمة ممكنة الثبوت تقبل الوجود والعدم كدعواه أن الذات الملزومة تقبل الوجود والعدم وإن أراد بقوله واجب الوجود واحد أن واجب الوجود هو ذات مجردة عن صفات كان هذا ممنوعا ولم يذكر عليه دليلا
الوجه الثاني أن يقال دعوى المدعي أن واجب الوجود هو الذات دون صفاتها وأن صفاتها هي ممكنة الوجود إن أراد بواجب الوجود أنه يمتنع عدمه من غير فاعل فعله فكلاهما يمتنع عدمه من غير فاعل فعله وإن أراد بواجب الوجود أنه القائم بنفسه الذي لا يفتقر إلى محل كان حقيقة هذا أن الصفات لا بد لها من محل تقوم به بخلاف الذات لكن هذا لا يقتضي أنها ممكنة الثبوت مفتقرة إلى فاعل وإن أراد بواجب الوجود مالا يمكن عدمه وبممكن الوجود ما يمكن وجوده وعدمه فمعلوم أن الصفات لا يمكن عدمها كما لا يمكن عدم الذات فوجوب الوجود يتناولهما وإن أراد بواجب الوجود مالا ملازم له لم يكن في الوجود شيء واجب الوجود لا سيما على قولهم بأنه ملازم لمفعولاته فلا يكون واجب الوجود
ومن تناقض هؤلاء ومن اتبعهم كصاحب الكتب المضنون بها صاحب المضنون الكبير أنهم يفسرون واجب الوجود بأنه مالا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له ويقولون لو قلنا إن له صفات لازمة له لم يكن واجب الوجود ثم يجعلون الأفلاك وغيرها لازمة له أزلا وأبدا ويقولون إن ذلك لا ينافي كونه واجب الوجود فأي تناقض أعظم من هذا
الوجه الثالث أن يقال الواحد المجرد عن جميع الصفات ممتنع الوجود كما بسط في غير هذا الموضع وبين أنه لا بد من ثبوت معان ثبوتية مثل كونه حيا وعالما وقادرا وأنه يمتنع أن يكون كل معنى هو الآخر أو أن تكون تلك المعاني هي الذات وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يكون واجب الوجود فإذا ما زعم أنه واجب الوجود فهو ممتنع فضلا عن أن يقال إنه فاعل لصفاته كما هو فاعل لمخلوقاته أو إنه مؤثر ومقتص ومستلزم لمخلوقاته كما هو مؤثر ومقتض ومستلزم لصفاته
الوجه الرابع أن يقال قوله وهي تلك الأمور الإضافية والسلبية على رأي الحكماء إنما هو على رأي نفاة الصفات منهم كأرسطو وأتباعه وأما أساطين الفلاسفة فهم مثبتون للصفات كما قد نقلنا أقوالهم في غير هذا الموضع وكذلك كثير من أئمتهم المتأخرين كأبي البركات وأمثاله
وأيضا فنفاة الصفات منهم كابن سينا وأمثاله متناقضون يجمعون بين نفيها وإثباتها كما قد بسط الكلام عليهم في غير الموضع فإن كان مثبتيها فهم كسائر المثبتين وإن كانوا نفاة قيل لهم أما السلب فعدم محض وأما الإضافة مثل كونه فاعلا أو مبدءا فإما أن تكون وجودا أو عدما فإن كانت وجودا لأنها من مقوله أن يفعل وأن ينفعل وهذه المقولة من جملة الأجناس العالية العشرة التي هي أقسام الموجودات كانت الإضافة التي يوصف بها وجودا فكانت صفاته الإضافية وجودية قائمة به وإن كانت الإضافة عدما محضا فهي داخلة في السلب فجعل الإضافة قسما ثالثا ليس وجودا ولا عدما خطأ
وحينئذ فإذا لم يثبتوا صفة ثبوتية لم تكن ذاته مستلزمة لشيء من الصفات إلا أمرا عدميا وأما المخلوقات فإنها موجودات جواهر وأعراض ومعلوم أن اقتضاء الواجب وغير الواجب للعدم المحصن ليس كاقتضائه للوجود وسواء سمي ذلك استلزاما أو إيجابا أو فعلا أو غير ذلك فإن وجود الشيء يستلزم عدم ضده ولا يقول عاقل إنه فاعل لعدم ضده ووجود الشيء يناقض عدم نفسه ولا يقول عاقل إن وجوده هو الفاعل لعدم عدمه فإن عدم عدمه هو وجوده ووجوده واجب لا يكون مفعولا ولا معلولا
وأيضا فالعدم المحض إما أن لا يكون له علة كما هو عند جمهور العقلاء وإما أن يقال علته عدم علة وجوده فيجعل علة العدم عدما ولا يجعل للعدم الممكن علة وجودية فالعدم الواجب أولى ألا يفتقر إلى علة وجودية فإن العدم الواجب اللازم لذاته عدم واجب فلا إلى علة وجودية فإن العدم الواجب يتصف به الممتنع والممتنع الذي يمتنع وجوده لا يفتقر إلى علة وجودية وعدم وجود الرب ممتنع لنفسه كما أن وجود الرب واجب لنفسه فلا يكون له علة
الوجه الخامس قوله والصفات والأحوال والأحكام على اختلاف آراء المتكلمين في ذلك فيقال له إثبات الصفات لله هو مذهب جماهير الأمة سلفها وخلفها وهو مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المتبعين وأهل السنة والجماعة وسائر طوائف أهل الكلام مثل الهشامية والكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم وإنما نازع في ذلك الجهمية وهم عند سلف الأمة وأئمتها وجماعتها من أبعد الناس عن الإيمان بالله ورسوله ووافقهم المعتزلة ونحوهم ممن هم عند الأمة مشهورون بالابتداع
وأما الأحكام فهي الحكم على الله بأنه حي عالم قادر وهذا هو الخبر عنه بذلك وهذا تثبته المعتزلة كلهم مع سائر المثبتة لكن غلاة الجهمية ينفون أسماءه ويجعلونها مجازا فيجعلون الخبر عنه كذلك وهؤلاء هم من النفاة وعلى قولهم فالذات لم تقتض شيئا لأن كلام المخبرين وحكمهم أمر قائم بهم ليس قائما بذات الرب وأما من لم يثبت الأحكام كأبي هاشم وأتباعه فهؤلاء يقولون هي لا موجودة ولا معدومة فلا يجعل ذلك كالموجودات
بقي الكلام على مثبتة الصفات الذين يقولون صفاته موجودة قائمة به ومخلوقاته موجودة بائنة عنه فهؤلاء عندهم صفاته واجبة الثبوت يمتنع عليها العدم لا يقال إنها يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة كما يقال مثل ذلك في الممكنات التي أبدعها ولا يقولون إن الصفات لها ذوات ثابتة غير وجودها وتلك الذوات تقبل الوجود والعدم كما يقول ذلك من يقوله في الممكنات المفعولة فتبين أن تمثيل صفاته بمخلوقاته في غاية الفساد على قول كل طائفة
الوجه السادس قوله ليس شيء منها واجب الثبوت بأعيانها بل هي بما هي ممكنة الثبوت في نفسها واجبة الثبوت نظرا إلى ذات واجب الوجود كلام ممنوع بل باطل بل الصفات ملازمة للذات لا يمكن وجود الذات بدون صفاتها اللازمة ولا وجود الصفات اللازمة بدون الذات وكل منهما لازم للآخر ملزوم له ودعوى المدعى أن الذات هي واجبة الوجود دون الصفات ممنوع وباطل وهو بمنزلة قول من يقول الصفات واجبة الوجود دون الذات لكن الذات واجبة نظرا إلى وجوب الصفات سواء فسروا واجب الوجود بالموجود نفسه أو بما لا يقبل العدم أو بما لا فاعل ولا علة فاعلة أو نحو ذلك وإنما يفترقان إذا فسر الواجب بالقائم بنفسه والممكن بالقائم بغيره ومعلوم أن تفسيره بذلك باطل ووضع محض وغايته منازعة لفظية لا فائدة فيها
الوجه السابع قوله فثبت أن التأثير لا يتوقف على سبق العدم فيقال له هذا إنما يصح إذا كانت الذات المستلزمة لصفاتها هي المؤثرة في الصفات
وحينئذ فلفظ التأثير إن أريد به الاستلزام فكلاهما مؤثر في الآخر إذ هو مستلزم له فيلزم أن يكون كل منهما واجبا بنفسه لا ممكنا وهو باطل وإن أريد بلفظ التأثير أن أحدهما أبدع الآخر أو فعله أو جعله موجودا ونحو ذلك مما يعقل في ابداع المصنوعات فهذا باطل فإن عاقلا لا يقول إن الموصوف أبدع صفاته اللازمة ولا خلقها ولا صنعها ولا فعلها ولا جعلها موجودة ولا نحو ذلك مما يدل على هذا المعنى. بل ما يحدث في الحي من الأعراض والصفات بغير اختياره مثل الصحة والمرض والكبر ونحو ذلك لا يقول عاقل إنه فعل ذلك أو أبدعه أو صنعه فكيف بما يكون من الصفات لازما له كحياته ولوازمها وكذلك لا يقول عاقل هذا في غير الحي مثل الجماد والنبات وغيرهما من الأجسام لا يقول عاقل إن شيئا من ذلك فعل قدره اللازم وفعل تخيره وغير ذلك من صفاته اللازمة بل العقلاء كلهم المثبتون للأفعال الطبيعية والإرادية والذين لا يثبتون إلا الإرادية ليس فيهم من يجعل ما يلزم الذات من صفاتها مفعولا لها لا بالإرادة ولا بالطبع بل يفرقون بين آثارها الصادرة عنها التي هي أفعال لها ومفعولات وبين صفاتها اللازمة لها بل وغير اللازمة
وقد يكون للذات تأثير في حصول بعض صفاتها العارضة فيضاف ذلك إلى فعلها لحصول ذلك به كحصول العلم بالنظر والاستدلال وحصول الشبع والري بالأكل والشرب بخلاف اللازمة وما يحصل بدون قدرتها وفعلها واختيارها فإن هذا لا يقول عاقل إنها مؤثرة فيه وإنه من أثرها بل يقول إنه لازم لها وصفة لها وهي مستلزمة له وموصوفة به وقد يقول إن ذلك مقوم لها ومتمم لها ونحو ذلك وهم يسلمون أن فاعل الشيء هو فاعل صفاته اللازمة لامتناع فعل الشيء بدون صفاته اللازمة
وأيضا فالذات مع تجردها عن الصفات يمتنع أن تكون مؤثرة في شيء فضلا عن أن تكون مؤثرة في صفات نفسها فإن شرط كونها مؤثرة أن تكون حية عالمة قادرة فلو كانت هي المؤثرة في كونها حية عالمة قادرة لكانت مؤثرة بدون اتصافها بهذه الصفات وهذا مما يعلم امتناعه بصريح العقل بل صفاتها اللازمة لها أكمل من كل موجود فإذا امتنع أن يؤثر في شيء من الموجودات بذات مجردة عن هذه الصفات فكيف يؤثر في هذه الصفات بمجرد هذه الذات
فتبين أنه ليس ههنا تأثير بوجه من الوجوه في صفاتها إلا أن يسمى المسمى الاستلزام تأثيرا كما تقدم وحينئذ فيقال له مثل هذه المسائل العظيمة لا يمكن التعويل فيها على مجرد الألفاظ فإن تسميتك لاستلزام الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها تأثيرا لا يوجب أن يجعل هذا كإبداعها لمخلوقاتها فهب أنك سميت كل استلزام تأثيرا لكن دعواك بعد هذا أن المخلوق المفعول ملازم لخالقه وفاعله مما يعلم فساده ببديهة العقل كما اتفق على ذلك جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وأنت لا تعرف هذا في شيء من الموجودات لا يعرف قط شيء أبدع شيئا وهو مقارن له بحيث يكونان متقارنين في الزمان لم يسبق أحدهما الآخر بل من المعلوم بصريح العقل أن التأثير الذي هو إبداع الشيء وخلقه وجعله موجودا لا يكون إلا بعد عدمه وإلا فالموجود الأزلي الذي لم يزل موجودا لا يفتقر قط إلى مبدع خالق يجعله موجودا ولا يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم بل ما وجب قدمه امتنع عدمه فلا يمكن أن يقبل العدم
الوجه الثامن أن تسمية تأثير الرب في مخلوقاته فعلا وصنعا وإبداعا وإبداء وخلقا وبرءا وأمثال ذلك من العبارات هو مما تواتر عن الأنبياء بل ومما اتفق عليه جماهير العقلاء وذلك من العبارات التي تتداولها الخاصة والعامة تداولا كثيرا ومثل هذه العبارات لا يجوز أن يكون معناها المراد بها أو الذي وضعت له ما لا يفهمه إلا الخاصة فإن ذلك يستلزم أن لا يكون جماهير الناس يفهم بعضهم عن بعض ما يعنونه بكلامهم ومعلوم أن المقصود من الكلام الإفهام
وأيضا فلو كان المراد بها غير المفهوم منها لكان الخطاب بها تلبيسا وتدليسا وإضلالا
وأيضا فلو قدر أنهم أرادوا بها خلاف المفهوم لكان ذلك مما يعرفه خواصهم
ومن المعلوم بالاضطرار أن خواص الصحابة وعوامهم كانوا يقرون أن الله خالق كل شيء ومليكه وأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما فحدثت هذه المخلوقات بعد أن لم تكن
وإذا كان كذلك حصل لنا علم بمراد الأنبياء وجماهير العقلاء بهذه العبارات واستفدنا بذلك أن من قصد بها غير هذا المعنى لم يكن موافقا لهم في المراد بها فإذا ادعى أن مرادهم هو مراده في كونها ملازمة للرب أزلا وأبدا علم أنه كاذب على الأنبياء وجماهير العقلاء كذبا صريحا
كما يصنعون مثل ذلك في لفظ الإحداث فإن الإحداث معناه معقول عند الخاصة والعامة وهو مما تواتر معناه في اللغات كلها وهؤلاء جعلوا لهم وضعا مبتدعا فقالوا الحدوث يقال على وجهين أحدهما زماني ومعناه حصول الشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق والثاني أن لا يكون الشيء مستندا إلى ذاته بل إلى غيره سواء كان ذلك الاستناد مخصوصا بزمان معين أو كان مستمرا في كل الزمان قالوا وهذا هو الحدوث الذاتي وكذلك القدم فسروه بهذين المعنيين وجعلوا القدم بأحد معنييه معناه معنى الوجوب قالوا والدليل على إثبات الحدوث الذاتي أن كل ممكن لذاته فإنه لذاته يستحق العدم ومن غيره يستحق الوجود وما بالذات أقدم مما بالغير فالعدم في حقه أقدم من الوجود تقدما بالذات فيكون محدثا حدوثا ذاتيا
وقد أورد عليهم الرازي سؤالا وهو أنه لا يجوز أن يقال الممكن يستحق العدم من ذاته فإنه لو استحق العدم من ذاته لكان ممتنعا لا ممكنا بل الممكن يصدق عليه أنه ليس من حيث هو موجود ولا يصدق عليه أنه من حيث هو ليس بموجود والفرق بين الاعتبارين معروف بل كما أن الممكن يستحق الوجود من وجود علته فإنه يستحق العدم من عدم علته وإذا كان استحقاقه الوجود والعدم من الغير ولم يكن واحد منها من مقتضيات الماهية لم يكن لأحدهما تقدم على الآخر فإذن لا يكون لعدمه تقدم ذاتي على وجوده
قال ولعل المراد من هذه الحجة هو إن الممكن يستحق من ذاته لا استحقاقية الوجود والعدم وهذه اللا استحقاقية وصف عدمي سابق على الاستحقاق فتقرر الحدوث الذاتي من هذا الوجه
فيقال هذا السؤال سؤال صحيح يبين بطلان قولهم مع ما سلمه لهم من المقدمات الباطلة فإن هذا الكلام مبني على أن المعين في الخارج ذات تقبل الوجود والعدم وغير الوجود الثابت في الخارج وهذا باطل ومبني أيضا على أن عدم الممكن معلل بعدم علته وهو باطل
وأما الاعتذار بأن المراد أنه لا يستحق من ذاته وجودا أو عدما
فيقال إذا قدر أن هذا هو المراد لم يكن مستحقا للعدم بحال فإن نفسه لم تقتض وجوده ولا عدمه ولكن غيره اقتضى وجوده ولم يقتض عدمه فيبقى العدم لم يحصل من نفسه ولا من موجود آخر بخلاف الوجود فلا يكون عدمه سابقا لوجوده بحال
وقوله اللا استحقاقية وصف عدمي جوابه أن هذا العدمي هو عدم النقيضين جميعا الوجود والعدم ليس هو عدم الوجود فقط والنقيضين لا يرتفعان كما لا يجتمعان فيمتنع أن يقال إن ارتفاع النقيضين جميعا سابق لوجوده وإن أريد أنه ليس واحد من النقيضين منه فهذا حق وليس فيه سبق أحدهما للآخر
وهم يقولون عدمه سابق لوجوده مع أنه موجود دائما فعلمت أنهم مع قولهم إن الممكن قديم أزلي يمتنع أن يكون هناك عدم يسبق وجوده بوجه من الوجوه وإنما كلامهم جمع بين النقيضين في هذا وأمثاله فإن مثل هذا التناقض كثير في كلامهم ولكن الإمكان الذي أثبته جمهور العقلاء وأثبته قدماؤهم أرسطو وأتباعه هو إمكان أن يوجد الشئ وأن يعدم وهذا الإمكان مسبوق بالعدم سبقا حقيقيا فإن كل ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن وبسط هذه الأمور له موضع آخر
والمقصود هنا أنهم أفسدوا الأدلة السمعية بما أدخلوه فيها من القرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه كما أفسدوا الأدلة العقلية بما أدخلوه فيها من السفسطة وقلب الحقائق المعقولة عما هي عليه وتغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها ولهذا يستعملون الألفاظ المجملة والمتشابهة لأنها أدخل في التلبيس والتمويه مثل لفظ التأثير والاستناد ليقولوا ثبت أن ما هو ممكن الثبوت لما هو هو يجوز استناده إلى مؤثر يكون دائم الثبوت مع الأثر والمراد في الأصل الذي قاسوا عليه على قولهم إنه عدم لازم لوجوده في الفرع أنه مبدع لمبدع ومخلوق لخالق فأين هذا الاستناد من هذا الاستناد وأين هذا التأثير من هذا التأثير
الوجه التاسع أن يقال حقيقة هذه الحجة هي قياس مجرد بتمثيل مجرد خال عن الجامع فإن المدعي يدعي أنه لا يشترط في فعل الرب تعالى أن يكون بعد عدم كما أن صفاته لازمة لذاته بلا سبق عدم وصاغ ذلك بقياس شمول بقوله إن التأثير لا يشترط فيه سبق العدم
فيقال له لا نسلم أن بينهما قدرا مشتركا كما يدل عليه ما ذكرته من اللفظ بل لا نسلم أن بينهما قدرا مشتركا يخصهما بل القدر المشترك الذي بينهما يتناول كل لازم لكل ملزوم فيلزمه أن يجعل كل لازم مفعولا لملزومه وإن سلمنا أن بينهما قدرا مشتركا فلا نسلم أنه مناط الحكم في الأصل حتى يلحق به الفرع
وإن ادعى ذلك دعوى كلية وصاغه بقياس شمول قيل له الدعوى الكلية لا تثبت بالمثال الجزئي فهب أن ما ذكرته في الأصل أحد أفراد هذه القضية الكلية فلم قلت إن سائر أفرادها كذلك غايتك أن ترجع إلى قياس التمثيل ولا حجة معك على صحته هنا ثم بعد هذا نذكر نحن الفروق الكثيرة المؤثرة وهذا الوجه يتضمن الجواب من وجوه متعددة
قال الرازي
البرهان الثامن لوازم الماهية معلولة لها وهي غير متأخرة عنها زمانا فإن كون المثلث مساوي الزوايا لقائمتين ليس إلا لأنه مثلث وهذا الاقتضاء من لوازم المثلث بل نزيد فنقول إن الأسباب مقارنة لمسبباتها مثل الإحراق يكون مقارنا للاحتراق والألم عقيب سوء المزاج أو تفرق الاتصال بل نذكر شيئا لا ينازعون فيه ليكون أقرب إلى الغرض وهو كون العلم علة للعالمية والقدرة للقادرية عند من يقول به وكل ذلك يوجد مقارنة لآثارها غير متقدمة عليها فعلمنا أن مقارنة الأثر والمؤثر في الزمان لا تبطل جهة الاستناد والحاجة
والجواب أن يقال إن أريد بالماهية ما هو موجود في الخارج مثل المثلثات الموجودة فصفات تلك الماهية اللازمة لها ليست صادرة عنها بل الفاعل للملزوم هو الفاعل للصفة اللازمة له القائمة به ويمتنع فعله لأحدهما بدون الآخر ومن قال إن الموصوف علة للازمه فإن أراد بالعلة أنه ملزوم فلا حجة له فيه وإن أراد أنه فاعل أو مبدع أو علة فاعلة فقوله معلوم الفساد ببديهة العقل فإن الصفات القائمة بالموصوف اللازمة له إنما يفعلها من فعل الموصوف فإنه يمتنع فعله للموصوف بدون فعله لصفته اللازمة له وإن أريد بالماهية ما يقدر في الذهن فتلك صورة علمية والكلام فيها كالكلام في الخارجية فالفاعل للملزوم هو الفاعل للازمه لم يكن الملزوم علة فاعلة للازم
وقولهم هذا الاقتضاء من لوازم المثلث إن أرادوا بالاقتضاء والتعليل الاستلزام فهو حق ولا حجة فيه وإن أرادوا أنه علة فاعلة فهذا معلوم الفساد وأما الأسباب والمسببات الموجودة في الخارج كما في سوء المزاج والألم فمن الذي سلم أن زمانهما واحد والمستدلون أنفسهم قد قالوا في حجتهم إن وجود الألم عقب سوء المزاج وما يوجد عقب الشيء يكون وجوده بعده لكن غايته أن يكون بلا فصل لكن لا يكون معه في الزمان فإن ما مع الشيء في الزمان لا يقال إنه إنما يوجد عقبه
وهكذا القول في كل الأسباب لا نسلم أن زمان وجودها كلها هو زمان وجود المسببات بل لا بد من حصول تقدم زماني وكذلك الكسر والانكسار والإحراق والاحتراق فإن الكسر هو فعل الكاسر الذي يقوم به مثل الحركة القائمة بالإنسان والانكسار هو التفرق الحاصل بالمكسور وذلك يحصل بحركة في زمان ومعلوم أن زمان تلك الحركة قبل زمان هذه لكن قد يتصل الزمان بالزمان والمتصل يقال إنه معه لكن فرق بين ما يكون زمانهما واحدا وما يكون زمانهما متعاقبا
ومن الأسباب ما يقتضي مسببه شيئا فشيئا فإذا كمل السبب كمل مسببه مثل الأكل والشرب مع الشبع والري والسكر فكلما حصل بعض الأكل حصل جزء من الشبع لا يحصل المسبب إلا بعد حصول السبب لا معه
وهذا قول جماهير العقلاء من أهل الكلام والفقه والفلسفة وغيرهم يقرون بأن المسبب يحصل عقب السبب ولهذا كان أئمة الفقهاء وجماهيرهم على أنه إذا قال إذا مات أبي فأنت حرة أو طالق أو غيرهما أنه إنما يحصل المسبب عقب الموت لا مع الموت وشذ بعض المتأخرين فظن حصول الجزاء مع السبب وقال إن هذا بمنزلة العلة مع المعلول وأن المعلول يحصل زمن العلة
ولفظ العلة مجمل يراد به المؤثر في الوجود ويراد به الملزوم فإذا سلم الاقتران في الثاني لم يسلم الاقتران في الأول فلا يعرف في الوجود مؤثر في وجود غيره مقارن له في الزمان من كل وجه بل لا بد أن يتقدم عليه زمانا ولا بد أن يحصل وجوده بعد عدم ولهذا جعل الفلاسفة العدم من جملة المبادىء كما قد ذكرنا كلامهم
ومما يمثلون به حصول الصوت مع الحركة كالطنين مع النقرة وأن المسبب هنا مع السبب وهذا أيضا ممنوع فإن وجود الحركة التي هي سبب الصوت يتقدم وجود الصوت وإن كان وجود الصوت متصلا بوجود الحركة لا ينفصل عنه لكن المقصود أنه لا يكون إلا بعده وليس أول زمن الحركة يكون أول زمن الصوت بل لا بد من وجود الحركة والصوت يعقبها ولهذا يعطف المسبب على السبب بحرف الفاء الدالة على التعقيب فيقال كسرته فانكسر وقطعته فانقطع ويقال ضربته بالسيف فمات أو فقتلته وأكل فشبع وشرب فروى وأكل حتى شبع وشرب حتى روى ونحو ذلك فالكسر والقطع فعل يقوم بالفاعل مثل أن يضربه بيده أو بآلة معه فإذا وصل إليه الأثر انكسر وانقطع فأحدهما يعقب الآخر لا يكون أول زمان هذا أول زمان هذا ولا آخر زمان هذا آخر زمان هذا بل يتقدم زمان السبب ويتأخر زمان المسبب
ولهذا تنازع الناس في المسبب المتولد عن فعل الإنسان فقالت طائفة هو فعله وقالت طائفة هو فعل الرب وقالت طائفة بل الإنسان مشارك في فعله وهو حاصل بفعله وبسبب آخر مثل خروج السهم من القوس ومثل حصول الشبع والري بالأكل والشرب
ولولا تقدم السبب على المسبب لم يحصل هذا النزاع فإن السبب حاصل في العبد في محل قدرته وحركته والمسبب حاصل في غير محل قدرته وحركته ومن هذا الباب حركة الكم مع حركة اليد وحركة آخر الحبل مع حركة أوله ونظائره كثيرة
فعلم أنهم لم يجدوا في الوجود مفعولا يكون زمانه زمان فاعله بلا تأخر أصلا لا مع الاتصال ولا مع الانفصال كما يدعونه في فعل رب العالمين خالق كل شيء ومليكه من أن السماوات لم تزل معه مقارنة له في الزمان زمان وجودها هو زمان وجوده لا يجوز أن يتقدم عليها بشيء من الزمان ألبتة
وأما ما ذكره من كون العلم علة للعالمية فهذا أولا قول مثبتي الأحوال كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وقبلهما أبو هاشم وجمهور النظار يقولون إن العلم هو العالمية وهذا هو الصواب وعلى قول أولئك فلا يقولون إن العلم هنا علة فاعلة لا بإرادة ولا بذات ولا بغير ذلك بل المعلول عندهم لا يوصف بالوجود فقط ومعنى العلة عندهم الاستلزام وهذا لا نزاع فيه
قال الرازي
البرهان التاسع هو أن الشيء حال اعتبار وجوده من حيث هو موجود واجب الوجود لامتناع عدمه مع وجوده وكذلك هو في حال عدمه واجب العدم لامتناع كونه موجودا معدوما والحدوث عبارة عن ترتب هاتين الحالتين فإذا كانت الماهية في كلتا الحالتين على كلتا الصفتين واجبة فالماهية من حيث هي واجبة غير مفتقرة إلى مؤثر فإن الواجب من حيث هو واجب يمتنع استناده إلى المؤثر فإذن الحدوث من حيث هو حدوث مانع عن الحاجة فإن لم تعتبر الماهية من حيث هي هي لم يرتفع الوجوب أي وجوب الوجود في زمنه ووجوب العدم في زمنه وهو بهذا الاعتبار لا يحتاج إلى المؤثر فعلمنا أن الحدوث من حيث هو حدوث مانع عن الحاجة وإنما المحوج هو الإمكان
والجواب أن في هذه الحجة مغالطات متعددة وجوابها من وجوه أحدها أن يقال هب أنه في حال وجوده واجب الوجود لكنه واجب الوجود بغيره وذلك لا يناقض كونه مفتقرا إلى الفاعل مفعولا له محدثا بعد أن لم يكن فإذا لم يكن هذا الوجوب مانعا مما يستلزم افتقاره إلى الفاعل لم يمتنع كونه مفتقرا إلى الفاعل مع هذا الوجوب
الثاني أن قوله الحدوث عبارة عن ترتب هاتين الحالتين يقال له الحدوث يتضمن هاتين الحالتين وهو يتضمن مع ذلك أنه وجد بفاعل أوجده هو مفتقر إليه لا يوجد بدون إيجاده له بعد أن لم يكن موجودا فالحدوث يتضمن هذا المعنى أو يستلزمه وإذا كان الحدوث متضمنا للحاجة إلى الفاعل أو مستلزما للحاجة إلى الفاعل لم يجز أن يقال هو مانع عن الحاجة فإن الشيء لا يمنع لازمه وإنما يمنع ضده
الثالث قوله الواجب من حيث هو واجب يمتنع استناده إلى المؤثر ممنوع بل الواجب بنفسه هو الذي يمتنع استناده إلى المؤثر وأما الواجب بغيره فلا يمتنع استناده إلى المؤثر بل نفس كونه واجبا بغيره يتضمن استناده إلى المؤثر ويستلزم ذلك فكيف يقال إن الوجوب بالغير يمنع الاستناد إلى الغير
وإن قال أنا أريد الواجب من حيث هو واجب مع قطع النظر عن كونه واجبا بنفسه أو بغيره
قيل له ليس في الخارج إلا واجب بنفسه أو بغيره وإذا أخذ مطلقا عن القيدين فهو أمر يقدر في الأذهان لا يوجد في الأعيان
ثم يقال لا نسلم أن الواجب إذا أخذ مطلقا يمتنع استناده إلى المؤثر بل الواجب إذا أخذ مطلقا لا يستلزم المؤثر ولا ينفي المؤثر فإن من الواجب ما يستلزم المؤثر وهو الواجب بغيره ومنه ما ينفيه وهو الواجب بنفسه وصار هذا كاللون إذا أخذ مجردا لا يستلزم السواد ولا ينفيه والحيوان إذا أخذ مجردا لا يستلزم النطق ولا ينفيه وكذلك سائر المعاني العامة التي تجري مجرى الأجناس إذا أخذت مع قطع النظر عن بعض الأنواع لم تكن مستلزمة لذلك ولا مانعة منه
الرابع أن قول القائل الحدوث من حيث هو حدوث مانع عن الحاجة إلى المؤثر مما يعلم فساده ببديهة العقل والعلم بفساد ذلك أظهر من العلم بفساد قول من يقول الإمكان من حيث هو إمكان مانع عن الحاجة إلى المؤثر فإن علم الناس بأن ما حدث بعد أن لم يكن لا بد له من محدث أظهر وأبين من علمهم بأن ما قبل الوجود والعدم لا بد له من مرجح فإذا كانت الحجة النافية لهذا سوفسطائية فتلك أولى أن تكون سوفسطائية
الخامس أن هذه الحجة مبنية على أن في الخارج ماهية غير الوجود الحاصل في الخارج وأنه يعتقب عليها الوجود والعدم وهذا ممنوع وباطل
السادس أنه لو سلم ذلك فالماهية من حيث هي هي لا تستحق وجودا ولا عدما ولا تفتقر إلى فاعل فإن من يقول ذلك يقول الماهيات غير مجعولة وأن المجعول اتصافها بالوجود وإنما تفتقر إلى الفاعل إذا كانت موجودة وإذا كانت موجودة فوجودها واجب فعلم أن افتقارها إلى الفاعل في حال وجوب وجودها بالغير لا في الحال التي لا تستحق فيها وجودا ولا عدما
السابع أنه لو سلم أن هذه الماهية ثابتة في الخارج وإنما هي من حيث هي هي مفتقرة إلى المؤثر فليس في هذا ما يدل على وجوب كونها أزلية بل ولا على إمكان ذلك وإذا لم يكن فيه ما يدل على ذلك لم يمتنع أن يكون هذا الافتقار لا يثبت لها إلا مع الحدوث ولكون الحدوث شرطا في هذا الافتقار
الثامن أنا إذا سلمنا أن علة الافتقار إلى الفاعل هو الإمكان فالإمكان الذي يعقله الجمهور إمكان أن يوجد الشيء وإمكان أن يعدم الشيء وهذا الإمكان ملازم للحدوث فلا يعقل إمكان كون الشيء قديما أزليا واجبا بغيره وهو مع ذلك يفتقر إلى الفاعل وهذا هو الذي يدعونه
التاسع أنهم إذا جعلوا الوجوب مانعا من الاستناد إلى الغير وإن كان وجوبا حادثا فالوجوب القديم الأزلي أولى أن يكون مانعا من الاستناد إلى الغير والأفلاك عندهم واجبة الوجود أزلا وأبدا ووجوب ذلك بغيرها فإذا كان هذا الوجوب لازما للماهية والوجوب مانع من الافتقار إلى الغير كان لازم الماهية مانعا لها من الافتقار فلا تزال الماهة القديمة ممنوعة من الإفتقار إلى الغير فيلزم أن لا تفتقر إلى الغير أبدا وهذا هو الذي يقوله جماهير العقلاء وأن ما كان قديما يمتنع أن يكون مفعولا
العاشر أنه إذا قدر أن الإمكان هو المحوج إلى الغير المؤثر فالتأثير هو جعل الشيء موجودا وإبداع وجوده جعل ما يمكن عدمه موجودا لا يعقل إلا بإحداث وجود له بعد أن لم يكن وإلا فما كان وجوده واجبا أزليا يمتنع عدمه لا يعقل حاجته إلى من يجعله موجودا وإذا قالوا هو واجب الوجود أزلا وأبدا يمتنع عدمه وقالوا مع ذلك إن غيره هو الذي أبدعه وجعله موجودا وإنه يمكن وجوده وعدمه فقد جمعوا في كلامهم من التناقض أعظم مما يذكرونه عن غيرهم
الحادي عشر أنه لو كان مجرد الإمكان مستلزما للحاجة إلى الفاعل لكان كل ممكن موجودا كما أنا إذا قلنا الحدوث هو المحوج إلى المؤثر كان كل محدث موجودا لأن المحتاج إلى الفاعل إنما يحتاج إليه إذا فعله الفاعل وإلا فبتقدير أن لا يفعله لا حاجة به إليه وإذا فعله الفاعل لزم وجوده فيلزم وجود كل ممكن وهو معلوم الفساد بضرورة العقل
فإن قيل المراد أن الممكن لا يوجد إلا بفاعل قيل فيكون الإمكان مع الوجود يستلزم الحاجة إلى الفاعل وحينئذ فيحتاجون إلى بيان أنه يمكن كون وجود الممكن أزليا وأن الفاعل يمكنه أن يكون مفعوله المعين أزليا وهذا إذا إثبتموه لم تحتاجوا إلى ما تقدم فإنه لا تثبت حاجة الممكن إلى الفاعل إلا في حال وجوده فعلم أن الاستدلال بمجرد الإمكان باطل
قال الرازي
البرهان العاشر جهة الاحتياج لابد وأن لا تبقى مع المؤثر كما كانت لا مع المؤثر وإلا لبقيت الحاجة مع المؤثر إلى مؤثر آخر فلو جعلنا الحدوث جهة الاحتي إلى المؤثر والحدوث مع المؤثر كهو لا مع المؤثر لأن الحدوث هو الوجود بعد العدم وسواء كان ذلك الوجود بالفاعل أو لا بالفاعل فهو وجود بعد العدم وسواء أخذ حال الحدوث أو حال البقاء فهو في كليهما وجود بعد العدم فإذن هو مع المؤثر كهولا مع المؤثر فيلزم المحال المذكور أما إذا جعلنا الإمكان جهة الاحتياج فهو عند المؤثر لا يبقى كما كان عند عدم المؤثر فإن الماهية مع المؤثر لا تبقى ممكنة ألبتة فعلم أن الحدوث لا يصلح جهة الاحتياج
فيقال هذا من جنس الذي قبله والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال كون الماهية مع المؤثر لا تبقى ممكنة ألبتة هو وصف ثابت لها مع الحدوث أيضا بل لا يعلم ذلك إلا مع الحدوث فإن الممكن الذي يعلم أنه يصير واجبا بالفاعل هو المحدث أما القديم الأزلي فهو مورد النزاع
وجمهور العقلاء يقولون نعلم ببديهة العقل أنه لا يكون له فاعل وبتقدير أن تكون المسألة نظرية فالمنازع لم يقم على ذلك دليلا ألبتة إذ لا دليل يدل على قدم شيء من العالم ألبته وإنما غاية الأدلة الصحيحة أن تدل على دوام الفاعلية وذلك يحصل بإحداث شيء بعد شيء وبكل حال فلا ريب أن الممكن المحدث واجب بفاعله
وحينئذ فيقال الحدوث بعد العدم إذا كان بالفاعل اقتضى وجوب المحدث وأما إذا لم يكن بالفاعل امتنع الحدوث فلم يكن الحدوث بعد العدم مع المؤثر كهو لا مع المؤثر فأنه في هذه الحال واجب وفي هذه ممتنع كما أن الممكن مع المؤثر واجب وبدون المؤثر ممتنع وإذا كان واجبا مع المؤثر مع كونه حادثا لم يحتج مع ذلك إلى مؤثر آخر
والجواب الثاني أن يقال قوله الماهية مع المؤثر لا تبقى ممكنة ألبتة إن أراد به أنها لا تبقى محتاجة إلى المؤثر أو لا يبقى علة احتياجها هو الإمكان فهذا باطل وهو خلاف ما يقولونه دائما وإن أراد به أنها لا تبقى ممكنة العدم لوجوبها بالغير فهذا يناقض ما يقولونه من أنها باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها مع كونها واجبة بالغير وحينئذ فبطل قولهم إن القديم الأزلي يكون ممكنا فليس شيء من القديم الأولى بممكن وهذا ينعكس بانعكاس النقيض فلا يكون شيء من الممكن بقديم أزلي فثبت أن كل ممكن لا يوجد إلا بعد عدمه وهو المطلوب وإذا بطل المذهب بطلت جميع أدلته لأن القول لازم عن الأدلة فإذا انتفى اللازم انتفت الملزومات كلها
والجواب الثالث قوله جهة الاحتياج لا بد وأن لا تبقى مع المؤثر كما كانت لا مع المؤثر أتريد به أن المحتاج إلى المؤثر لا يكون مع عدم المؤثر كما يكون مع المؤثر أم تريد أن علة احتياجه أو شرط احتياجه أو دليل احتياجه يختلف في الحالين فإن أردت الأول فهذا صحيح فإن المحدث بعد العدم لا يكون مع المؤثر كما كان مع عدم المؤثر فإنه مع عدمه معدوم بل واجب العدم ومع وجوده موجود بل واجب الوجود
وقوله لأن الحدوث هو الوجود بعد العدم سواء كان الوجود بالفاعل أو بغير الفاعل تقدير ممتنع فإن كونه بغير الفاعل ممتنع فلا يكون حدوث بعد العدم بغير الفاعل حتى يسوى بينه في هذه الحال وفي حال عدمها بل هذا مثل أن يقال رجحان وجوده على عدمه سواء كان بالفاعل أو بغير الفاعل
وإن أردت بذلك أنه ما كان علمة أو دليلا أو شرطا في أحد الحالين لا يكون كذلك في الحال الأخرى فهذا باطل فإن علة احتياج الأثر إلى المؤثر إذا قيل هو الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما فهو كذلك مطلقا فإنا نعلم أن المحدث لا يحدث إلا بفاعل سواء حدث أو لم يحدث والممكن لا يترجح وجوده إلا بمرجح سواء ترجح أو لم يترجح لكن هذا الاحتياج إنما يحقق في حال وجوده إذ ما دام معدوما فلا فاعل له
وقولك وإلا لبقيت الحاجة مع المؤثر إلى موثر آخر إنما يدل على المعنى المسلم دون الممنوع فإنه يدل على أنه بالمؤثر يحصل وجوده لا يفتقر مع المؤثر إلى شيء آخر لا يدل على أنه مع المؤثر لا يكون علة حاجتها أو دليلها أو شرطها الحدوث أو الإمكان أو مجموعهما بل هذا المعنى هو ثابت له حال وجوده أظهر من ثبوته له حال عدمه فإنه إنما يحتاج إلى ذلك حال وجوده لا حال عدمه
وحينئذ فإذا قلنا احتاج إلى المؤثر لحدوثه بعد العدم وهذا الوصف ثابت له حال وجوده كنا قد أثبتنا علة حاجته وقت وجوده والعلة حاصلة وإذا قلنا العلة هي الإمكان وادعينا انتفاءها عند وجوده كنا قد عللنا حاجته إلى المؤثر بعد وقت وجوده بعلة منتفية وقت وجوده وهذا يدل على أن ما ذكره حجة عليهم لا لهم وهذا بين لمن تدبره
وهذا وغيره مما يبين أن القوم لما غيروا فطرة الله التي فطر عليها عباده فخرجوا عن صريح المعقول وصحيح المنقول ودخلوا في هذا الإلحاد الذي هو من أعظم جوامع الكفر والعناد صار في أقوالهم من التناقض والفساد مالا يعلمه إلا رب العباد مع دعواهم أنهم أصحاب البراهين العقلية والمعارف الحكمية وأن العلوم الحقيقية فيما يقولونه لا فيما جاءت به رسل الله الذين هم أفضل الخليقة وأعلمهم بالحقيقة
وهؤلاء الملاحدة يخالفون المعقولات والمسموعات بمثل هذه الضلالات إذ من البين أن المحتاج إلى الخالق الذي خلقه هو محتاج إليه في حال وجوده وكونه مخلوقا أما إذا قدر أنه باق على العدم ففي تلك الحال لا يحتاج عدمه إلى خالق لوجوده بل ولا فاعل لعدمه وهم وإن قالوا عدمه يفتقر إلى فالمرجح فالمرجح عندهم عدم العلة فالجميع عدم لم يقولوا إن العدم يفتقر إلى موجود
وإذا كان هذا بينا فقوله جهة الاحتجاج لا بد وأن لا تبقى مع المؤثر كما كانت لا مع المؤثر هو كلام ملبس فإن الاحتجاج إنما هو في حال كون المؤثر مؤثرا فكيف تزول حاجته إلى المؤثر في الحال التي هو فيها محتاج إلى المؤثر وكيف يكون محتاجا إلى المؤثر حين لم يؤثر فيه وهو معدوم لا يحتاج إلى مؤثر أصلا وفي حال احتياجه إليه لا يكون محتاجا إليه
وإن قالوا هو في حال عدمه لا يمكن وجوده إلا بمؤثر قلنا فهذا بعض ما ذكرنا فإن كونه لا يوجد إلا بمؤثر أمر لازم له لا يقال إنه ثابت له في حال عدمه دون حال وجوده
وإذا تبين أن الفعل مستلزم لحدوث المفعول وأن إرادة الفاعل أن يفعل مستلزمة لحدوث المراد فهذا يبين أن كل مفعول وكل ما أريد فعله فهو حادث بعد أن لم يكن عموما وعلم بهذا أنه يمتنع أن يكون ثم إرادة أزلية لشيء من الممكنات يقارنها مرادها أزلا وأبدا سواء كانت عامة لكل ما يصدر عنه أو كانت خاصة ببعض المفعولات
ثم يقال أما كونها عامة لكل ما يصدر عنه فامتناعه ظاهر متفق عليه بين العقلاء فإن ذلك يستلزم أن يكون كل ما صدر عنه بواسطة أو بغير واسطة قديما أزليا فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء وهو مخالف لما يشهده الخلق من حدوث الحوادث في السماء والأرض وما بينهما من حدوث الحركات والأعيان والأعراض كحركة الشمس والقمر والكواكب وحركة الرياح وكالسحاب والمطر وما يحدث من الحيوان والنبات والمعدن
وأما إرادة شيء معين فلما تقدم ولأنه حينئذ إما أن يقال ليس له إلا تلك الإرادة الأزلية وإما أن يقال له إرادات تحصل شيئا بعد شيء فإن قيل بالأول فإنه على هذا التقدير يكون المريد الأزلي في الأزل مقارنا لمراده الأزلي فلا يريد شيئا من الحوادث لا بالإرادة القديمة ولا بإرادة متجددة لأنه إذا قدر أن المريد الأزلي يجب أن يقارنه مرادة كان الحادث حادثا إما بإرادة أزلية فلا يقارن المريد مراده وإما حادثا بإرادة حادثة مقارنة له وهذا باطل لوجهين
أحدهما أن التقدير أنه ليس له إلا إرادة واحدة أزلية
الثاني أن حدوث تلك الإرادة يفتقر إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب الحادث كالقول في غيره يمتنع أن يحدث بالإرادة الأزلية المستلزمة لمقارنة مرادها لها ويمتنع أن يحدث بلا إرادة لامتناع حدوث الحادث بلا إرادة فيجب على هذا التقدير أن تكون إرادة الحادث المعين مشروط بإرادة له وبإرادة للحادث الذي قبله وأن الفاعل المبدع لم يزل مريدا لكل ما يحدث من المرادات
وهذا هو التقدير الثاني وهو أن يقال لو أراد أن يحصل شيئا بعد شيء فكل مراد له محدث كائن بعد أن لم يكن وهو وحده المنفرد بالقدم ولأزلية وكل ما سواه مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وعلى هذا التقدير فليس فيه إلا دوام الحوادث وتسلسلها وهذا هو التقدير الذي تكلمنا عليه ويلزم أن يقوم بذات الفاعل ما يريده ويقدر عليه وهذا هو قول أئمة أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفلسفة بل قول أساطينهم من المتقدمين والمتأخرين
فتبين أنه يجب القول بحدوث كل ما سوى الله سواء سمى جسما أو عقلا أو نفسا وأنه يمتنع كون شيء من ذلك قديما سواء قيل بجواز دوام الحوادث وتسلسلها وأنه لا أول لها أوقيل بامتناع ذلك وسواء قيل بأن الحادث لا بد له من سبب حادث أو قيل بامتناع ذلك وأن القائلين بقدم العالم كالأفلاك والعقول والنفوس قولهم باطل في صريح العقل الذي لم يكذب قط على كل تقدير وهذا هو المطلوب
وقد بسط الكلام على ما يتعلق يهذا في غير هذا الموضع فإن هذا الأصل هو الأصل الذي تصادمت فيه أئمة الطوائف من أهل الفلسفة والكلام والحديث وغيرهم وهو الكلام في الحدث والقدم في أفعال الله وكلامه ويدخل في ذلك الكلام في حدوث العالم والكلام في كلام الله وأفعاله والكلام في هذين الأصلين من محارات العقول فالفلاسفة القائلون بقدم العالم كانوا في غاية البعد عن الحق الذي جاءت به الرسل الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول ولكنهم ألزموا أهل الكلام الذين وافقوهم على نفي قيام الأفعال والصفات بذاته أو على نفي قيام الأفعال بذاته بلوازم قولهم فظهر بذلك من تناقض أهل الكلام ما استطال به عليهم هؤلاء الملحدون وذمهم به علماء المؤمنين من السلف والأئمة وأتباعهم وكان كلامهم من الكلام الذي ذمهم به السلف لما فيه من الخطأ والضلال الذي خالفوا به الحق في مسائلهم ودلائلهم فبقوا فيه مذبذبين متناقضين لم يصدقوا بما جاءت به الرسل على وجهه ولا قهروا أعداء الملة بالحق الصريح المعقول
وسبب ذلك أنهم لم يحققوا ما أخبرت به الرسل ولم يعلموه ولم يؤمنوا به ولا حققوا موجبات العقول فنقصوا في علمهم بالسمعيات والعقليات وإن كان لهم منهما نصيب كبير فوافقوا في بعض ما قالوا الكفار الذين قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير سورة الملك 10 وفرعوا من الكلام في صفات الله وأفعاله ما هو بدعة مخالفة للشرع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فهي مخالفة للعقل كما هي مخالفة للشرع
والذي نبهنا عليه هنا يعلم به دلالة العقل الصريح على ما جاءت به الرسل ولا ريب أن كثيرا من طوائف المسلمين يخطئ في كثير من دلائله ومسائله فلا يسوغ ولا يمكن نصر قوله مطلقا بل الواجب أن لا يقال إلا الحق قال تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق سورة الأعراف 16وإذا كان المقصود نصر حق اتفق عليه أهل الملة أو رد باطل اتفقوا على أنه باطل نصر بالطريق الذي يفيد ذلك وإن لم يستقم دليله على طريقة طائفة من طوائف أهل القبلة بين كيف يمكن إثباته بطريقة مؤلفة من قولها وقول طائفة أخرى فإن تلك الطائفة أن توافق طائفة من طوائف المسلمين خير لها من أن تخرج عن دين الإسلام وكذلك أن توافق المعقول الصريح خير من أن تخرج عن المعقول بالكلية والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد في العقل فإن الحق لا يتناقض والرسل إنما أخبرت بالحق والله فطر عباده على معرفة الحق والرسل بعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق سورة فصلت 53
فأخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول
لكن أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من المنتسبين إلى السنة من المتأخرين ابتدعوا في أصول دينهم حكما ودليلا فأخبروا عن قول أهل الملل بما لم ينطق به كتاب ولا سنة واستدلوا على ذلك بطريقة لا أصل لها في كتاب ولا سنة فكان القول الذي أصلوه ونقلوه عن أهل الملل والدليل عليه كلاهما بدعة في الشرع لا أصل لواحد منهما في كتاب ولا سنة مع أن أتباعهم يظنون أن هذا هو دين المسلمين فكانوا في مخالفة المعقول بمنزلتهم في مخالفة المنقول وقابلتهم الملاحدة المتفلسفة الذين هم أشد مخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول
وما ذكرناه هنا هو مما يعلم به حدوث كل ما سوى الله وامتناع قدم شيء بعينه من العالم بقدم الله يفيد المطلوب على كل تقدير من التقديرات ويمكن التغيير عنه بأنواع من العبارات وتأليفه على وجوه من التأليفات فإن المادة إذا كانت مادة صحيحة أمكن تصويرها بأنواع من الصور وهي في ذلك يظهر أنها صحيحة بخلاف الأدلة المغالطية التي قد ركبت على وجه معين بألفاظ معينة فإنها متى غير ترتيبها وألفاظها ونقلت من صورة إلى صورة ظهر خطؤها فالأولى كالذهب الصحيح فإنه إذا نقل من صورة إلى صورة لم يتغير جوهره بل يتبين أنه ذهب وأما المغشوش فإنه إذا غير من صورة ظهر أنه مغشوش
وهذه الأدلة المذكورة دالة على حدوث كل ما سوى الله وأن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن سواء قيل بدوام نوع الفعل كما يقوله أئمة أهل الحديث وأئمة الفلاسفة أو لم يقل
ولكن من لم يقل بذلك يظهر بينه وبين طوائف أهل الملل وغيرها من النزاع والخصومات والمكابرات ما أغنى الله عنه من لم يشركه في ذلك أو تتكافأ عنده الأدلة ويبقى في أنواع من الحيرة والشك والاضطراب قد عافى الله منها من هداه وبين له الحق
قال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم سورة البقرة 213 فالخالق سبحانه يمتنع أن يكون مقارنا له في القدم شيء من العالم كائنا ما كان سواء قيل إنه يخلق بمشيئته وقدرته كما يقوله المسلمون وغيرهم أو قيل إنه موجب بذاته أو علة مستلزمة للمعلول أو سمى مؤثرا لكون لفظ التأثير يعم هذه الأنواع فيدخل فيه الفاعل باختياره ويدخل فيه بذاته وغير ذلك بل هو المختص بالقدم الذي استحق ما سواه كونه مسبوقا بالعدم
ولكن الاستدلال على ذلك بالطريقة الجهمية المعتزلية طريقة الأعراض والحركة والسكون التي مبناها على أن الأجسام محدثة لكونها لا تخلو عن الحوادث وامتناع حوادث لا أول لها طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنة وطريقة مخطرة مخوفة في العقل بل مذمومة عند طوائف كثيرة وإن لم يعلم بطلانها لكثرة مقدماتها وخفائها والنزاع فيها عند كثير من أهل النظر كالأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ومن سلك سبيله في ذلك كالخطابي وأبي عمر الطلمنكي وغيرهم وهي طريقة باطلة في الشرع والعقل عند محققي الأئمة العالمين بحقائق المعقول والمسموع
والاستدلال بهذه الطريق أوجب نفي صفات الله القائمة به ونفى أفعاله القائمة به وأوجبت من بدع الجهمية ما هو معروف عند سلف الأمة وسلطت بذلك الدهرية على القدح فيما جاءت به الرسل عن الله فلا قامت بتقرير الدين ولا قمعت أعداءه الملحدين وهي التي أوجبت على من سلكها قولهم إن الله لم يتكلم بل كلامه مخلوق فإنه بتقدير صحتها تستلزم هذا القول
وأما ما أحدثه ابن كلاب ومن اتبعه من القول بقدم شيء منه معين إما معنى واحد وإما حروف وأصوات معينة يقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا فهي أقوال محدثة بعد حدوث القول بخلق القرآن وفيها من الفساد شرعا وعقلا ما يطول وصفه لكن القائلون بها بينوا فساد قول من قال هو مخلوق من الجهمية والمعتزلة فكان في كلام كل طائفة من هؤلاء من الفائدة بيان فساد قول الطائفة الأخرى لا صحة قولها إذ الأقوال المخالفه للحق كلها باطلة
وكان الناس لما بعث الله محمدا ﷺ في ضلال عظيم كما في صحيح مسلم من حديث عياش بن حمار عن النبي ﷺ أنه قال إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وإن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم فقلت أي رب إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة فقال إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان فابعث جندا ابعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق أنفق عليك وقال إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا الحديث بطوله وكان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول فلما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ووقعت الفتنة فاقتتل المسلمون بصفين مرقت المارقة التي قال فيها النبي ﷺ تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولي الطائفتين بالحق وكان مروقها لما حكم الحكمان وافترق الناس على غير اتفاق
وحدثت أيضا بدعة التشيع كالغلاة المدعين لإلاهية علي والمدعين النص على علي رضي الله عنه السابين لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فعاقب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الطائفتين قاتل المارقين وأمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الإلاهية فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له فقال لهم ما هذا فقالوا أنت هو قال من أنا قالوا أنت الله الذي لا إله إلا هو فقال ويحكم هذا كفر ارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك فأخرهم ثلاثة أيام لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة وقذفهم في تلك النار وروى عنه أنه قال
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا
وقتل هؤلاء واجب باتفاق المسلمين لكن في جواز تحريقهم نزاع فعلي رضي الله عنه رأى تحريقهم وخالفه ابن عباس وغيره من الفقهاء قال ابن عباس أما أنا فلو كنت لم أحرقهم لنهي النبي ﷺ أن يعذب بعذاب الله ولضربت أعناقهم لقول النبي ﷺ من بدل دينه فاقتلوه وهذا الحديث في صحيح البخاري
وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر فإن عليا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا
وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فروى عنه أنه قال لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر روى ذلك عنه من أكثر من ثمانين وجها ورواه البخاري وغيره ولهذا كانت الشيعة المتقدمون كلهم متفقين على تفضيل أبي بكر وعمر كما ذكر ذلك غير واحد
فهاتان البدعتان بدعة الخوارج والشيعة حدثنا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة ثم إنه في أواخر عصر الصحابة حدثت بدعة القدرية والمرجئة فأنكر ذلك الصحابة والتابعون كعبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع
ثم إنه في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية حدثت بدعة الجهمية منكرة الصفات وكان أول من أظهر ذلك الجعد بن درهم فطلبه خالد بن عبد الله القسري فضحى به بواسط فخطب الناس يوم النحر وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه
ثم ظهر بهذا المذهب الجهم بن صفوان ودخلت فيه بعد ذلك المعتزلة وهؤلاء أول من عرف عنهم في الإسلام أنهم أثبتوا حدوث العالم بحدوث الإجسام وأثبتوا حدوث الأجسام بحدوث ما يستلزمها من الأعراض وقالوا الأجسام لا تنفك عن أعراض محدثة وما لا ينفك عن الحوادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها
ثم إنهم تفرقوا عن هذا الأصل فلما قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي عورضوا بالمستقبل فطرد إماما هذه الطريقة هذا الأصل وهما إمام الجهمية الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة وقالا بامتناع دوام الحوادث في المستقبل والماضي
ثم إن جهما قال إذا كان الأمر كذلك لزم فناء الجنة والنار وأنه يعدم كل ما سوى الله كما كان ما سواه معدوما وكان هذا مما أنكره السلف والأئمة على الجهمية وعدوه من كفرهم وقالوا إن الله تعالى يقول إن هذا لرزقنا ماله من نفاد سورة ص 54 وقال تعالى أكلها دائم وظلها سورة الرعد 35 إلى غير ذلك من النصوص الدالة على بقاء نعيم الجنة
وأما أبو الهذيل فقال إن الدليل إنما دل على انقطاع الحوادث فقط فيمكن بقاء الجنة والنار لكن تنقطع الحركات فيبقى أهل الجنة والنار ساكنين ليس فيهما حركة أصلا ولا شيء يحدث ولزمه على ذلك أن يثبت أجساما باقية دائمة خالية عن الحوادث فيلزم وجود أجسام بلا حوادث فينتقض الأصل الذي أصلوه وهو أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث
وهذا هو الأصل الذي أصله هشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي وغيرهما من المجسمة الرافضة وغير الرافضة كالكرامية فقالوا بل يجوز ثبوت جسم قديم أزلي لا أول لوجوده وهو خال عن جميع الحوادث وهؤلاء عندهم الجسم القديم الأزلي يخلو عن الحوادث وأما الأجسام المخلوقة فلا تخلو عن الحوادث ويقولون ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث لكن لا يقولون إن كل جسم فإنه لا يخلو عن الحوادث
ثم إن هؤلاء الجهمية أصحاب هذا الأصل المبتدع احتاجوا أن يلتزموا طرد هذا الأصل فقالوا إن الرب لا تقوم به الصفات ولا الأفعال فأنها أعراض وحوادث وهذه لا تقوم إلا بجسم والأجسام محدثة فيلزم أن لا يقوم بالرب علم ولا قدرة ولا كلام ولا مشيئة ولا رحمة ولا رضا ولا غضب ولا غير ذلك من الصفات بل جميع ما يوصف به من ذلك فإنما هو مخلوق منفصل عنه
والجهمية كانوا يقولون قولنا إنه يتكلم هو مجاز والمعتزلة قالوا إنه متكلم حقيقة لكن المعنى واحد فكان أصل هؤلاء هو المادة التي تشعبت عنها هذه البدع فجاء ابن كلاب بعد هؤلاء لما ظهرت المحنة المشهورة وامتحن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من ائمة السنة وثبت الله الإمام أحمد بن حنبل وجرت أمور كثيرة معروفة وانتشر بين الأمة النزاع في هذه المسائل قام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري وصنف في الرد على الجهمية والمعتزلة مصنفات وبين تناقضهم فيها وكشف كثيرا من عوراتهم لكن سلم لهم ذلك الأصل الذي هو ينبوع البدع فاحتاج لذلك أن يقول إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا نادى موسى حين جاء الطور بل ولا يقوم به نداء حقيقي ولا يكون إيمان العباد وعملهم الصالح هو السبب في رضاه ومحبته ولا كفرهم هو السبب في سخطه وغضبه فلا يكون بعد أعمالهم لا حب ولا رضا ولا سخط ولا فرج ولا غير ذلك مما أخبرت به نصوص الكتاب والسنة
قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله سورة آل عمران 31 وقال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم سورة محمد 28 وقال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهم سورة الزخرف 55 وقال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم سورة الزمر 7 وقال تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون سورة آل عمران 59 وقال تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة أسجدوا لآدم سورة الأعراف 1وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى إلا بكلفة وهي تبلغ مئين من نصوص القرآن والحديث كما ذكرنا طرفا منها في غير هذا الموضع وذكرنا كلام السلف والخلف في هذا الأصل وذكرنا مذاهب القدماء من الفلاسفة أيضا وموافقة أساطينهم على هذا الأصل
ثم إنه بسبب ذلك تفرق الناس في مسألة القرآن فاحتاج ابن كلاب ومتبعوه إلى أن يقولوا هو قديم وإنه لازم لذات الله وإن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته وجعلوا جميع ما يتكلم به قديم العين لم يقولوا إنه يتكلم بمشيئته وقدرته أزلا وأبدا وإن كلامه قديم بمعنى أنه قديم النوع لم يزل الله متكلما بمشيئته كما قاله السلف والأئمة
ثم قالوا إنه قديم العين وافترقوا على حزبين حزب قالوا يمتنع أن يكون القديم هو الحروف والأصوات لامتناع البقاء عليها وكونها توجد شيئا بعد شيء لأن المسبوق بغيره لا يكون قديما فالقديم هو المعنى ويمتنع وجود معان لا نهاية لها في آن واحد والتخصيص بعدد دون عدد لا موجب له فالقديم معنى واحد هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الكرسي وآية الدين وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وأنكروا أن يكون الكلام العربي كلام الله
والحزب الثاني قالوا بل الحروف أو الحروف والأصوات قديمة أزلية الأعيان وقالوا الترتيب في ذاتها لا في وجودها وفرقوا بين الحقيقة وبين وجود الحقيقة كما يفرق كثير من أهل الكلام بين وجود الرب وبين حقيقته وكثير منهم ومن الفلاسفة يفرق بين وجود الممكنات وبين حقيقتها وقالوا الترتيب هو في حقيقتها لا في وجودها بل هي موجودة أزلا وأبدا لم يسبق منها شيء شيئا وإن كانت حقيقتها مرتبة ترتيبا عقليا كترتيب الذات على الصفات وكترتيب المعلول على العلة كما يقوله المتفلسفة القائلون بقدم العالم حيث قالوا إن الرب متقدم على العالم بذاته وحقيقته ولم يتقدم عليه تقدما زمانيا وقالوا في تقدم بعض كلامه على بعض كما قال هؤلاء في تقدمه على معلوله وهؤلاء يجعلون التقدم والتأخر والترتيب نوعين عقليا ووجوديا ويدعون أن ما أثبتوه من الترتيب والتقدم والتأخر هو عقلي لا وجودي
وأما جمهور العقلاء فينكرون هذا ويقولون إن قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة وإن الترتيب والتقدم والتأخر لا يعقل إلا وجود الشيء بعد غيره لا يمكن مع كونه معه إلا أن يكون بعده كما يقولون إن المعلول لا يكون إلا بعد العلة ولا يكون إلا معها وهذه الأمور قد بسطت في غير هذا الموضع بسطا كبيرا ولكن ذكر هنا ما تيسر
والمقصود أن هذه الطريق الكلامية التي ابتدعتها الجهمية والمعتزلة وأنكرها سلف الأمة وأئمتها صارت عند كثير من النظار المتأخرين هي دين الإسلام بل يعتقدون أن من خالفها فقد خالف دين الإسلام مع أنه لم ينطق بما فيها من الحكم والدليل لا آية من كتاب الله ولا خبر عن رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكيف يكون دين الإسلام بل أصل أصول دين الإسلام مما لم يدل عليه لا كتاب ول سنة ولا قول أحد من السلف
ثم حدث بعد هذا في الإسلام الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم حدثوا وانتشروا بعد انقراض العصور المفضلة وصار كل زمان ومكان يضعف فيه نور الإسلام يظهرون فيه وكان من أسباب ظهورهم أنهم ظنوا أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون ورأوا ذلك فسادا في العقل فرأوا دين الإسلام المعروف فاسدا في العقل فكان غلاتهم طاعنين في دين الإسلام بالكلية باليد واللسان كالخرمية أتباع بابك الخرمي وقرامطة البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي وغيرهم وأما مقتصدوهم وعقلاؤهم فرأوا أن ما جاء به محمد ﷺ فيه من الخير والصلاح مالا يمكن القدح فيه بل اعترف حذاقهم بما قاله ابن سينا وغيره من أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموس محمد ﷺ وكان هذا موجب عقلهم وفلسفتهم فإنهم نظروا في أرباب النواميس من اليونان فرأوا أن الناموس الذي جاء به موسى وعيسى أعظم من نواميس أولئك بأمر عظيم ولهذا لما ورد ناموس عيسى بن مريم عليه السلام على الروم انتقلوا عن الفلسفة اليونانية إلى دين المسيح
وكان أرسطو قبل المسيح بن مريم عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة كان وزيرا للإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي غلب على الفرس وهو الذي يؤرخ له اليوم بالتاريخ الرومي تؤرخ له اليهود والنصارى وليس هذا الإسكندر هو ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظن ذلك طائفة من الناس فإن ذلك كان متقدما على هذا وذلك المتقدم هو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج وهذا المقدوني لم يصل إلى السد وذاك كان مسلما موحدا وهذا المقدوني كان مشركا هو وأهل بلده اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان وقد قيل إن آخر ملوكهم كان هو بطليموس صاحب المجسطى وأنهم بعده انتقلوا إلى دين المسيح فإن الناموس الذي بعث به المسيح كان أعظم وأجل بل النصارى بعد أن غيروا دين المسيح وبدلوا هم أقرب إلى الهدى ودين الحق من أولئك الفلاسفة الذين كانوا مشركين وشرك أولئك الغليظ هو مما أوجب إفساد دين المسيح كما ذكره طائفة من أهل العلم قالوا كان أولئك يعبدون الأصنام ويعبدون الشمس والقمر والكواكب ويسجدون لها والله تعالى إنما بعث المسيح بدين الإسلام كما بعث سائر الرسل بدين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له
قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون س سورة الزخرف 45 وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون سورة الأنبياء 25 وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمه رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة سورة النحل 3وقد أخبر الله تعالى عن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وغيرهم من الرسل والمؤمنين إلى زمن الحواريين أن دينهم كان الإسلام قال تعالى عن نوح عليه السلام إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءهم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلى ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين سورة يونس 71 72 وقال تعالى عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون سورة البقرة 130 133
وقال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين سورة يونس 84 وقال إن أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا سورة المائدة 44 وقال عن بلقيس رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين سورة النمل 44 وقال عن الحواريين وإذ أوحيت إلى الحواديين أن أمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون سورة المائدة 11ولما كان المسيح صلوات الله عليه قد بعث بما بعث به المرسلون قبله من عباده الله وحده لا شريك له وأحل لهم بعض ما كان حرم عليهم في التوراة وبقي أتباعه على ملته مدة قيل أقل من مائة سنة ثم ظهرت فيهم البدع بسبب معاداتهم لليهود صاروا يقصدون خلافهم فغلوا في المسيح وأحلوا أشياء حرمها وأباحوا الخنزير وغير ذلك
وابتدعوا شركاء بسبب شرك الأمم فإن أولئك المشركين من اليونان والروم وغيرهم كانوا يسجدون للشمس والقمر والأوثان فنقلتهم النصارى عن عبادة الأصنام المجسدة التي لها ظل إلى عبادة التماثيل المصورة في الكنائس وابتدعوا الصلاة إلى المشرق فصلوا إلى حيث تظهر الشمس والقمر والكواكب واعتاضوا بالصلاة إليها والسجود إليها عن الصلاة لها والسجود لها
والمقصود أن النصارى بعد تبديل دينهم كان ناموسهم ودينهم خيرا من دين أولئك اليونان أتباع الفلاسفة فلهذا كان الفلاسفة الذين رأوا دين الإسلام يقولون إن ناموس محمد ﷺ أفضل من جميع النواميس ورأوا أنه أفضل من نواميس النصارى والمجوس وغيرهم فلم يطعنوا في دين محمد ﷺ كما طعن أولئك المظهرون للزندقة من الفلاسفة ورأوا أن ما يقوله أولئك المتكلمون فيه ما يخالف صريح المعقول فطعنوا بذلك عليهم وصاروا يقولون من أنصف ولم يتعصب ولم يتبع الهوى لا يقول ما يقوله هؤلاء في المبدأ والمعاد
وكان لهم أقوال فاسدة في العقل أيضا تلقوها من سلفهم الفلاسفة ورأوا ما تقوله فيه ما يخالف العقول وطعنوا بذلك الفلاسفة ورأوا أن ما تواتر عن الرسل يخالفها فسلكوا طريقتهم الباطنية فقالوا إن الرسل لم تبين العلم والحقائق التي يقوم عليها البرهان في الأمور العلمية ثم منهم من قال إن الرسل علمت ذلك وما بينته ومنهم من يقول إنها لم تعلمه وإنما كانوا بارعين في الحكمة العملية دون الحكمة العلمية ولكن خاطبوا الجمهور بخطاب تخييلي خيلت لهم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما ينفعهم اعتقاده في سياستهم وإن كان ذلك اعتقادا باطلا لا يطابق الحقائق
وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون تأويل ذلك لأن المقصود بذلك عندهم التخييل والتأويل يناقض مقصوده وهم يقرون بالعبادات لكن يقولون مقصودها إصلاح أخلاق النفس وقد يقولون إنها تسقط عن الخاصة العارفين بالحقائق فكانت بدعة أولئك المتكلمين مما أعانت إلحاد هؤلاء الملحدين
وقد بسط الكلام في كشف أسرارهم وبيان مخالفتهم لصريح المعقول وصحيح المنقول في غير هذا الموضع وذكر أن المعقولات الصريحة موافقة لما أخبرت به الرسل لا تناقض ذلك ونبهنا في مواضع على ما يستوجب الاستغناء عن الطرق الباطلة المبتدعة وما به يعلم ما يوافق خير الرسول وبينا أن الطرق الصحيحة في المعقول هي مطابقة لما أخبر به الرسول مثل هذه الطرق وغيرها
فإنه يعلم بصريح المعقول أن فاعل العالم إذا قيل إنه علة تامة أزلية والعلة التامة تستلزم معلولها لزم أن لا يتخلف عنه في القدم شيء من المعلول فلا يحدث عنه شيء لا بواسطة ولا بغير واسطة ويمتنع أن يصير علة لمفعول بعد مفعول من غير أن يقوم به ما يصير علة للثاني فيمتنع مع تماثل أحواله أن تختلف مفعولاته ويحدث منها شيء
وهذا مما لا ينازع فيه عاقل تصوره تصورا جيدا وحذاقهم معترفون بهذا كما يذكره ابن رشد الحفيد وأبو عبد الله الرازي وغيرهما من أن صدور المتغيرات المختلفة عن الواحد البسيط مما تنكره العقول وكذلك إذ سمى موجبا بالذات وكذلك إذا قيل مؤثر تام التأثير في الأزل أو مرجح تام الترجيح في الأزل أو نحو ذلك وكذلك إذا قيل هو قادر مختار يستلزم وجود مراده في الأزل فإنه إذا استلزم وجود مراده في الأزل لزم أن لا يحدث شيء من مراده فلا يحدث في العالم شيء إذ لا يحدث شيء إلا بإرادته فلو كانت إرادته أزلية مستلزمة لوجود مرادها معها في الأزل لزم أن لا يكون شيء من المرادات حادثا فلا يكون في العالم حادث وهو خلاف المشاهدة
وهم لا يقولون به ولا يقول عاقل إنه علة تامة أزلية لجميع معلولاتها ولا موجب أزلي لجميع العالم حتى أشخاصه ولا يقول أحد إن جميع مراده مقارن له في الأزل بل يقولون إن أصول العالم كالأفلاك والعناصر هي الأزلية القديمة بأعيانها وإن الحركات والمولدات قديمة النوع أو يقولون إن مواد هذا العالم كالجواهر المفردة أو الهيولى أو غير ذلك هي قديمة أزلية بأعيانها وهذا كله باطل إذ كان قدم شيء من ذلك يستلزم أن يكون فاعله مستلزما له في الأزل سواء سمى موجبا له بذاته في الأزل أو علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها أو قيل إنه فاعل بإرادته الأزلية المستلزمة للمفعول المراد في الأزل
وإذا قيل هو علة تامة لأصول العالم دون حوادثه أو هو مريد بإرادة أزلية مستلزمة لاقتران مرادها بها في الأزل لكن تلك الإرادة الأزلية المقارنة لمرادها إنما تعلقت بأصول العالم دون حوادثه
قيل لهم هذا باطل من وجوه
منها أن مقارنة المفعول المعين لفاعله لا سيما مقارنته له أزلا وأبدا ممتنع في صرائح العقول بل وفي بداية العقول بعد التصور التام
وإذا قالوا العلوم الضرورية لا يجتمع على جحدها طائفة من العقلاء الذين لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب
قيل لهم لا جرم هذا القول لم يتفق عليه طائفة من العقلاء من غير تواطؤ بل جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ينكرونه غاية الإنكار وإنما تقوله طائفة واحدة بعضهم عن بعض على سبيل مواطأة بعضهم لبعض وتلقى بعضهم عن بعض ومع المواطأة تجوز المواطأة على تعمد الكذب وعلى الأمور المشتبهة كالمذاهب الباطلة التي يعلم فسادها بالضرورة وقد توارثها طائفة تلقاها بعضهم عن بعض بخلاف الأقوال التي يقر بها الناس عن غير مواطأة فتلك لا يكون منها ما يعلم فساده ببديهة العقل ولهذا كان في عامة أقوال الكفار وأهل البدع من المشركين والنصارى والرافضة والجهمية وغيرهم ما يعلم فساده بضرورة العقل ولكن قاله طائفة تلقاه بعضهم عن بعض
ومنها أن يقال لو كان هذا حقا لامتنع حدوث الحوادث في العالم جملة ولم يكن للحوادث محدث أصلا وهذا من أظهر ما يعلم فساده بضرورة العقل فإن العلة إذا كانت تامة أزلية قارنها معلولها وكان ما يحدث غير معلولها لأنه لو كان معلولا لها لكان قد تأخر المعلول أو بعض المعلول عن علته التامة والعلة التامة لا يجوز أن يتأخر عنها لا معلولها ولا بعض معلولها فكل ما حدث لا يحدث عن علة تامة أزلية وواجب الوجود عندهم علة تامة أزلية فيلزم أن لا يحدث عنه حادث لا بواسطة ولا بغير واسطة
وما يعتذرون به في هذا المكان من قولهم إنما تأخرت الحوادث لتأخر الاستعداد ونحوه من أفسد الأقوال فإن هذا إنما يمكن أن يقال فيما يكون علة وجوده غير علة استعداده وقبوله كما يحدث عن الشمس فإنها تارة تلين وترطب كما تلين الثمار بعد يبسها بسبب ما يحصل فيها من الرطوبة فتجتمع الرطوبة المائية والسخونة الشمسية فتنضج الثمار وتلين وتارة تجفف وتيبس كما يحصل للثمار بعد تناهي نضجها فإنه ينقطع عنها الاستمداد من الرطوبة فتبقى حرارة تفعل في رطوبة من غير إمداد فتجففها كما تجفف الشمس والنار وغيرهما لغير ذلك من الأجسام الرطبة
========
5
منهاج السنة النبوية/5
والمقصود أنه في مثل ذلك قد يتأخر فعل الفاعل لعدم استعداد القابل ولو قدر أن ما يدعونه من العقل الفعال له حقيقة لكان تأخر فيضه حتى تستعد القوابل من هذا الباب وأما واجب الوجود الفاعل لكل ما سواه الذي لا يتوقف فعله على أمر آخر من غيره لا إعداد ولا إمداد ولا قبول ولا غير ذلك بل نفسه هي المستلزمة لفعله فلو قدر أنه علة تامة أزلية لوجب أن يقارنه معلوله كله ولا يتأخر عنه شيء من مفعولاته وإذا تأخر شيء من مفعولاته ولو كان مفعولا بواسطة علم أنه لم يكن علة تامة له في الأزل وأنه صار علة بعد أن لم يكن وإذا قيل الحركة الفلكية هي سبب حدوث الحوادث
قيل وهذا أيضا مما يعلم بطلانه فإن الحركة الحادثة شيئا بعد شيء يمتنع أن يكون الموجب لها علة تامة أزلية فإن هذه يقارنها معلولها أزلا وأبدا والحركة الحادثة شيئا بعد شيء يمتنع أن تكون مقارنة لعلتها في الأزل فعلم أن الموجب لحدوثها ليس علة تامة أزلية بل لا بد أن يكون الرب متصفا بأفعال تقوم به شيئا بعد شيء بسبب ما يقوم به يحدث عنه ما يحدث مثل مشيئته القائمة بذاته وكلماته القائمة بذاته وأفعاله الاختيارية القائمة بذاته
ومنها أن الحوادث بعد ذلك لا بد لها من محدث ويمتنع أن يحدثها غيره لأنه لا رب غيره ولأن القول فيه في ذلك الحدث كالقول فيه إما أن يكون علة تامة في الأزل وإما أن لا يكون ويعود التقسيم
وإذا قالوا إنما تأخر الثاني لتأخر حدوث القوابل والشروط التي بها قبل الفيض قيل لهم هذا يعقل فيما إذا كان حدوث القوابل من غيره كما في حدوث الشعاع عن الشمس وكما يقولونه في العقل الفعال وأما إذا كان هو الفاعل للقابل والمقبول والشرط والمشروط وهو علة تامة أزلية لما يصدر عنه وجب مقارنة معلوله كله له ولم يجز أن يتأخر عنه شيء فإنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن من غير إحداثه لشيءوإحداثه لشيء مع كونه علة تامة أزلية ممتنع وكونه علة لنوع الحوادث مع عدم حدوث فعل يقوم به ممتنع
ولأن صدور العالم عن فاعلين ممتنع سواء كانا مشتركين في جميعه أو كان هذا فاعلا لبعضه وهذا فاعلا لبعضه كما قد بسط في غير هذا الموضع وهذا مما لا نزاع فيه فإنه لم يثبت أحد من العقلاء أن العالم صدر عن اثنين متكافئين في الصفات والأفعال ولا قال أحد من العقلاء إن أصول العالم القديمة صدرت عن واحد وحوادثه صدرت عن آخر فإن العالم لا يخلو من الحوادث وفعل الملزوم بدون لازمه ممتنع ولو كان الفاعل للوازمه غيره لزم أن لا يتم فعل واحد منهما إلا بالآخر فيلزم الدور في الفاعلين وكون كل واحد من الربين لا يصير ربا إلا بالآخر ولا يصير قادرا إلا بالآخر ولا يصير فاعلا إلا بالأخر فلا يصير هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا ولا يصير هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا فيمتنع والحال هذه أن يصير واحد منهما قادرا وهذا مبسوط في موضعه
وذلك مما يبين أنه لا فاعل للحوادث إلا هو وحينئذ فإن حدثت عنه بدون سبب حادث لزم حدوث الحادث بلا سبب حادث وهذا إذا جاز جاز حدوث العالم كله بلا سبب حادث
وأيضا فإنه يلزم أن يكون العالم قديما أزليا خاليا عن شئ من الحوادث وأن الحوادث حدثت فيه بعد ذلك بدون سبب حادث وهذا ممتنع بالاتفاق والبرهان لوجوه كثيرة مثل اقتضائه عدم القديم الواجب بنفسه أو بغيره فإنه إذا قدر معلول قديم أزلي على حال من الأحوال ثم حدثت فيه الحوادث فلا بد أن يتغير من صفة إلى صفة يزول ما كان موجودا ويحدث ما لم يكن موجودا وزوال ما كان موجودا ممتنع فإن القديم إنما يكون قديما إذا كان واجبا بنفسه أو بغيره فإن ما كان واجبا بنفسه أو بغيره يمتنع عدمه وما كان قديما يمتنع عدمه أيضا بل القديم لا يكون قديما إلا إذا كان واجبا بنفسه أو بغيره فما علم أنه كان قديما واجبا بنفسه أو بغيره يكون العلم بامتناع عدمه أوكد وأوكد
والعالم إذا كان شيء منه قديما أزليا لا حادث فيه ثم حدث فيه حادث فقد غيره من الحال القديمة الأزلية الواجبة بنفسها أو بغيرها إلى حال أخرى تخالفها وهذا مع أنه ممتنع فإذا كان هذا بدون سبب حادث كان ممتنعا من هذا الوجه ومن هذا الوجه
وأيضا فالعالم لا يتصور انفكاكه عن مقارنة الحوادث فإن الأجسام لا تخلو عن مقارنة الحوادث الحركة وغيرها والعالم ليس فيه إلا ما هو قائم بنفسه أو بغيره بلا نزاع بين العقلاء وتلك الأعيان لا تخلو عن مقارنة الحوادث فإنها لو خلت عنها ثم قارنتها للزم حدوث الحوادث بلا سبب وهذا باطل وإن لم يكن هذا باطلا جاز حدوث الحوادث بلا سبب فبطل القول بقدم العالم
ثم كثير من النظار يقول ليس في العالم إلا جسم أو عرض وهؤلاء منهم من يفسر الجسم بما يشار إليه ويمنع كون كل جسم مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فلا يلزمهم من الإشكال ما يتوجه على غيرهم
وإن قدر أن فيه ما يخرج عن ذلك كما يذكره من يثبت العقول والنفوس ويقول إنها ليست أجساما فالنفوس لا تفارق الأجسام بل هي مقارنة لها مدبرة لها فلا تفارق الحوادث
وأيضا فالنفوس لا تنفك عن تصورات وإرادات حادثة فهي دائما مقارنة للحوادث والعقول علة لذلك مستلزمة لمعلولها لا يتقدم عليها بالزمان فيمتنع أن يكون في العالم ما يسبق الحوادث فيمتنع أن يكون شيء منه قديما أزليا سابقا للحوادث وحينئذ فالمبدع لشيء منه يمتنع أن يبدعه بدون إبداع لوازمه ولوازمه يمتنع وجودها في الأزل فيمتنع وجود شيء منه في الأزل
فإذا قيل فهو علة تامة أزلية للفلك مع حركته لزم أن يكون علة أزلية تامة للفلك مع حركته فتكون حركته أزلية والحركة لا توجد إلا شيئا فشيئا فيمتنع أن يكون جميع حركته أزليه
وإذا قيل هو علة تامة أزلية للفلك دون حركته احتاجت حركته إلى مبدع آخر ولا مبدع غيره
وإن قيل هو علة للحركة شيئا بعد شيء لم يكن علة تامة للحركة في الأزل لكن يصير علة تامة لشيء منها بحسب وجوده فتكون عليته وفاعليته وإرادته حادثة بعد أن لم تكن فيمتنع أن يكون علة تامة في الأزل وهذا القول ظاهر لا ينازع فيه من فهمه وهو مما يبين امتناع كونه علة تامة أزلية لكل موجود وامتناع كونه علة تامة للفلك مع حركته الدائمة
وهم لا يقولون إنه في الأزل علة لكل موجود بل يقولون إنه في الأزل علة لما كان قديما بعينه كالأفلاك وهو دائما علة لنوع الحوادث ويصير علة تامة للحادث المعين بعد أن لم يكن علة تامة له فهذا حقيقة قولهم
فيقال لهم كونه يصير علة تامة لشيء بعد أن لم يكن علة له من غير أمر يحدث منه ممتنع لذاته لأنه لا محدث للحوادث سواه فيمتنع أن غيره يحدث فاعليته وكونه علة فلا يحدث كونه فاعلا للمعين إلا هو فيلزم أن يكون هو المحدث لكونه علة للمعين وفاعلا له وهذه الفاعلية كانت بعد أن لم تكن فيمتنع أن تكون صدرت عن علة تامة أزلية لأن العلة الأزلية يقارنها معلولها
فتبين أنه أنه يمتنع أن يصير فاعلا لشيء بعد أن لم يكن مع القول بأنه لم يزل علة تامة أزلية وأنه لا بد أن يقوم به من الأحوال ما يوجب كونه فاعلا لما يحدث عنه من الحوادث سواء أحدثت بواسطة أم بغير واسطة
وأيضا فإذا قدر أنه كما يقولون حاله قبل أن يحدث المعين ومع إحداث المعين وبعد إحداث المعين سواء امتنع إحداث المعين فيمتنع أن يحدث شيئا
وأيضا فلم يكن إحداثه للأول بأولى من إحداثه للثاني ولا تخصيص الأول بقدره ووصفه الثاني إذا كان الفاعل لم يكن منه قط سبب يوجب التخصيص لا بقدر ولا بوصف ولا غير ذلك
وهم أنكروا على من قال من النظار إنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا
وقالوا العقل الصريح يعلم أن من فعل بعد أن لم يكن فاعلا فلا بد أن يتجدد له إما قدرة وإما إرادة وإما علم وإما زوال مانع وإما سبب ما
فيقال لهم والعقل الصريح يعلم أن من فعل هذا الحادث بعد أن لم يكن فاعلا له فلا بد أن يتجدد له سبب اقتضى فعله فأنتم أنكرتم على غيركم ابتداء الفعل بلا سبب والتزمتم دوام المفعولات الحادثة بلا سبب فكان ما التزمتموه من حدوث الحوادث بلا سبب أعظم مما نفيتموه
بل قولكم مستلزم أنه لا فاعل للحوادث ابتداء بل تحدث بلا فاعل فأن الموجب للحوادث عندكم هو حركة الفلك وحركة الفلك حركة نفسانية تتحرك بما يحدث لها من التصورات والإرادات المتعاقبة وإن كانت تابعة لتصور كلي وإرادة كلية ثم تلك التصورات والإرادات والحركات تحدث بلا محدث لها أصلا على قولكم لأن واجب الوجود عندكم ليس فيه ما يوجب فعلا حادثا أصلا بل حاله قبل الحادث وبعده ومعه سواء وكون الفاعل يفعل الأمور الحادثة المختلفة مع أن حاله قبل وبعد ومع سواء أبعد من كونه يحدث حادثا مع أن حاله قبل وبعد ومع سواء
وإذا قيل تغير فعله لتغير المفعولات
قيل فعله إن كان هو المفعولات عندكم كما يقوله ابن سينا ونحوه من جهمية الفلاسفة نفاة الصفات والأفعال فالمتغير هو المنفصلات عنه وهي المفعولات وليس هنا فعل هو غيرها يوصف بالتغير فما الموجب لتغيرها واختلافها وحدوث ما يحدث منها مع أن الفاعل هو على حال واحدة وفساد هذا في صريح العقل أظهر من فساد ما أنكرتموه على غيركم
وإن كان فعله قائما بنفسه كما يقوله مثبتة الأفعال الاختيارية من أئمة أهل الملل ومن الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين فمن المعلوم أن تغير المفعولات إنما سببه هذه الأفعال
وهو سبحانه المحدث لجميع المفعولات المتغيرة وتغيراتها فيمتنع أن تكون هي المؤثرة في تغير فعله القائم بنفسه لأن هذا يوجب كون المعلول المخلوق المصنوع هو المؤثر في الخالق الصانع الذي يسمونه علة تامة وهذا يوجب الدور الممتنع فإن كون كل من الشيئين مؤثرا في الآخر من غير أن يكون هناك أمر ثالث غيرهما يؤثر فيهما هو من الدور القبلي الممتنع فإن أحد الفاعلين لا يفعل في الآخر حتى يفعل الآخر فيه كما في هذه الصورة فإن التغير الحادث لا يحدث حتى يحدثه هو لما يقوم به من الفعل فلو كان ذلك الفعل لا يقوم حتى يحدثه ذلك التغير لزم أن لا يوجد حتى يوجد ذاك ولا يوجد ذاك حتى يوجد هذا فيلزم أن لا يوجد واحد منهما حتى يوجد هو قبل أن يوجد بمرتبتين فيلزم اجتماع النقيضين مرتين
وإن قيل المفعول المتغير الأول أحدث في الفاعل تغيرا وذلك التغير أوجب تغيرا ثانيا
قيل فذلك الأول إنما صدر عن فعل قائم بالفاعل فالفاعل ما قام به من الفعل هو الفاعل لكل ما سواه من الحوادث المتغيرة أولا وآخرا ولم يؤثر فيه غيره ألبتة
وإن قيل وجود مفعوله الثاني مشروط بمفعوله الأول فهو الفاعل للأول والثاني فلم يحتج في شيء من فعله إلى غيره ولا أثر فيه شيء سواه وهذا كما أنه سبحانه يلهم العباد أن يدعوه فيدعونه فيستجيب لهم ويلهمهم أن يطيعوه فيطيعونه فيثيبهم فهو سبحانه الفاعل للإجابة والإثابة كما أنه أولا جعل العباد داعين مطيعين ولم يكن في شيء من ذلك مفتقرا إلى غيره ألبتة
وكل من تدبر هذه الأمور تبين له أنه سبحانه خالق كل شيء من الأعيان وصفاتها وأفعالها بأفعاله الاختيارية القائمة بنفسه كما دلت على ذلك نصوص الأنبياء واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ووافقهم على ذلك أساطين الفلاسفة القدماء وهذا مما يبين حدوث كل ما سواه وأنه ليس علة أزلية لمعلول قديم مع أنه دائم الفاعلية ولا يلزم من دوام كونه فاعلا أن يكون معه مفعول معين قديم بل هذا من أبطل الباطل
وهؤلاء المتفلسفة القائلون بقدم العالم عن موجب بذاته هو علة تامة أزلية له يسلمون أنه ليس علة تامة في الأزل لكل حادث فإن هذا لا يقوله من يتصور ما يقول فإن العلة التامة هي التي تستلزم معلولها وتستعقبه فإذا كان المعلول حادثا بعد أن لم يكن لم يكن المستلزم له أزليا لما في ذلك من تأخر المعلول وتراخيه زمانا لا نهاية له عن العلة التامة الأزلية فإن كل حادث يوجد في العالم متأخر عن الأزل تأخرا لا نهاية له فلو كانت علته التامة ثابتة في الأزل لكان المعلول متأخرا عن العلة التامة تأخرا لا نهاية له والعلة التامة لا يكون بينها وبين معلولها فصل أصلا بل النزاع هل يكون معها في الزمان أو يكون عقبها في الزمان ويكون معها كالجزء الثاني من الزمان مع الذي قبله
هذا مما يتكلم فيه الناس إذ كانوا متفقين على أنه متأخر عنها تأخرا عقليا وأنه لا ينفصل عنها وهل يتصل بها اتصالا زمانيا أو يقترن بها اقترانا زمانيا هذا محل نظر الناس
والمقصود هنا أن كل ما يحدث العالم فلا تكون علته التامة المستلزمة تامة قبله بحيث يكون بينهما انفصال فكيف تتقدم عليه تقدما لا نهاية له لكن غاية ما يقولون إنه علة تامة أزلية لما كان قديما من العالم كالأفلاك وأما ما يحدث فيه فإنما يصير علة تامة له عند حدوثه
ويقولون إن حدوث الأول شرط في حدوث الثاني كالماشي الذي يقطع أرضا بعد أرض وكحركة الشمس التي تقطع بها مسافة بعد مسافة كالمتحرك لا يقطع المسافة الثانية حتى يقطع الأولى فقطع الأولى بحركته شرط في قطع الثانية بحركته والعلة التامة لقطع الثانية إنما وجدت بعد الأولى
وهذا غاية ما يقولونه ويعبرون عنه بعبارات فتارة يقولون فيض العلة الأولى والمبدأ الأول أو واجب الوجود وهو الله تعالى دائم لكن يتأخر ليحصل الاستعداد والقوابل وسبب الاستعداد والقوابل عند كثير منهم أو أكثرهم هو حركة الفلك فليس عند هؤلاء سبب لتغيرات العالم إلا حركة الفلك كما يقوله ابن سينا وأمثاله وهذا هو المعروف عند أصحاب أرسطو
وأما آخرون أعلى من هؤلاء كأبي البركات وغيره فيقولون بل سبب التغيرات ما يقوم بذات الرب من إرادات متجددة بل ومن إدراكات كما قد بسطه في كتابه المعتبر
فأولئك كابن سينا وأمثاله يقولون هو بنفسه علة تامة أزلية للعالم بما فيه من الحوادث المتجددة وإن الحادث الأول كان شرطا أعد القابل للحادث الثاني
وهذا القول في غاية الفساد وهو ايضا في غاية المناقضة لأصولهم وذلك أن علة الحادث الثاني لا بد أن تكون بتمامها موجودة عند وجوده وعند وجود الحادث الثاني لم يتجدد للفاعل الأول أمر به يفعل إلا عدم الأول ومجرد عدم الأول لم يوجد عندهم للفاعل لا قدرة ولا إرادة ولا غير ذلك فإن الأول عندهم لا يقوم به شيء من الصفات والأفعال ولا له أحوال متنوعة أصلا فكيف يتصور أن يصدر عنه الثاني بعد أن كان صدوره ممتنعا منه وحاله حاله لم يتجدد إلا أمر عدمي لم يوجب له زيادة قدرة ولا إرادة ولا علم ولا غير ذلك
وهذا بخلاف ما يمثلون به من حركة الإنسان وغيره من المتحركة بالإرادة أو بالطبع فإن المتحرك إذا قطع المسافة الأولى صار له من القدرة ما لم يكن له قبل ذلك وحصل عنده من الإرادة ما لم يكن قبل ذلك كما يجده الإنسان من نفسه إذا مشى فإنه يجد من نفسه عجزا عن قطع المسافة البعيدة حتى يصل إليها وهو قبل وصوله عازم على قطعها إذا وصل ليس هو مريدا في هذا الحال لقطعها في هذا الحال فإذا وصل إليها صار مريدا لقطعها قادرا على قطعها وعند الإرادة الجازمة والقدرة التامة يجب وجود المراد فحينئذ تقطع لا لمجرد عدم الحركة التي بها قطع الأولى بل لما تجدد له من القدرة والإرادة فهذا المتجدد المقتضى له هو ما في نفسه من الإرادة الكلية
والاستعداد للقدرة وكان قطع الأولى مانعا من ذلك فلما زال المانع عمل المقتضى عمله فتمت إرادته وقدرته فقطع المسافة
وهكذا حركة الحجر من فوق إلى أسفل كلما نزل تجدد فيه قوة وقبل ذلك لم يكن فيه ذلك
وكذلك حركة الشمس والكواكب لا سيما وهم يقولون إن حركتها اختيارية لما يتجدد لها من التصورات الجزئية والإرادات الجزئية التي تحدث لها شيئا فشيئا هكذا صرح به أئمتهم أرسطو وغيره فإن حركتها عندهم نفسانية فالمقتضى التام للجزء الثاني من الحركة إنما وجد عنها لم يكن المقتضى التام موجودا قبل وهو قائم بنفس المتحرك او المحرك وهو النفس التي يتجدد لها تصورات وإرادات جزئية وقوة جزئية يتحرك بها شيئا بعد شيء كحركة الماشي فلا يمكنهم أن يذكروا محركا ولا متحركا حاله قبل الحركة وبعدها سواء والحركة تصدر عنه شيئا فشيئا فإن هذا لا وجود له والعقل الصريح يحيل ذلك فإن الحادث لا يحدث إلا عند حدوث موجبه التام وهو علته التامة وإن شئت قلت لا يترجح إلا إذا وجد مرجحه التام المستلزم له
والمستلمون يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فالحركة الثانية لو كان مرجحها التام حاصلا عند الأولى لوجب حصولها عند الأولى بل إنما يتم حصولها عند حصول المرجح التام إما مقترنة به في الزمان أو متصلة به في الزمان وإذا كان المرجح التام لا بد أن يحصل بعد أن لم يكن حاصلا فلا بد أن يحصل للحركة سبب حادث يوجب أن يصيرها حادثة بعد أن لم تكن حادثة وكذلك السبب الأول القريب من الحركة
وإن كان الفاعل له إرادة تامة عامة كلية لما يحدث شيئا بعد شيء فتلك وحدها لا تكفي بل لا بد من إرادة أخرى جزئية لحادث حادث يقارنه كما يجده الإنسان في نفسه إذا مشى في سفر أو غيره إلى مكة أو غيرها فلا ريب أن المقتضى العام إما بإرادة أو غيرها قد يكون مقتضاه عاما مطلقا لكن يتأخر لتأخر الاستعدادات والقوابل إذا كانت من غيره كما في طلوع الشمس فإنه من جهتها فيض عام لكن يتوقف على استعداد من القوابل وارتفاع الموانع ولهذا يختلف تأثيرها ويتأخر بحسب القوابل والشروط وتلك ليست منها
وكذلك هم يقولون إن العقل الفعال دائم الفيض عنه يفيض كل ما في العالم من الصور النفسانية والجسمانية فعنه تفيض العلوم والإرادات وغير ذلك وهم عندهم رب كل ما تحت فلك القمر لكن ليس مستقلا عندهم بل فيضه يتوقف على حصول الاستعدادات والقوابل التي تحصل بحركات الأفلاك وتلك الحركات التي فوق فلك القمر ليست منه بل من غيره وهذا العقل هو رب البشر عندهم ومنه يفيض الوحي والإلهام وقد يسمونه جبريل وقد يجعلون جبريل ما قام بنفس النبي من الصورة الخيالية وهذا كله كلام من أبطل الباطل كما قد بسط في موضعه
لكن المقصود هنا أنهم يمثلون فيض واجب الوجود بفيض العقل الفعال وفيض الشمس وهو تمثيل باطل لأن المفيض هنا ليس مستقلا بالفيض بل فيضه متوقف على ما يحدثه غيره من الاستعداد والقبول وإحداث غيره له من فعل غيره فأما رب العالمين فهم يسلمون أنه لا شريك له في الفيض ولا يتوقف شيء من فيضه على فعل من غيره بل هو رب القابل والمقبول رب المستعد والمستعد له ومنه الإعداد ومنه الإمداد فإذا قالوا بعد هذا إنه علة تامة أزلية وإن فيضه عام لكنه يتوقف على حدوث القوابل والاستعدادات إما بحدوث الأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية وإما بغير ذلك
قيل لهم إن قلتم هو علة أزلية لهذا الحادث لزم وجوده في الأزل
وإن قلتم لا يصير علة تامة إلا بحدوث القوابل
قيل لكم فإذا كان حدوث القوابل منه فهو المحدث لهما جيمعا فقبل إحداثهما لم يكن علة تامة لا لهذا ولا لهذا ثم أحدثهما جميعا القابل والمقبول فإذا كان أحدثهما بدون تجدد شيء لزم أن يكون لم يزل علة تامة لهما أو لم يصر علة تامة لهما فيلزم إما قدم هذين الحادثين وإما عدمهما
فإنه إن لم يزل علتهما لزم قدمهما وإن لم يحدث لزم عدمهما وأنتم تجعلون علة هذين الحادثين حدثت بعد أن لم تكن أي حدثت بتمامها بعد أن لم تكن وليس هنا شيء أوجب حدوث التمام فإن الفاعل للتمام حالة بعد التمام وحالة قبل التمام سواء فيمتنع أن يكون علة تامة له في إحدى الحالين دون الأخرى وكل ما يقدرونه مما حصل تمام العلة هو أيضا حادث عن الأول فحقيقة قولكم أن حوادث العالم تحدث عنه مع أنه لم يزل علة تامة لها أو مع أنه لم يصر علة تامة مع أن العلة التامة إنما تكون تامة عند معلولها لا قبل ولا بعد وهذا يتقضي عدم الحوادث أو قدم الحوادث وكلاهما مخالف للمشاهدة
ولهذا كان حقيقة قولهم إن الحوادث تحدث بلا محدث لها وقولهم في حركة الفلك يشبه قول القدرية في حركة الحيوان فإن القدرية تقول إن الحيوان قادر مريد وإنه يفعل ما يفعل بدون سبب أوجب الفعل بل مع كون نسبة الأسباب الموجبة للحدوث إلى هذا الحادث وهذا الحادث سواء فإن عندهم كل ما يؤمن به المؤمن ويطيع به المطيع قد حصل لكل من أمر بالإيمان والطاعة لكن المؤمن المطيع رجح الإيمان والطاعة بدون سبب اختص به حصل به الرجحان والكافر بالعكس وهذا يقوله هؤلاء في حركة الفلك إنه يتحرك دائما بإرادته وقدرته من غير سبب أوجب كونه مريدا قادرا مع أن إرادته وقدرته وحركاته حادثة بعد أن لم تكن حادثة من غير شيء جعله مريدا متحركا فقد حصل الممكن بدون المرجح التام الذي أوجب رجحانه وحصل الحادث بدون السبب التام الذي أوجب حدوثه
ثم إنهم ينكرون على القدرية قولهم إن القادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح بل بإرادة يحدثها هو من غير أن يحدث له غيره تلك الإرادة ويقولون إنه أوجب الإرادة بلا إرادة
وهؤلاء يقولون ما هو أبلغ من ذلك في حركة الفلك وهو يناقض أصولهم الصحيحة فإذا كانوا يسلمون أن الإرادات الحادثة والحركات الحادثة لا تحدث إلا بسبب يوجب حدوثها وأنه عند كمال السبب يجب حدوثها وعند نقصه يمتنع حدوثها علموا أن ما قالوه في قدم العالم وسبب الحوادث باطل
فإنه ليس فوق الفلك عندهم سبب يوجب حدوث ما يحدث له من التصورات والإرادات إلا من جنس ما للمخلوق الفقير إلى واجب الوجود ومعلوم أن ما كان بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج فلا بد أن يكون فوق الفلك ما يوجب حدوث حركته
وما يذكره أرسطو وأتباعه أن الأول هو يحرك الفلك حركة المعشوق لعاشقه وأن الفلك يتحرك للتشبه به وأنه بذلك علة العلل وبه قوام الفلك إذ كان قوام الفلك بحركته وقوام حركته بإرادته وشوقه وقيام إرادته وشوقه بوجود المحبوب السابق المراد الذي تحرك للتشبه به فهذا الكلام مع ما فيه من الكلام الباطل الذي بين في غير هذا الموضع غايته إثبات العلة الغائية لحركة الفلك ليس فيه بيان العلة الفاعلية لحركته إلا أن يقولوا هو المحدث لتصوراته وحركاته من غير احتياج إلى واجب الوجود وإلى العلة الأولى في كونه فاعلا لذلك كما أن المحب العاشق لا يحتاج إلى المحبوب المعشوق من جهة كونه فاعلا للحركة إليه بل من جهة كونه هو المراد المطلوب بالحركة وهذا قول باستغناء الحركات المحدثة والمتحركات عن رب العالمين وأنه لا يفعل شيئا من هذه الحوادث ولا هو ربها
فإن قالوا مع ذلك بأنه لم يبدع الفلك بل هو قديم واجب الوجود بنفسه لم يكن رب شيء من العالم وإن قالوا هو الذي أبدعه كان تناقضا منهم كتناقض القدرية فإن إبداعه لذاته وصفاته يوجب أن لا يحدث منه شيء إلا بفعل الرب لذلك وإحداثه له كما لا يحدث من سائر الحيوانات حادث إلا بخلق الرب لذلك وإحداثه له فقولهم متردد بين التعطيل العام وبين التعطيل الخاص الذي يكونون فيه شرا من القدرية وردهم إنما كان على القدرية وهم خير منهم على كل تقدير
وقد ذكر ما ذكروه من كلام أرسطو في هذا المقام وبين ما فيه من الخطأ والضلال في غير هذا الموضع وأن القوم من أبعد الناس عن معرفة الله ومعرفة خلقه وأمره وصفاته وأفعاله وأن اليهود والنصارى خير منهم بكثير في هذا الباب وهذه الطريقة التي سلكها أرسطو والقدماء في إثبات العلة الأولى هي طريق الحركة الإرادية حركة الفلك وأثبتوا علة غائية كما ذكر
فلما رأى ابن سينا وأمثاله من المتأخرين ما فيها من الضلال عدلوا إلى طريقة الوجود والوجوب والإمكان وسرقوها من طريق المتكلمين المعتزلة وغيرهم فإن هؤلاء احتجوا بالمحدث على المحدث فاحتج أولئك بالممكن على الواجب وهي طريقة تدل على إثبات وجود واجب وأما إثبات تعيينه فيحتاجون فيه إلى دليل آخر وهم سلكوا طريقة التركيب وهي أيضا مسروقة من كلام المعتزلة وإلا فكلام أرسطو في الإلهيات في غاية القلة مع كثرة الخطأ فيه ولكن ابن سينا وأمثاله وسعوه وتكلموا في الإلهيات والنبوات وأسرار الآيات ومقامات العارفين بل وفي معاد الأرواح بكلام لا يوجد لأولئك وما فيه من الصواب فجروا فيه على منهاج الأنبياء وما فيه من خطأ بنوه على أصول سلفهم الفاسدة
ولهذا كان ابن رشد وأمثاله من المتفلسفة يقولون إن ما ذكره ابن سينا في الوحي والمنامات وأسباب العلم بالمستقبلات ونحو ذلك هو أمر ذكره من تلقاء نفسه ولم يقله قبله المشاءون سلفه
وأما أبو البركات صاحب المعتبر ونحوه فكانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك وسلوكهم طريقة النظر العقلي بلا تقليد واستنارتهم بأنوار النبوات أصلح قولا في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء فأثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه ردا جيدا وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله وبين ما بينه من خطاء سلفه ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث فعدل عن ذلك إلى أن أثبت للرب ما يقوم به الإرادات الموجبة للحوادث وقولهم مبسوط في غير هذا الموضع
فهؤلاء يقولون إنما حدثت الحوادث شيئا بعد شيء لما يقوم بذات الرب من الأسباب الموجبة لذلك فلا يثبتون أمورا متجددات مختلفة عن واحد بسيط لا صفة له ولا فعل كما قال أولئك بل وافقوا قول أساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو الذين يثبتون ما يقوم بذات الرب من الصفات والأفعال ويقولون إن الحادث المعين إنما حدث لما حصلت علته التامة التي لم تتم إلا عند حدوثه وتمام العلة كان بما يحدثه الرب تعالى وما يقوم به من إرادته وأفعاله أو غير ذلك مما يقولونه في هذا المقام
ولهذا يقولون إنه لا يمكن أن يكون الرب مدبرا لهذا العالم إلا على قولنا بحدوث الحوادث فيه من الإرادات والعلوم وغيرها ويقولون إن من نفى ذلك من أصحابنا وغيرهم فلم ينفه بدليل عقلي دل على ذلك بل لمجرد تنزيه وإجلال مجمل وإنه يجب التنزيه والإجلال من هذا التنزيه والإجلال
فإذا قيل لهؤلاء فعند حدوث الحادث الثاني لا بد من وجود العلة التامة ولا يكفي عدم الأول
قالوا بل حصل من كمال الإرادة الجازمة والقدرة التامة ما أوجب حدوث المقدور ولا نقول إن حال الفاعل قبل وبعد واحد لم يتجدد أمر يفعل به الثاني بل تتنوع أحوال الفاعل ونفسه هي الموجبة لتلك الأحوال القائمة به لكن وجود الحال الثاني مشروط بعدم ما يضاده ونفس الفاعل هي الموجبة للأمور الوجودية الموجبة للحال الثاني
فواجب الوجود لا يحتاج ما يحدث عنه أن يضاف إلى غيره كما في الممكنات بل نفسه الواجبة هي الموجبة لكل ما يحدث عنه وهو سبحانه الفاعل للملزوم ولوازمه والفاعل لأحد المتنافيين عند عدم الآخر وهو على كل شيء قدير
لكن اجتماع الضدين ليس بشيء باتفاق العقلاء بل هو قادر على تحريك الجسم بدلا عن تسكينه وعلى تسكينه بدلا عن تحريكه وعلى تسويده بدلا عن تبيضه وعلى تبيضه بدلا عن تسويده وهو يفعل أحد الضدين دون الآخر إذا حصلت إرادته التامة مع قدرته الكاملة ونفسه هي الموجبة لذلك كله وإن كان فعلها للأول شرطا في حصول الثاني فليست في تلك مفتقرة إلى غيرها بل كل ما سواها فقير إليها وهي غنية عن كل ما سواها
وهؤلاء تخلصوا مما ورد على من قبلهم ومن فساد تمثيلهم وكان هؤلاء إذا مثلوا قولهم بما يعقل من حركة الحيوان والشمس لا يرد عليهم من الفرق والنقض وغير ذلك ما يرد على من قبلهم
لكن هؤلاء يقال لهم من أين لكم قدم شيء من العالم وليس في العقل ما يدل على شيء من ذلك وأنتم فجميع ما تذكرونه أنتم وأمثالكم إنما يدل على دوام الفعل لا على دوام فعل معين ولا مفعول معين فمن أين لكم دوام الفلك أو مادة الفلك أو العقول أو النفوس أو غير ذلك مما يقول القائلون بالقدم إنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال مقارنا للرب تعالى قديما بقدمه أبديا بأبديته
فيخاطبون أولا مخاطبة المطالبة بالدليل وليس لهم على ذلك دليل صحيح أصلا بل إنما طمعوا في مناظرتهم من أهل الكلام والفلسفة الذين قالوا إن جنس الكلام والفعل صار ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير تجدد شيء وصار الفاعل قادرا على ذلك بعد أن لم يكن وأنه يحدث الحوادث لا في زمان وإنه لم يزل القديم معطلا عن الفعل والكلام لا يتكلم ولا يفعل من الأزل إلى أن تكلم وفعل ثم يقول كثير منهم إنه يتعطل عن الفعل والكلام فتفنى الجنة والنار أو تفنى حركتهما كما قاله الجهم بن صفوان في فناء الجنة والنار وكما قاله أبو الهذيل العلاف في فناء الحركات وجعلوا مدة فعل الرب وكلامه مدة في غاية القلة بالنسبة إلى الأزل والأبد فطمع هؤلاء في هؤلاء المبتدعين من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم في أصولهم وأقاموا الشناعة على أهل الملل بسبب هؤلاء المتكلمين والمبتدعين وظنوا أن لا قول إلا قول هؤلاء المبتدعين أو قول أولئك الفلاسفة الملحدين ورأوا أن العقل يفسد قول هؤلاء المبتدعين ورأوا السمع إلى هؤلاء المبتدعين أقرب وعن الملحدين أبعد فقالوا إن الأنبياء ضربوا الأمثال وخيلوا ولم يمكنهم الإخبار بالحقائق ودخلوا من باب الإلحاد وتحريف الكلم عن مواضعه بحسب ما أنكروه من السمعيات وإن كان أولئك الفلاسفة الذين نفوا صفات الرب وأفعاله القائمة به الذين قبل هؤلاء أعظم إلحادا وتحريفا للكلم عن مواضعه من هؤلاء الذين أثبتوا الصفات والأمور الأختيارية القائمة به وقالوا مع ذلك بقدم العالم
وكلتا الطائفتين خرجت عن صريح المعقول كما خرجت عن صحيح المنقول بحسب ما أخطأته في هذا الباب وكل من أقر بشيء من الحق كان ذلك أدعى له إلى قبول غيره وكان يلزمه من قبوله ما لم يلزم من لم يعرف ذلك الحق وكان القول بنفي الصفات والأفعال القائمة بالرب باختياره ينافى كونه فاعلا ومحدثا
ولهذا لما ذكر ابن سينا في إشاراته أقوال القائلين بالقدم والحدوث لم يذكر إلا قول من أثبت قدماء مع الله تعالى غير معلولة كالقول الذي يحكي عن ذيمقراطيس بالقدماء الخمسة واختاره ابن زكريا المتطبب وقول المجوس القائلين بأصلين قديمين وقول المتكلمين من المتعزلة ونحوهم وقول أصحابه فلم يذكر قول أئمة الملل ولا أئمة الفلاسفة الذين أثبتوا ما يقوم بالرب من الأمور الاختيارية وأنه لم يزل متكلما بمشيئته إذا شاء فعالا بمشيئته وذكر حجج هؤلاء وهؤلاء ثم أمر الناظر أن يختار أي القولين ترجح مع تمسكه بالتوحيد الذي هو عنده نفي الصفات فإن هذا جعله أصلا متفقا عليه بينه وبين خصومه
واعترض عليه الرازي بأن مسألة الصفات لا تتعلق بمسألة حدوث العالم وليس الأمر كما قاله الرازي بل نفى الصفات مما يقوي شبهة القائلين بالقدم ومع إثبات الصفات والأفعال القائمة به يتبين فساد أدلتهم إلى الغاية بل فساد قولهم مع أن نفي الصفات يدل على فساد قوله أكثر مما يدل على فساد قول منازعيه
ولكن ابن سينا نشأ بين المتكلمين النفاة للصفات وابن رشد نشأ بين الكلابية وأبو البركات نشأ ببغداد بين علماء السنة والحديث فكان كل من هؤلاء بعده عن الحق بحسب بعده عن معرفة آثار الرسل وقربه من الحق بحسب قربه من ذلك
وهؤلاء المتفلسفة رأوا ما قاله أولئك في مسألة حدوث العالم باطلا ورأوا أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بقي قولهم وجعلوا القول بدوام الفاعلية مجملا كما جعل أولئك قولهم إن مالا يسبق الحوادث فهو حادث مجملا فقول هؤلاء أوجب أن ظن كثير ممن سمع قول هؤلاء امتناع كون الرب تعالى لم يزل متكلما إذا شاء إذ لم يفرقوا بين النوع والعين وقول أولئك أوجب أن ظن كثير ممن سمع قولهم دوام الفلك أو شئ من العالم إذ لم يفرقوا بين النوع والعين أيضا ودوام الفاعلية مجمل يراد به دوام الفاعلية المعينة ودوام الفاعلية المطلقة ودوام الفاعلية العامة ومعلوم أن دوام الفاعلية العامة وهو دوام المفعولات كلها مما لا يقوله عاقل ودوام الفاعلية المعينة لمفعول معين مما ليس لهم عليه دليلا أصلا بل الأدلة العقلية تنفيه كما نفته الأدلة السمعية
وأما دوام الفاعلية المطلقة فهذه لا تثبت قولهم بل إنما تثبت خطأ أولئك النفاة الذين خاصموهم من أهل الكلام والفلسفة ولا يلزم من بطلان هذا القول صحة القول الآخر إلا إذا لم يكن إلا هذان القولان فأما إذا كان هناك قول ثالث لم يلزم صحة أحد القولين فكيف إذا كان ذلك الثالث هو موجب الأدلة العقلية والنقلية
والمقصود هنا أن كلتا الطائفتين التي قالت بقدم الأفلاك ملحدة سواء قالت بقيام الصفات والأفعال بالرب أو لم تقل ذلك فهؤلاء الفلاسفة مع كونهم متفاضلين في الخطأ والصواب في العلوم الإلاهية إنما ردهم المتوجه لهم على البدع التي أحدثها من أحدثها من أهل الكلام ونسبوها إلى الملة وأولئك المتفلسفة أبعد عن معرفة الملة من أهل الكلام فمنهم من ظن أن ذلك من الملة ومنهم من كان أخبر بالسمعيات من غيره فجعلوا يردون من كلام المتكلمين مالم يكن معهم فيه سمع وما كان معهم فيه سمع كانوا فيه على أحد قولين إما أن يقروه باطنا وظاهرا إن وافق معقولهم وإلا ألحقوه بأمثاله وقالوا إن الرسل تكلمت به على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة
وابن رشد ونحوه يسلكون هذه الطريقة ولهذا كان هؤلاء أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأمثاله وكانوا في العمليات أكثر محافظة لحدود الشرع من أولئك الذين يتركون واجبات الإسلام ويستحلون محرماته وإن كان في كل من هؤلاء من الإلحاد والتحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة بحسب ما وافقوا فيه ذلك
ولهذا كان ابن رشد في مسألة حدوث العالم ومعاد الأبدان مظهرا للوقف ومسوغا للقولين وإن كان باطنه إلى قول سلفه أميل وقد رد على أبي حامد في تهافت التهافت ردا أخطأ في كثير منه والصواب مع أبي حامد وبعضه جعله من كلام ابن سينا لا من كلام سلفه وجعل الخطأ فيه من ابن سينا وبعضه استطال فيه على أبي حامد ونسبه فيه إلى قلة الإنصاف لكونه بناه على أصول كلامية فاسدة مثل كون الرب لا يفعل شيئا بسبب ولا لحكمة وكون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وبعضه حار فيه جميعا لاشتباه المقام وقد تكلمت على ذلك وبينت تحقيق ما قاله أبو حامد في ذلك من الصواب الموافق لأصول الإسلام وخطأ ما خالفه من كلام ابن رشد وغيره من الفلاسفة وأن ما قالوه من الحق الموافق للكتاب والسنة لا يرد بل يقبل وما قصر فيه أبو حامد من إفساد أقوالهم الفاسدة فيمكن رده بطريق أخرى يعان بها أبو حامد على قصده الصحيح وإن كان هذا وأمثاله إنما استطالوا عليه بما وافقهم عليه من أصول فاسدة وبما يوجد في كتبه من الكلام الموافق لأصولهم وجعل هذا وأمثاله ينشدون فيه
يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن لقيت معديا فعدناني
ولهذا جعلوا كثيرا من كلامه برزخا بين المسلمين والفلاسفة المشائين فالمسلم يتفلسف به على طريقة المشائين تفلسف مسلم والفيلسوف يسلم به إسلام فيلسوف فلا يكون مسلما محضا ولا فيلسوفا محضا على طريقة المشائين
وأما نفي الفلسفة مطلقا أو إثباتها فلا يمكن إذ ليس للفلاسفة مذهب معين ينصرونه ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات والمعاد والنبوات والشرائع بل وفي الطبيعيات والرياضيات بل ولا في كثير من المنطق ولا يتفقون إلا على ما يتفق عليه جميع بني آدم من الحسيات المشاهدة والعقليات التي لا ينازع فيها أحد ومن حكى عن جميع الفلاسفة قولا واحدا في هذه الأجناس فإنه غير عالم بأصنافهم واختلاف مقالاتهم بل حسبه النظر في طريقة المشائين أصحاب أرسطو كثامسطيوس والإسكندر الأفروديسي وبرقلس من القدماء وكالفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وأبي البركات ونحوهم من المتأخرين وإن كان لكل من هؤلاء في الإلهيات والنبوات والمعاد قول لا ينقل عن سلفه المتقدمين إذ ليس لهم في هذا الباب علم تستفيده الأتباع وإنما عامة علم القوم في الطبيعيات فهناك يسرحون ويتبجحون وبه بنحوه عظم من عظم أرسطو واتبعوه لكثرة كلامه في الطبيعيات وصوابه في أكثر ذلك فأم الإلهيات فهو وأتباعه من أبعد الناس عن معرفتها
وجميع ما يوجد في كلام هؤلاء وغيرهم من العقليات الصحيحة ليس فيه ما يدل على خلاف ما أخبرت به الرسل وليس لهم أصلا دليل ظني فضلا عن قطعي على قدم الأفلاك بل ولا على قدم شيء منها وإنما عامة أدلتهم أمور مجملة تدل على الأنواع العامة لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم فما أخبرت به الرسل أن الله خلقه كإخبارها أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام لا يقدا أحد من الناس أن يقيم دليلا عقليا صحيحا على نفي ذلك
وأما الكلام الذي يستدل به المتكلمون في الرد على هؤلاء وغيرهم فمنه صواب ومنه خطأ ومنه ما يوافق الشرع والعقل ومنه ما يخالف ذلك وبكل حال فهم أحذق في النظر والمناظرة والعلوم الكلية الصادقة وأعلم بالمعقولات المتعلقة بالإلهيات وأكثر صوابا وأسد قولا من هؤلاء المتفلسفة والمتفلسفة في الطبيعيات والرياضيات أحذق ممن لم يعرفها كمعرفتهم مع ما فيها من الخطأ
والمقصود هنا أن يقال لأئمتهم وحذاقهم الذين ارتفعت عقولهم ومعارفهم في الإلهيات عن كلام أرسطو وأتباعه وكلام ابن سينا وأمثاله ما الموجب أولا لقولكم بقدم شيء من العالم وأنتم لا دليل لكم على قدم شيء من ذلك
وأصل الفلسفة عندكم مبني على الإنصاف واتباع العلم والفيلسوف هو محب الحكمة والفلسفة محبة الحكمة وأنتم إذا نظرتم في كلام كل من تكلم في هذا الباب وفي غير ذلك لم تجدوا في ذلك ما يدل على قدم شيء من العالم مع علمكم أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون بأن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم وذلك القول بحدوث هذا العالم هو قول أساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو بل هم يذكرون أن أرسطو أول من صرح بقدم الأفلاك وأن المتقدمين قبله من الأساطين كانوا يقولون إن هذا العالم محدث إما بصورته فقط وإما بمادته وصورته وأكثرهم يقولون بتقدم مادة هذا العالم على صورته
وهذا موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم فإن الله أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء سورة هود وأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض آئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين سورة فصلت 1وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه علي الماء
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض وفي رواية ثم خلق السموات والأرض والآثار متواترة عن الصحابة والتابعين بما يوافق القرآن والسنة من أن الله خلق السماوات من بخار الماء الذي سماه الله دخانا
وقد تكلم علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في أول هذه المخلوقات على قولين حكاهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أحدهما أنه هو العرش والثاني أنه هو القلم ورجحوا القول الأول لما دل عليه الكتاب والسنة أن الله تعالى لما قدر مقادير الخلائق بالقلم الذي أمره أن يكتب في اللوح كان عرشه على الماء فكان العرش مخلوقا قبل القلم وقالوا والآثار المروية أن أول ما خلق الله القلم معناها من هذا العالم وقد أخبر الله أنه خلقه في ستة أيام فكان حين خلقه زمن يقدر به خلقه ينفصل إلى أيام فعلم أن الزمان كان موجودا قبل أن يخلق الله الشمس والقمر ويخلق في هذا العالم الليل والنهار
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته عام حجة الوداع إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا ومنها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم
وهكذا في التوراة ما يوافق خبر الله في القرآن وأن الأرض كانت مغمورة بالماء والهواء يهب فوق الماء وأن في أول الأمر خلق الله السماوات والأرض وأنه خلق ذلك في أيام ولهذا قال من قال من علماء أهل الكتاب ما ذكره الله في التوراة يدل على أنه خلق هذا العالم من مادة أخرى وأنه خلق ذلك في زمان قبل أن يخلق الشمس والقمر
وليس فيما أخبر الله تعالى به في القرآن وغيره أنه خلق السماوات والأرض من غير مادة ولا أنه خلق الإنس أو الجن أو الملائكة من غير مادة بل يخبر الله أنه خلق ذلك من مادة وإن كانت المادة مخلوقة من مادة أخرى كما خلق الإنس من آدم وخلق آدم من طين وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم
والمقصود هنا أن المنقول عن أساطين الفلاسفة القدماء لا يخالف ما أخبرت به الأنبياء من خلق هذا العالم من مادة بل المنقول عنهم أن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن
وأما قولهم في تلك المادة هل هي قديمة الأعيان أو محدثة بعد أن لم تكن أو محدثة من مادة أخرى بعد مادة قد تضطرب النقول عنهم في هذا الباب والله أعلم بحقيقة ما يقوله كل من هؤلاء فإنها أمة عربت كتبهم ونقلت من لسان إلى لسان وفي مثل ذلك قد يدخل من الغلط والكذب ما لا يعلم حقيقته ولكن ما تواطأت به النقول عنهم يبقى مثل المتواتر وليس لنا غرض معين في معرفة قول كل واحد منهم بل تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون سورة البقرة 134 14لكن الذي لا ريب فيه أن هؤلاء أصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مشركين يعبدون المخلوقات ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني وأن اليهود والنصارى خير منهم في الإلهيات والنبوات والمعاد وإذا عرف أن نفس فلسفتهم توجب عليهم أن لا يقولوا بقدم شيء من العالم علم أنهم مخالفون لصريح المعقول كما أنهم مخالفون لصحيح المنقول وأنهم في تبديل القواعد الصحيحة المعقولة من جنس اليهود والنصارى في تبديل ما جاءت به الرسل وهذا هو المقصود في هذا الباب
ثم إنه إذا قدر أنه ليس عندهم من المعقول ما يعرفون به أحد الطرفين فيكفي في ذلك إخبار الرسل باتفاقهم عن خلق السماوات والأرض وحدوث هذا العالم والفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به وتبين أنهم علموا ذلك بطريق يعجزون عنها وأنهم أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وما يسعد النفوس ويشقيها منهم وتدلهم على أن من اتبع الرسل كان سعيدا في الآخرة ومن كذبهم كان شقيا في الآخرة وأنه لو علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات ما عسى أن يعلم وخرج عن دين الرسل كان شقيا وأن من أطاع الله ورسوله بحسب طاقته كان سعيدا في الآخرة وإن لم يعلم شيئا من ذلك
ولكن سلفهم أكثروا الكلام في ذلك لأنهم لم يكن عندهم من آثار الرسل ما يهتدون به إلى توحيد الله وعبادته وما ينفع في الآخرة وكان الشرك مستحوذا عليهم بسبب السحر والأحوال الشيطانية وكانوا ينفقون أعمارهم في رصد الكواكب ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وكذلك الأمور الطبيعية وكان منتهى عقلهم أمورا عقلية كلية كالعلم بالوجود المطلق وانقسامه إلى علة ومعلول وجوهر وعرض وتقسيم الجواهر ثم تقسيم الأعراض وهذا هو عندهم الحكمة العليا والفلسفة الأولى ومنتهى ذلك العلم بالوجود المطلق الذي لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان
ومن هنا دخل من سلك مسلكهم من المتصوفة المتفلسفة كابن عربي وابن سبعين والتلمساني وغيرهم فكان منتهى معرفتهم الوجود المطلق ثم ظن من ظن منهم أن ذلك هو الوجود الواجب وفي ذلك من الضلال ما قد بسط في غير هذا الموضع
وجعلوا غاية سعادة النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود وليس في ذلك إلا مجرد علوم مطلقة ليس فيها علم بموجود معين لا بالله ولا بالملائكة ولا بغير ذلك وليس فيها محبة لله ولا عبادة لله فليس فيها علم نافع ولا عمل صالح ولا ما ينجى النفوس من عذاب الله فضلا على أن يوجب لها السعادة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما جاء ذكره هنا بالعرض لننبه على أن من عدل عن طريق المرسلين فليس معه في خلافهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح وأن من قال بقدم العالم أو شيء منه فليس معه إلا مجرد الجهل والاعتقاد الذي لا دليل عليه وهذا الخطاب كاف في هذا الباب وتفصيله مذكور في غير هذا الموضع
وقد سلك هذا المسلك غير واحد من أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم فبينوا فساد ما سلكه القائلون بقدم العالم من العقليات وذكروا الحجج المنقولة عن أرسطو وغير واحدة واحدة وبينوا فسادها ثم قالوا نتلقى هذه المسألة من السمع فالرسل قد أخبرت بما لا يقوم دليل عقلي على نقيضه فوجب تصديقهم في هذا
ولم يمكن تأويل ذلك لوجوه
أحدها أنه قد علم بالاضطرار مرادهم فليس في تأويل ذلك إلا التكذيب المحض للرسل
والثاني أن هذا متفق عليه بين أهل الملل سلفهم وخلفهم باطنا وظاهرا فيمتنع مع هذا أن تكون الرسل كانت مضمرة لخلاف ذلك كما يقوله من يقوله من هؤلاء الباطنية
الثالث أنه ليس في العقل ما ينافي ذلك بل كل ما ينافيه من المعقولات فهو فاسد يعلم فساده بصريح العقل
الرابع أن في العقليات ما يصدق ذلك ثم كل منهم يسلك في ذلك ما تيسر له من العقليات
الخامس أنه معلوم بالفطرة والضرورة أنه لا بد من محدث للمحدثات وفاعل للمصنوعات وأن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع في فطر العقول وهذا مما يحتج به على هؤلاء كما قد بسط في موضعه فإنه إذا بين لهم فساد قول إخواتهم وتبين لهم أن الفاعل لا بد أن يقوم به من الأحوال مما يصير به فاعلا امتنع مع هذا أن يكون مفعوله المعين مقارنا له أزلا وأبدا فإن هذا إخراج له من أن يكون مفعولا له
السادس أن يقال لهؤلاء وهؤلاء جميعا أصل ما أنتم عليه الرجوع إلى الوجود والفلسفة معرفة الوجود على ما هو عليه والفلسفة الحقيقية هي العلوم الوجودية التي بها يعرف الوجود وأنتم لا تثبتون شيئا في الغالب إلا بقياس إما شمولي وإما تمثيلي فهل علمتم فاعلا يلزمه مفعوله أو يقارنه في زمانه لا يحدث شيئا فشيئا سواء كان فاعلا بالإرادة أو بالطبع
وهل علمتم فاعلا لم يزل موجبا لمفعوله ولم يزل مفعوله معلولا له فهذا شيء لا تعقلونه أنتم ولا غيركم فكيف تثبتون بالمعقول ما لا يعقل أصلا معينا فضلا عن أن يعقل مطلقا والمطلق فرع المعين فما لا يكون موجودا معينا لا يعقل لا معينا ولا مطلقا ولكن يقدر تقديرا في الذهن كما تقدر الممتنعات
يبين ذلك أن العلم بكون الشيء ممكنا في الخارج يكون العلم بوجوده أو بوجود ما ذلك الشيء أولى بالوجود منه كما يذكره الله في كتابه في تقرير إمكان المعاد كقوله لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس سورة غافر 57 وقوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه سورة الروم 27 وقوله ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والاثنى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى سورة القيامة 37 40 وقوله أو لم يروا أن الله خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شيء قدير سورة الأحقاف 33 وقوله وضرب لنا مثلا ونسي خلقه سورة يس 78 إلى قوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى سورة يس 81 وأمثال ذلك مما يدل على أن إعادة الخلق أولى بالإمكان من ابتدائه وخلق الصغير أولى بالإمكان من خلق العظيم فأما مالا يعلم أنه ممكن إذا عرض على العقل ولم يعلم امتناعه فإمكانه ذهني بمعنى عدم العلم بالامتناع ليس إمكانه خارجيا بمعنى العلم بالإمكان في الخارج
ولهذا ما تذكره طائفة من النظار كالآمدي وغيره أراد أن يقرر إمكان الشيء بأنه لو قدر وجوده لم يلزم منه محال مجرد دعوى وغايته أن يقول لا نعلم أنه يلزم منه محال وعدم العلم ليس علما بالعدم فهؤلاء إذا أرادوا أن يثبتوا إمكان كون المفعول لازما لفاعله لا بد أن يعلموا ثبوت ذلك في الخارج أو ثبوت ما ذاك أولى بالإمكان منة وكلاهما منتف فلا يعلم قط فاعل إلا فاعلا يحدث فعله أو مفعوله لا يقارنه مفعوله المعين ويلازمه بل هذا إلى نفي كونه فاعلا ووصفه بالعجز عن نفي اللازم له أقرب منه إلى كونه فاعلا قادرا فقد جعلوا الله مثل السوء وهذا باطل
والواجب في الأدلة الإلهية أن يسلك بها هذا المسلك فيعلم أن كل كمان كان لمخلوق فالخالق أحق به فإن كمال المخلوق من كمال خالقه وعلى اصطلاحهم كمال المعلول من كمال العلة ولأن الواجب أكمل من الممكن فهو أحق بكل كمال ممكن لا نقص فيه من كل ممكن ويعلم أن كل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه فإن النقص يناقض الكمال فإذا كان أحق بثبوت الكمال كان أحق بنفي النقص وهذه برهانية يقينية وهم يسلمونها
وهم يقولون أيضا إن الفعل صفة كمال ويردون على من يقول من أهل الكلام إنه ليس صفة كمال ولا نقص وقد قال تعالى أفمن يخلق كمن لا بخلق أفلا تذكرون سورة النحل 1وإذا كان كذلك فمن المعقول أن الفاعل الذي يفعل بقدرته ومشيئته أكمل ممن لا قدرة له ولا إرادة والفاعل القادر المختار الذي يفعل شيئا بعد شيء أكمل ممن يكون مفعوله لازما له يقدر على إحداث شيء ولا تغييره من حال إلى حال إن كان يعقل فاعلا يلزمه مفعوله المعين فإن الذي يقدر أن يفعل مفعولات متعددة ويقدر على تغييرها من حال إلى حال أكمل ممن ليس كذلك فلماذا يصفون واجب الوجود بالفعل الناقص إن كان ذلك ممكنا كيف وما ذكروه ممتنع لا يعقل فاعل على الوجه الذي قالوه
بل من قدر شيئا فاعلا للازمه الذي لا يفارقه بحال كان مخالفا لصريح المعقول عند الناس وقيل له هذا صفة له أو مشارك له ليس مفعولا له ولو قيل لعامة العقلاء السليمي الفطرة إن الله خلق السماوات والأرض ومع هذا فلم تزالا معه لقالوا هذا ينافي خلقه لهما فلا يعقل خلقه لهما إلا إذا خلقهما بعد أن لم تكونا موجودتين
وأما إذا قيل لم تزالا موجودتين كان القول مع ذلك بأنه خلقهما جميعا بين المتناقضين في فطر الناس وعقولهم التي لم تغير عن فطرتها
ولهذا كان مجرد إخبار الرسل بأن الله خلق السماوات والأرض ونحو ذلك كافيا في الإخبار بحدوثهما لم يحتاجوا مع ذلك أن يقولوا خلقهما بعد عدمهما ولكن أخبروا بزمان خلقهما كما في قوله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام سورة يونس 3
والإنسان لما كان يعلم أنه خلق بعد أن لم يكن ذكر بذلك ليستدل به على قدرة الخالق على تغيير العادة ولهذا ذكر تعالى ذلك في خلق يحيى بن زكريا عليه السلام وفي النشأة الثانية قال تعالى يا زكريا إنا نبشرك بغلام أسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أني يكون لي غلام وكانت أمرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا سورة مريم 7 9 وقال تعالى ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا سورة مريم 66 6فذكر الإنسان بما يعلمه من أنه خلقه ولم يك شيئا ليستدل بذلك على قدرته على مثل ذلك وعلى ما هو أهون منه
الوجه السابع إن هؤلاء الذين قالوا بقدم العالم عن علة قديمة قالوا مع ذلك بأنه في نفسه ممكن ليس له وجود من نفسه وإنما وجوده من مبدعه فوصفوا الموجود الذي لم يزل موجودا الواجب بغيره بأنه ممكن الوجود فخالفوا بذلك طريق سلفهم وما عليه عامة بني آدم من أن الممكن لا يكون إلا معدوما ولا يعقل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد إلا ما كان معدوما وهذا قول أرسطو وقدماء الفلاسفة ولكن ابن سينا وأتباعه خالفوا هؤلاء وقد تعقب ذلك عليهم ابن رشد وغيره وقالوا إنه لا يعقل الممكن إلا ما أمكن وجوده أمكن عدمه فجاز أن يكون موجودا وأن يكون معدوما أي مستمر العدم
ولهذا قالوا إن الممكن لا بد له من محل كما يقال يمكن أن تحمل المرأة وأن تنبت الأرض وأن يتعلم الصبي فمحل الإمكان هو الرحم والأرض والقلب فيمكن أن يحدث في هذه المحال ما هي قابلة له من الحرث والنسل والعلم
أما الشيء الذي لم يزل ولا يزال إما بنفسه وإما بغيره فكيف يقال يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد وإذا قيل هو باعتبار ذاته يقبل الأمرين قيل إن أردتم بذاته ما هو موجود في الخارج فذاك لا يقبل الأمرين فإن الوجود الواجب بغيره لا يقبل العدم إلا أن يريدوا أنه يقبل أن يعدم بعد وجوده وحينئذ فلا يكون واجبا بغيره دائما فمتى قبل العدم في المستقيل أو كان معدوما لم يكن أزليا أبديا قديما واجبا بغيره دائما كما يقول هؤلاء في العالم
فإن أريد بقبول الوجود والعدم في حال واحدة فهو ممتنع وإن أريد في الحالين أي يقبل الوجود تارة والعدم أخرى امتنع أن يكون أزليا أبديا لتعاقب الوجود والعدم عليه وإن أريد أن ذاته التي تقبل الوجود والعدم شيء غير الوجود في الخارج فذاك ليس بذاته
وإن قيل يريد به أن ما يتصوره في النفس يمكن أن يصير موجودا في الخارج ومعدوما كما يتصوره الإنسان في نفسه من الأمور
قيل هذا أيضا يبين أن الإمكان مستلزم للعدم لأن ما ذكرتموه إنما هو في شيء يتصوره الفاعل في نفسه يمكن أن يجعله موجودا في الخارج ويمكن أن يبقى معدوما وهذا إنما يعقل فيما يعدم تارة ويوجد أخرى وأما ما لم يزل موجودا واجبا بغيره فهذا لا يعقل فيه الإمكان أصلا وإذا قال قائل ذاته تقبل الوجود والعدم كان متكلما بما لا يعقل
وهذا الموضع قد تفطن له أذكياء النظار فمنهم من أنكره على ابن سينا وأتباعه كما أنكر ذلك ابن رشد ومنهم من جعل هذا سؤالات واردة على الممكن كما يفعله الرازي وأتباعه ولم يجيبوا عنه بجواب صحيح وسبب ذلك أنهم اتبعوا ابن سينا في تجويزه أن يكون الشيء ممكنا بنفسه واجبا بغيره دائما أزلا وأبدا بل هذا باطل كما عليه جماهير الأمم من أهل الملل والفلاسفة وغيرهم وعليه نظر المسلمين وعليه أئمة الفلاسفة أرسطو وأتباعه لا يكون الممكن عندهم إلا ما يكون معدوما تارة وموجودا أخرى فالإمكان والعدم متلازمان
وإذا كان ما سوى الرب تعالى ليس موجودا بنفسه بل كان ممكنا وجب أن يكون معدوما في بعض الأحوال ولا بد ليصح وصفه بالإمكان
وهذا برهان مستقل في أن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن وأنه سبحانه خالق كل شيء بعد أن لم يكن شيئا فسبحان من تفرد بالبقاء والقدم وألزم ما سواه بالحدوث عن العدم
يوضح ذلك أنه إما أن يقال وجود كل شيء في الخارج عين ماهيته كما هو قول نظار أهل السنة الذين يقولون إن المعدوم ليس بشيء في الخارج أصلا ويقولون إنه ليس في الخارج للموجودات ماهيات غير ما هو الموجود في الخارج فيخالفون من يقول المعدوم شيء من المعتزلة وغيرهم ومن قال إن وجود كل شيء الثابت في الخارج مغاير لماهيته ولحقيقته الثابتة في الخارج كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإما أن يقال وجود الشيء في الخارج زائد على ماهيته
فإن قيل بالأول لم يكن للعالم في الخارج ذات غير ما هو موجود في الخارج حتى يقال إنها تقبل الوجود والعدم
وإذا قيل بالثاني فإن قدر أنه لم يزل موجودا لم يكن للذات حال تقبل الوجود والعدم بل لم تزل متصفة بالوجود
فقول القائل إن الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم مع قوله بأنه لم يزل موجودا جمع بين قولين متناقضين
وإذا قيل هو ممكن باعتبار ذاته كان قوله أيضا متناقضا سواء عني بذاته الوجود في الخارج أو شيئا آخر يقبل الوجود في الخارج فإن تلك إذا لم تزل موجودة ووجودها واجب لم تكن قابلة للعدم أصلا ولم يكن عدمها ممكن أصلا
وقول القائل هي باعتبار ذاتها غير موجودة مع قوله إنها لم تزل موجودة معناه أن الذات لم تزل موجودة واجبة بغيرها يمتنع عدمها هي باعتبار الذات تقبل الوجود والعدم ويمكن فيها هذا وهذا وبسط هذا بتمام الكلام على الممكن كما قد بسطوه في موضعه
يبين ذلك أن الممكن هو الفقير الذي لا يوجد بنفسه وإنما يوجده غيره فلا بد أن يكون هنا شيء يوصف بالفقر والإمكان وقبول العدم ثم يوصف بالغنى والوجود فأما ما لم يزل موجودا غنيا فكيف يوصف بفقر وإمكان فإنه إن حكم بالفقر والإمكان وقبول العدم على الموجود الغنى كان ذلك ممتنعا فيه كما تقدم إذا كان لا يقبل العدم ألبتة وإن حكم بالفقر والإمكان وقبول العدم على ما في الذهن بمعنى أنه يفتقر وجوده في الخارج إلى فاعل فهذا يؤيد ما قلناه من أنه لا بد أن يكون معدوما ثم يوجد
وإن قيل بل فاعله يتصوره في نفسه مع دوام فعله له والممكن هو ما في النفس
قيل ما في النفس الواجب واجب به لا يقبل العدم وما في الخارج واجب به لا يقبل العدم فأين القابل للوجود والعدم
وإن قيل ما تصور في النفس يقبل الوجود والعدم في الخارج
قيل هذا ممتنع مع وجوب وجوده دائما في الخارج بل هذا معقول فيما يعدم تارة ويوجد أخرى فإذا كان كل ما سوى الله ممكنا فقيرا وجب أن يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى
وهذا الدليل مستقر في فطر الناس فكل من يتصور شيئا من الأشياء محتاجا إلى الله مفتقرا إليه ليس موجودا بنفسه بل وجوده بالله تصور أنه مخلوق كائن بعد أن لم يكن فأما إذا قيل هو فقير مصنوع محتاج وأنه دائما معه لم يحدث عن عدم لم يعقل هذا ولم يتصور إلا كما تتصور الممتنعات بأن يقدر في الذهن تقديرا لا يتصور تحققه في الخارج فإن تحققها في الخارج ممتنع
وعلى هذا فإذا قيل المحوج إلى المؤثر هو الإمكان أو هو الحدوث لم يكن بين القولين منافاة فإن كل ممكن حادث وكل حادث ممكن فهما متلازمان ولهذا جمع بين القولين من قال إن المحوج إلى المؤثر هو الإمكان والحدوث جميعا فالأقوال الثلاثة صحيحة في نفس الأمر وإنما وقع النزاع لما ظن من ظن أنه يكون الشيء ممكنا مع كونه غير حادث
وهذا الذي قرر في امتناع كون العالم قديما وامتناع كون فاعله علة قديمة أزلية صحيح سواء قيل إنه مريد بإرادة أزلية مستلزمة لاقتران مرادها بها أو قيل ليس بمريد وسواء قيل إنه علة للفلك مع حركته أو للفلك بدون حركته
وهكذا القول في كل ما يقدر قديما معه فإنه لا بد أن يكون مقارنا لشيء من الحوادث أو ممكنا أن يقارنه شيء من الحوادث وعلى التقديرين يمتنع أن يكون قديما مع الله تعالى لأن القديم لا يكون إلا عن موجب تام مستلزم لموجبه وثبوت هذا في الأزل يقتضي أنه لا يحدث عنه شيء والحوادث لا تحدث إلا عنه فلا يكون موجب أزلي إلا إذا حدث عنه شيء ولكن فاعل العالم يمتنع أن لا يحدث عنه شيء فيمتنع أن يكون موجبا بالذات في الأزل
وإذا قيل هو مريد بإرادة أزلية مقارنة لمرادها الذي هو العالم أو يتأخر عنها مرادها الذي هو حوادثه كان القول كذلك فإنه إذا لم يكن له إلا إرادة أزلية مقارنة لمرادها امتنع أن تحدث عنه الحوادث لكنه يمتنع أن لا تحدث عنه الحوادث فيمتنع أن لا يكون له إلا إرادة أزلية مقارنة لمرادها مع أن الإرادة لمفعولات لازمة للفاعل غير معقول بل إنما يعقل في حق الفاعل بإراداته أن يفعل شيئا بعد شيء ولهذا لم يقل أحد إن الرب يتكلم بمشيئته وقدرته وإن الكلام المقدور المعين قديم لازم لذاته فإذا لم يعقل هذا في المقدور القائم به فكيف يعقل في المباين له
وإذا قيل له إرادة أزلية مقارنة للمراد وإرادة أخرى حادثة مع الحوادث
قيل فحدوث هذه الإرادة الحادثة إن كان بتلك الإرادة الأزلية التي يجب مقارنة مرادها لها كان ذلك ممتنعا لأن الثانية حادثة فيمتنع أن تكون مقارنة للقديمة التي قارنها مرادها وإن كان بدون تلك الإرادة لزم حدوث الحوادث بدون إرادته وهذا يقتضي جواز حدوث الحوادث بدون إرادته فلا يكون فاعلا مختارا فإن الإرادة الحادثة إن كانت فعله فقد حدثت بغير إرادة وإن لم تكن فعله كان قد حدث حادث بلا فعله وهذا ممتنع وهو مما أنكره جماهير الناس على المعتزلة البصريين في قولهم بحدوث إرادة الله بدون إرادة أخرى وبقيام إرادته لا في محل
وإن قيل بل لم تزل تقوم به الإرادات للحوادث كما يقول ذلك من يقوله من أهل الحديث والفلاسفة الذي يقولون لم يزل يتكلم إذا شاء ولم يزل فعالا لما يشاء
قيل فعلى هذا التقدير ليس هنا إرادة قديمة لمفعول قديم
وإن قيل يجتمع فيه هذا وهذا
قيل فهذا ممتنع من جهة امتناع كون المفعول المعين للفاعل لا سيما المختار ملازما له ومن جهة كون المفعول بالإرادة لا بد وأن تتقدمه الإرادة وأن تثبت إلى أن يوجد بل هذا في كل مفعول ومن جهة أن ما قامت به الإرادات المتعاقبة كانت مراداته أيضا متعاقبة وكذلك أفعاله القائمة بنفسه وكانت تلك الإرادات من لوازم نفسه لم يجز أن تكون مرادة لإرادة قديمة لأنها إن كانت ملزومة لمرادها لزم كون الحادث المعين في الأزل وإن كان مرادها متأخرا عنها كانت تلك الإرادة كافية في حصول المرادات المتأخرة فلم يكن هناك ما يقتضي وجودها فلا توجد إذ الحادث لا يوجد إلا لوجود مقتضيه التام
فإن قدر أن الفاعل يريد شيئا بعد شيء ويفعل شيئا بعد شيء لزم أن يكون هذا من لوازم نفسه فتكون نفسه مقتضية لحدوث أفعاله شيئا بعد شيء فتكون مفعولاته شيئا بعد شيء بطريق الأولى والأحرى
وإذا كان كذلك كانت نفسه مقتضية لحدوث كل من هذه الأفعال والمفعولات وإذا كانت نفسه مقتضية لذلك امتنع مع ذلك أن يكون مقتضية لقدم فعل ومفعول مع إرادتهما المستلزمة لهما فإن ذاته تكون مقتضية لأمرين متناقضين لأن اقتضاءهما حدوث أفراد الفعل والمفعول وقدم النوع مناقض لاقتضائها قدم عين الفعل والمفعول وإن قدر أن هذا المفعول غير تلك المفعولات فإنه ملزوم لها لا يوجد بدونها ولا توجد إلا به فهما متلازمان وإذا تلازمت المفعولات فتلازم أفعالها وإرادتها أولى فيكون كل من القدماء الثلاثة الإرادة المعينة وفعلها ومفعولها ملزوما لحوادث لا نهاية لها لازما
وحينئذ فالذات في فعلها للمفعول المعين علة تامة أزلية موجبة له وهي في سائر الحوادث ليست علة أزلية تحدث فاعليتها وتمام إيجابها شيئا بعد شيء
والذات موصوفة بغاية الكمال الممكن فإن كان كمالها في أن يكون ما فيها بالقوة هو بالفعل من غير إمكان ذلك ولا كون دوام الإحداث هو أكمل من أن لا يحدث عنها شيء كما قد يقوله هؤلاء الفلاسفة فيجب أن لا يحدث عنها شيء أصلا ولا يكون في الوجود حادث وإن كان كمالها في أن تحدث شيئا بعد شيء لأن ذلك أكمل من أن لا يمكنها إحداث شيء بعد شيء ولأن الفعل صفة كمال والفعل لا يعقل إلا على هذا الوجه ولأن حدوث الحوادث دائما أكمل من أن لا يحدث شيء ولأن هذا الذي بالقوة هو جنس الفعل وهذا بالفعل دائما
وأما كون كل من المفعولات أو شيء من المفعولات أزليا فهذا ليس بالقوة فيمتنع أن يكون بالفعل فليس في مقارنة مفعولها المعين لها كمال سواء كان ممتنعا أو كان نقصا ينافي الكمال الواجب لها لا سيما ومعلوم أن إحداث نوع المفعولات شيئا بعد شيء أكمل من أن يكون منها ما هو مقارن الفاعل أزليا معه
فعلى التقديرين يجب نفيه عنها فلا يكون لها مفعول مقارن لها فلا يكون في العالم شيء قديم وهو المطلوب وهذا برهان مستقل متلقى من قاعدة الكمال الواجب له وتنزهه عن النقص
ومما يوضح ذلك أن يقال من المعلوم بالضرورة أن إحداث مفعول بعد مفعول لا إلى نهاية أكمل من أن لا يفعل إلا مفعولا واحدا لازما لذاته إن قدر ذلك ممكنا وإذا كان ذلك أكمل فهو ممكن لأن التقدير أن الذات يمكنها أن تفعل شيئا بعد شيء بل يجب ذلك لها وإذا كان هذا ممكنا بل هو واجب لها وجب اتصافها به دون نقيضه الذي هو أنقض منه وليس في هذا تعطيل عن الفعل بل هو اتصاف بالفعل على أكمل الوجوه
وبيان هذا أن الفعل المعين والمفعول المعين المقارن له أزلا وأبدا إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممتنعا امتنع قدم شيء من العالم وهو المطلوب وإن كان ممكنا فإما أن يكون هو الأكمل أو لا يكون فإن كان هو الأكمل وجب أن لا يحدث شيء وإحداثه حينئذ عدول عن الأكمل وهو محال وإن لم يكن هو الأكمل فالأكمل نقيضه وهو إحداث شيء بعد شيء فلا يكون شيء من الأفعال قديما
وهذا لا يرد عليه إلا سؤالا معلوم الفساد وهو أن يقال ما كان يمكن إلا هذا فلا يمكن في الفلك أن يتأخر وجوده ولا في الحوادث أن يكون منها شيء قديم
قيل إن أردتم امتناع هذا لذاته فهو مكابرة فإنه لو قدر قبل الفلك فلك وقبله فلك لم يكن امتناع هذا بأعظم من امتناع دوام الفلك بل إذا كان الواحد من النوع دوامه فدوام النوع أولي
ولهذا لا يعقل أن يكون واحد من البشر قديما أزليا مع امتناع قدم نوعه واحدا بعد واحد وإن قدرتم إنه ممتنع لأمر يرجع إلى غيره لوجود مضاد له أو لانتفاء حكمة الفاعل ونحو ذلك فكل أمر ينافي قدم نوع المفعول فهو أشد منافاة لقدم عينه فإن جاز قدم عينه فقدم النوع من حدوث الأفراد أجوز وإن امتنع هذا الثاني فالأول أشد امتناعا وكل شيء أوجب حدوث أفراد بعض المفعولات الممكن قدمها فهو أيضا موجب لحدوث نظيره
وهب أنهم يقولون الحركة لذاتها لا تقبل البقاء لكن الحوادث جواهر كثيرة شيئا بعد شيء فالعناصر الأربعة إن أمكن أن تكون قديمة الأعيان أمكن إبقاؤها قديمة الصورة فلا يجوز استحالتها من حال إلى حال وهو خلاف المشاهدة وإن لم يمكن قدم أعيانها حصل المطلوب
وإن قيل هذا ممكن دون هذا كان مكابرة
وإن قيل الموجب لاستحالتها حركة الأفلاك
قيل من المعلوم بالاضطرار إمكان تحرك الأفلاك دون استحالة العناصر كما أمكن تحرك الفلك الأعلى دون استحالة الثاني وتقدير استحالة الفلك الثاني والثالث وبقائهما كتقدير استحالة العناصر وبقائها لا يمكن أن يقال هذا ممكن لذاته دون الآخر فعلم إن ذلك يرجع إلى أمر خارج يتعلق بالمفعولات المتعلقة بمشيئة الفاعل وحكمته
وهذا لا ريب فيه فإننا لا ننازع أن فعل الشيء يوجب فعل لوازمه وينافى وجود أضداده وأن الحكمة المطلوبة من فعل شيء قد يكون لها شروط وموانع فالخالق الذي اقتضت حكمته إحداث أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن اقتضت أن تنقل موادها من حال إلى حال ولكن المقصود أنه ليس لأحد الجسمين حقيقة اقتضت اختصاصه بالقدم بحسب ذاته دون الأخرى لا سيما ولا حقيقة لوجود شيء سوى الموجود الثابت في الخارج فلا اقتضاء لحقيقته قبل وجود حقيقته ولكن الباري تعالى يعلم ما يريد أن يفعله فعلمه وإرادته هو الذي يوجب الاختصاص
فقد تبين أنه إذا كان مقارنة المفعول المعين للفاعل أزلا وأبدا ممتنعا أو نقصا امتنع قدم شيء من العالم فكيف إذا كان كل منهما ثابتا هو ممتنع ومع تقدير إمكانه فهو نقص فإن قدم نوعه أكمل من قدم عينه وهو أولى بالإمكان منه فإذا كان أولى بالإمكان وهو أكمل امتنع أن يكون نقيضه هو الممكن وإذا امتنع ذلك قدم شيء من العالم
وعلى هذا فكل ما يذكرونه من دوام فاعلية الرب هو حجة عليهم فإن فاعلية النوع أكمل من فاعلية الشخص وهو الذي يشهد به الشخص قطعا وحسا فإنا نشهد بفاعلية نوع شيئا بعد شي فإن كان دوام الفاعلية ممكنا فهذا ممكن لوجوده ولسنا نعلم دوام الفاعلية لشيء معين فلا يلزم من علمنا بدوام الفاعلية دوام شيء معين أصلا ودوام النوع يقتضى حدوث أفراده فكل ما سوى الله حادث بعد أن لم يكن وهو المطلوب فتبين أن القول بمقارنة مراده له في الأزل ممتنع يمنع صدور الحوادث عنه
وهذا لا يحتاج فيه إلى أن يقال الإرادة الحادثة لا يقارنها مرادها بل يمكن أن يقال مع ذلك إن الإرادة الحادثة يقارنها مرادها كما يقولون إن القدرة الحادثة يقارنها مقدورها وإن كان من الناس من ينازع في ذلك
والمقصود هنا أنه إذا قيل بأن الإرادة يجب أن يقارنها مرادها وكان ذلك دليلا على حدوث كل ما سوى الله وإن قيل يجوز أن يقارنها مرادها ويجوز أن لا يقارنها أو قيل يمتنع مقارنة مرادها لها فعلى التقديرات الثلاثة يجب حدوث كل ما سوى الله
أما على تقدير وجوب مقارنة المراد للإرادة فلأنه إن كانت الإرادة أزلية لزم أن يكون جميع المرادات أزلية فلا يحدث شيء وهو خلاف الحس والعيان وهذا مثل قولنا لو كان موجبا بذاته أزليا أو علة تامة لمعلوله لزم أن يكون جميع موجبه ومعلوله مقارنا له أزليا فيمتنع حدوث شيء عنه
وإن كان هناك إرادة حادثة فإن الكلام فيها كالكلام في غيرها من الحوادث إن حدثت عن تلك الإرادة الأزلية التي يجب مقارنة مرادها لها كان ممتنعا وإن حدثت بلا إرادة ولا سبب حادث كان ذلك ممتنعا
فتبين أنه على القول بوجوب مقارنة المراد للإرادة يمتنع قدم شيء من العالم سواء قيل بقدم الإرادة أو حدوثها أو قدم شيء منها وحدوث شيء آخر
وإن قيل بأن المراد يجوز مقارنته للإرادة ويجوز تأخره عنها فإنه على هذا التقدير يجوز حدوث جميع العالم بإرادة قديمة إزلية من غير تجدد شيء كما تقول ذلك الكلابية ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية والفقهاء المنسوبين إلى الأئمة الأربعة وغيرهم وعلى هذا التقدير فإنه يجوز حدوث الحوادث بلا سبب حادث وترجيح أحد المتماثلين على الآخر بمجرد الإرادة القديمة وعلى هذا التقدير فإنه يبطل حجة القائلين بقدم العالم
وهؤلاء إنما قالوا هذا لاعتقادهم بطلان التسلسل في الآثار وامتناع حوادث لا أول لها فإن كان ما قالوه حقا وأنه يمتنع حوادث لا أول لها لزم حينئذ حدوث العالم وامتنع القول بقدمه لأنه لا يخلو شيء منه عن مقارنة شيء من الحوادث حتى العقول والنفوس عند من يقول بإثباتها فإنها عندهم لا بد أن تقارن الحوادث فإذا امتنع حوادث لا أول لها كان ما لم يسبق الحوادث بمنزلتها يمتنع قدمه كما يمتنع قدمها
وإن كان ما قاله هؤلاء باطلا أمكن دوام الحوادث وعلى هذا التقدير فيجوز مقارنة المراد للإرادة في الأزل ويمتنع حدوث شيء إلا بسبب حادث وحينئذ فيمتنع كون شيء من العالم أزليا وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائما لم يزل فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت آخر فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه
وإنما قيل يمتنع قدم شيء بعينه لأنه إذا جاز أن يقارنها المراد في الأزل وجب أن يقارنها المراد لأن الإرادة التي يجوز مقارنة مرادها لها لا يتخلف عنها مرادها إلا لنقص في القدرة وإلا فإذا كانت القدرة تامة والإرادة التي يمكن مقارنة مرادها لها حاصلة لزم حصول المراد لوجود المقتضى التام للفعل إذ لو لم يلزم مع كون المراد ممكنا لكان حصوله بعد ذلك يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بدون مرجح وهو باطل على هذا التقدير
ولهذا كان الذين يقولون بامتناع شيء من الحوادث في الأزل يقولون إن حصول شيء من الإرادات في الأزل ممتنع لا يقولون بأنه ممكن وأنه يمكن مقارنة مراده له
لكن أورد الناس عليهم أنه إذا كان نسبة جميع الأوقات والحوادث إلى الإرادة الأزلية نسبة واحدة فترجيح أحد الوقتين أو ما يقدر فيه الوقت بالحدوث ترجيح بلا مرجح وتخصيص لأحد المتماثلين بلا مخصص
وهذا الكلام لا يقدح في مقصودنا هنا فإنا لم ننصر هذا القول ولكن بينا امتناع قدم شيء من العالم على كل تقدير وأن دوام الحوادث سواء كان ممكنا أو ممتنعا فإنه يجب حدوث كل شيء من العالم على التقديرين وأن الإرادة سواء قيل بوجوب مقارنة مرادها لها أو بجواز تأخره عنها يلزم حدوث كل شيء من العالم على كل من التقديرين
فإن القائلين بتأخر مرادها إنما قالوا ذلك فرارا من القول بدوام الحوادث ووجود حوادث لا أول لها وعلى هذا التقدير فيلزم حدوث العالم وإلا فلو جاز دوام الحوادث لجاز عندهم وجود المراد في الأزل ولو جاز ذلك لم يقولوا بتأخر المراد عن الإرادة القديمة الأزلية مع ما في ذلك من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وما في ذلك من الشناعة عليهم ونسبة كثير من العقلاء إلى أنهم خالفوا صريح المعقول
فإنهم إنما صاروا إلى هذا القول لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها فاحتاجوا لذلك أن يثبتوا إرادة قديمة أزلية يتأخر عنها المراد ويحدث بعد ذلك من غير سبب حادث واحتاجوا أن يقولوا إن نفس الإرادة تخصص أحد المتماثلين على الآخر
وإلا فلو اعتقدوا جواز دوام الحوادث وتسلسلها لأمكن أن يقولوا بأنه تحدث الإرادات والمرادات ويقولون بجواز قيام الحوادث بالقديم ولرجعوا عن قولهم بأن نفس الإرادة القديمة تخصص أحد المثلين في المستقبل وعن قولهم بحدوث الحوادث بلا سبب حادث وكانوا على هذا التقدير لا يقولون بقدم شيء من العالم بل يقولون إن كل ما سوى الله فإنه حادث كائن بعد أن لم يكن
وكان هذا لازما على هذا التقدير لأنه حينئذ إذا لم يجز حدوث شيء من الحوادث إلا بسبب حادث ولم يترجح أحد الوقتين بحدوث شيء فيه إلا بمرجح يقتضى ذلك لا يكون تأخر المراد عن الإرادة إلا لتعذر المراد إذ لو كان المراد ممكنا أن يقارن الإرادة وممكنا أن يتأخر عنها لكان تخصيص أحد الزمانين بالإحداث تخصيصا بلا مخصص
فعلم أنه يجب أحد الأمرين على هذا التقدير وجوب مقارنة المراد للإرادة أو أمتناعه وأنه يجب مقارنته للإرادة إذا كان ممكنا وأنه لا يتأخر إلا لتعذر مقارنته إما لامتناعه في نفسه وإما لامتناع لوازمه وامتناع اللازم يقتضي امتناع الملزوم لكن يكون امتناعه لغيره لا لنفسه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء الله وجب كونه بمشيئته لا بنفسه وما لم يشأ يمتنع كونه لا بنفسه بل لأنه لا يكون إلا بمشيئته فإذا لم يشأ امتنع كونه
وإذا كان على هذا التقدير أحد الأمرين لازما إما مقارنة المراد للإرادة وإما امتناعه لنفسه أو لغيره دل ذلك على أنه لو كان شيء من العالم يمكن أن يكون قديما لوجب أن يكون قديما لوجوب مقارنته له في الأزل إذ التقدير أنه لا بد من وجوب المقارنة أو امتناع المراد فإن كان المراد ممكنا في الأزل لزم وجوب المقارنة لكن وجوب المقارنة ممتنع لأن ذلك يستلزم أن لا يحدث شيء من الحوادث كما تقدم فلزم القسم الآخر وهو امتناع شيء من المراد المعين في الأزل وهو المطلوب
فأما إذا قيل بأنه يجب تأخر المراد عن الإرادة كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام فبتقدير كونه مريدا يمتنع قدم شيء من العالم وهو المطلوب
فتبين حدوث كل ما سوى الله على كل تقدير وهو المطلوب واعلم أن من فهم هذه الطريق استفاد بها أمورا أحدها ثبوت حدوث كل ما سوى الله حتى إذا قدر أن هناك موجودا سوى الأجسام كما يقول من يثبت العقول والنفوس من المتفلسفة والمتكلمة إنها جواهر قائمة بأنفسها وليست أجساما فإن هذه الطريق يعلم بها حدوث ذلك
وطائفة من متأخري أهل الكلام كالشهرستاني والرازي والأمدي وغيرهم قالوا إن قدماء أهل الكلام لم يقيموا دليلا على نفي هذه ودليلهم على حدوث الأجسام لا يتناول هذه
وقد بين في غير هذا الموضع أن هؤلاء النظار كأبي الهذيل والنظام والهشامين وابن كلاب وابن كرام والأشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأبي بكر بن العربي وأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغير هؤلاء يثبتون امتناع وجود موجود ممكن قائم بنفسه لا يشار إليه فبينوا بطلان ثبوت تلك المجردات في الخارج لكن منهم من أبطل ثبوت ما لا يشار إليه مطلقا ومنهم من أبطل ذلك في الممكنات
ومما يستفاد بهذه الطريق التي قررناها الخلاص عن إثبات الحدوث بلا سبب حادث والخلاص عن نفي ما يقوم بذات الله من صفاته وأفعاله
ومما يستفاد بذلك أنها برهان باهر على بطلان قول القائلين بقدم العالم أو شيء منه وهو متضمن الجواب عن عمدتهم
ومما يستفاد بذلك الاستدلال على المطلوب من غير احتياج إلى الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار وذلك أن كثيرا من أهل النظر غلطوا في الفرق بين هذا وهذا من المعتزلة والشيعة وصار كثير من الناس كالرازي وأمثاله مضطربين في هذا المقام فتارة يوافقون المعتزلة على الفرق وتارة يخالفونهم وإذا خالفوهم فهم مترددون بين أهل السنة وبين الفلاسفة أتباع أرسطو
وأصل ذلك أنا نعلم أن القادر المختار يفعل بمشيئته وقدرته لكن هل يجب وجود المفعول عند وجود الإرادة الجازمة والقدرة التامة أم لا فمذهب الجمهور من أهل السنة المثبتين للقدر وغيرهم من نفاة القدر أنه يجب وجود المفعول عند وجود المقتضي التام وهو الإرادة الجازمة والقدرة التامة
وطائفة أخرى من مثبتة القدر الجهمية وموافقيهم ومن نفاة القدر المعتزلة وغيرهم لا توجب ذلك بل يقولون القادر هو الذي يفعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب ويجعلون هذا هو الفرق بينه وبين الموجب بالذات وهؤلاء يقولون إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح كالجائع مع الرغيفين والهارب مع الطريقين
ثم القدرية من هؤلاء يقولون العبد قادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح كما يقولون مثل ذلك في الرب ولهذا كان من قول هؤلاء القدرية إن الله لم ينعم على أهل الطاعة بنعم خصهم بها حتى أطاعوه بها بل تمكينه للمطيع وغيره سواء لكن هذا رجح الطاعة بلا مرجح بل بمجرد قدرته من غير سبب أوجب ذلك وهذا رجح المعصية بمجرد قدرته من غير سبب أوجب ذلك
وأما الجبرية كجهم وأصحابه فعندهم أنه ليس للعبد قدرة ألبتة والأشعري يوافقهم في المعنى فيقول ليس للعبد قدرة مؤثرة ويثبت شيئا يسميه قدرة يجعل وجوده كعدمه وكذلك الكسب الذي يثبته
وهؤلاء لا يمكنهم أن يحتجوا على بطلان قول القدرية بأن رجحان فاعلية العبد على تاركيته لا بد لها من مرجح كما يفعل ذلك الرازي وطائفة من الجبرية ولهذا لم يذكر الأشعري وقدماء أصحابه هذه الحجة
وطائفة من الناس كالرازي وأتباعه إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر أبطلوا هذا الأصل وبينوا أن الفعل يجب وجوده عند وجود المرجح التام وأنه يمتنع فعله بدون المرجح التام ونصروا أن القادر المختار لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا بالمرجح التام وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم وإثبات الفاعل المختار وإبطال قولهم بالموجب بالذات سلكوا مسلك المعتزلة والجهمية في القول بأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وعامة الذين سلكوا مسلك أبي عبدالله بن الخطيب وأمثاله تجدهم يتناقضون هذا التناقض وفصل الخطاب أن يقال أي شيء يراد بلفظ الموجب بالذات إن عنى به أنه يوجب بذات مجردة عن المشيئة والقدرة فهذه الذات لا حقيقة لها ولا ثبوت في الخارج فضلا عن أن تكون موجبة
========
منهاج السنة النبوية/6
والفلاسفة يتناقضون فإنهم يثبتون للأول غاية ويثبتون العلل الغائية في إبداعه وهذا يستلزم الإرادة
وإذا فسروا الغاية بمجرد العلم وجعلوا العلم مجرد الذات كان هذا في غاية الفساد والتناقض فإنا نعلم بالضرورة أن الإرادة ليست مجرد العلم وأن العلم ليس هو مجرد العالم لكن هذا من تناقض هؤلاء الفلاسفة في هذا الباب فإنهم يجعلون المعاني المتعددة معنى واحدا فيجعلون العلم هو القدرة وهو الإرادة ويجعلون الصفة هي نفس الموصوف كما يجعلون العلم هو نفس العالم والقادر هو القدرة والإرادة هي المريد والعشق هو العاشق
وهذا قد صرح به فضلاؤهم وحتى المنتصرون لهم مثل ابن رشد الحفيد الذي رد على أبي حامد الغزالي في تهافت التهافت وأمثاله
وأيضا فلو قدر وجود ذات مجردة عن المشيئة والاختيار فيمتنع أن يكون العالم صادرا عن موجب بالذات بهذا التفسير لأن الموجب بالذات بهذا الاعتبار يستلزم موجبه ومقتضاه فلو كان مبدع العالم موجبا بالذات بهذا التفسير لزم أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف المشاهدة فقولهم بالموجب بالذات يستلزم نفي صفاته ونفي أفعاله ونفي حدوث شيء من العالم وهذا كله معلوم البطلان
وأبطل من ذلك أنهم جعلوه واحدا بسيطا وقالوا إنه لا يصدر عنه إلا واحد ثم احتالوا في صدور الكثرة عنه بحيل تدل على عظيم حيرتهم وجهلهم بهذا الباب كقولهم إن الصادر الأول هو العقل الأول وهو موجود واجب بغيره ممكن بنفسه ففيه ثلاث جهات فصدر عنه باعتبار وجوبه عقل آخر وباعتبار وجوده نفس وباعتبار إمكانه فلك وربما قالوا وباعتبار وجوده صورة الفلك وباعتبار إمكانه مادته وهم متنازعون في النفس الفلكية هل هي جوهر مفارق له أم عرض قائم به
ولهذا أطنب الناس في بيان فساد كلامهم وذلك أن هذا الواحد الذي فرضوه لا يتصور وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية وهم لو علموا ثبوتها في بعض الصور لم يلزم أن تكون كلية إلا بقياس التمثيل فكيف وهم لا يعلمون واحدا صدر عنه شيء
وما يمثلون به من صدور التسخين عن النار والتبريد عن الماء باطل فإن تلك الآثار لا تصدر إلا عن شيئين فاعل وقابل والأول تعالى كل ما سواه صادر عنه ليس هناك قابل موجود
وإن قالوا الماهيات الثابتة في الخارج الغنية عن الفاعل هي القابل كان هذا باطلا من وجوه
منها أن هذا بناء على أصلهم الفاسد وهو إثبات ماهيات موجودة في الخارج مغايرة للأعيان الموجودة وهذا باطل قطعا وما يذكرونه من أن المثلث يتصور قبل أن يعلم وجوده لا يدل على ثبوت المثلث في الخارج بل يدل على ثبوته في الذهن ولا ريب في حصول الفرق بين ما في الأذهان وما في الأعيان ومن هنا كثر غلطهم فإنهم تصوروا أمورا في الأذهان فظنوا ثبوتها في الأعيان كالعقول والماهيات الكلية والهيولي ونحو ذلك
ومنها أن الماهيات هي بحسب ما يوجد فكل ما وجد له عندهم ماهية كما يقوله من يقول إن المعدوم شيء من المعتزلة والشيعة فلا يجوز قصر الموجودات على أمور لتوهم أنه لا ماهية تقبل الوجود غيرها ومنها أن يقال الماهيات الممكنة في نفسها لا نهاية لها
ومنها أن يقال الواحد المشهود الذي تصدر عنه الآثار له قوابل موجودة والباري تعالى هو المبدع لوجود كل ما سواه فلا يعلم أمر صادر عن ممكن إلا عن شيئين فصاعدا مع أنه قد يكون هناك مانع يمنع التأثير وليس في الموجودات ما يصدر عنه وحده شيء إلا الله تعالى
فقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية إن أدرجوا فيها ما سوى الله فذاك لا يصدر عنه وحده شيء وإن لم يريدوا بها إلا الله وحده فهذا محل النزاع وموضع الدليل فكيف يكون المدلول عليه هو الدليل وذلك الواحد لا يعلمون حقيقته ولا كيفية الصدور عنه
وأيضا فالواحد الذي يثبتونه هو وجود مجرد عن الصفات الثبوتية عن بعضهم كابن سينا وأتباعه أو عن الثبوتيه والسلبية عند بعضهم وهذا لا حقيقة له في الخارج بل يمتنع تحققه في الخارج وإنما هو أمر يقدر في الأذهان كما تقدر الممتنعات ولهذا كان ما ذكره ابن سينا في هذا الباب مما نازعه فيه ابن رشد وغيره من الفلاسفة وقالوا إن هذا ليس هو قول أئمة الفلاسفة وإنما ابن سينا وأمثاله أحدثوه ولهذا لم يعتمد عليه أبو البركات صاحب المعتبرة وهو من أقرب هؤلاء إلى اتباع الحجة الصحيحة بحسب نظره والعدول عن تقليد سلفهم مع أن أصل آمرهم وحكمتهم أن العقليات لا تقليد فيها
وأيضا فإذا لم يصدر عنه إلا واحد كما يقولونه في العقل الأول فذلك الصادر الأول إن كان واحدا من كل وجه لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد وهلم جرا وإن كان فيه كثرة ما بوجه من الوجوه والكثرة وجودية كان قد صدر عن الأول أكثر من واحد وإن كانت عدمية لم يصدر عنها وجود فلا يصدر عن الصادر الأول واحد
وأما احتجاجهم على ذلك بقولهم لو صدر عنه شيئان لكان مصدر هذا غير مصدر ذلك ولزم التركيب
فيقال أولا ليس الصدور عن الباري كصدور الحرارة عن النار بل هو فاعل بالمشيئته والاختيار ولو قدر تعدد المصدر فهو تعدد أمور إضافية وتعدد الإضافات والسلوب ثابتة له بالاتفاق ولو فرض أنه تعدد صفات فهذا يستلزم القول بثبوت الصفات وهذا حق
وقولهم إن هذا تركيب والتركيب ممتنع قد بينا فساده بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع وبينا أن لفظ التركيب والافتقار والجزء والغير ألفاظ مشتركة مجملة وأنها لا تلزم بالمعنى الذي دل الدليل على نفيه وإنما تلزم بالمعنى الذي لا ينفيه الدليل بل يثبته الدليل
والمقصود هنا أن الموجب بالذات إذا فسر بهذا فهو باطل وأما إذا فسر الموجب بالذات بأنه الذي يوجب مفعوله بمشيئته وقدرته لم يكن هذا المعنى منافيا لكونه فاعلا بالاختيار بل يكون فاعلا بالاختيار موجبا بذاته التي هي فاعل قادر مختار وهو موجب بمشيئته وقدرته
وإذا تبين أن الموجب بالذات يحتمل معنيين أحدهما لا ينافى كونه فاعلا بمشيئته وقدرته والآخر ينافي كونه فاعلا بمشيئته وقدرته فمن قال القادر لا يفعل إلا على وجه الجواز كما يقوله من يقوله من القدرية والجهمي يجعل الفعل بالاختيار منافيا للإيجاب لا يجامعه بوجه من الوجوه ويقولون إن القادر المختار لا يكون قادرا مختارا إلا إذا فعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب والجمهور من أهل السنة وغيرهم يقولون القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لكنه إذا شاء أن يفعل مع قدرته لزم وجود فعله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإنه قادر على ما يشاء ومع القدرة التامة والمشيئة الجازمة يجب وجود الفعل
ولهذا صارت الأقوال ثلاثة
فالفلاسفة يقولون بالموجب بالذات المجردة عن الصفات أو الموصوف بالصفات الذي يجب أن يقارنه موجبه المعين أزلا وأبدا
والقدرية من المعتزلة وغيرهم من الجهمية ومن وافقهم من غيرهم يقولون بالفاعل المختار الذي يفعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب
ثم منهم من يقول يفعل لا بإرادة بل المريد عندهم هو الفاعل العالم ومنهم من يقول بحدوث الإرادة وما يحدثه من إرادة أو فعل فهو يحدثه بمجرد القدرة فإن القادر عندهم يرجح بلا مرجح ثم القدرية من هؤلاء يقولون يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد وقد يشاء ما لا يكون ويكون مالا يشاء بخلاف المجبرة والجمهور من أهل السنة وغيرهم المثبتين للقدر والصفات يقولون إنه فاعل بالاختيار وإذا شاء شيئا كان وإرادته وقدرته من لوازم ذاته سواء قالوا بإرادة واحدة قديمة أو بإرادات متعاقبة أو بإرادات قديمة تستوجب حدوث إرادات أخر فعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة يجب عندهم وجود مراده
وإذا فسر الإيجاب بالذات بهذا المعنى كان النزاع لفظيا فالدليل الذي ذكرناه يمكن تصوره بلفظ الموجب بالذات ولفظ العلة والمعلول ولفظ المؤثر والأثر ولفظ الفاعل المختار وهو بجميع هذه العبارات يبين امتناع قدم شئ من العالم ووجوب حدوث كل ما سوى الله
وهنا أمر آخر وهو أن الناس تنازعوا في الفاعل المختار هل يجب أن تكون إرادته قبل الفعل ويمتنع مقارنتها له أم يجب مقارنة إرادته التي هي القصد للفعل وما يتقدم الفعل يكون عزما لا قصدا أم يجوز كل من الأمرين على ثلاثة أقوال
ونحن قد بينا وجوب حدوث كل ما سوى الله على كل قول من الأقوال الثلاثة قول من يوجب المقارنة وقول من يقول بأن المقارنة ممتنعة وقول من يجوز الأمرين وكذلك تنازعوا في القدرة هل يجب مقارنتها للمقدور ويمتنع تقديمها أم يجب تقدمها على المقدور ويمتنع مقارنتها أم تتصف بالتقدم والمقارنة على ثلاثة أقوال أيضا
وفصل الخطاب أن الإرادة الجازمة مع القدرة التامة مستلزمة للفعل ومقارنة له فلا يكون الفعل بمجرد قدرة متقدمة غير مقارنة ولا بمجرد إرادة متقدمة غير مقارنة بل لا بد عند وجود الأثر من وجود المؤثر التام ولا يكون الفعل بفاعل معدوم حين الفعل ولا بقدرة معدومة حين الفعل ولا بإرادة معدومة حين الفعل وقبل الفعل لا تجتمع الإرادة الجازمة والقدرة التامة فإن ذلك مستلزم للفعل فلا يوجد إلا مع الفعل لكن قد يوجد قبل الفعل قدرة بلا إرادة وإرادة بلا قدرة كما قد يوجد عزم على أن يفعل فإذا حضر وقت الفعل قوي العزم فصار قصدا فتكون الإرادة حين الفعل أكمل مما كانت قبله وكذلك القدرة حين الفعل أكمل مما كانت قبله
وبهذا كان العبد قادرا قبل الفعل القدرة المشروطة في الأمر التي بها يفارق العاجز كما قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن 16 وقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا سورة آل عمران 97 وقوله فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا سورة المجادلة 4 فإن هذه الاستطاعة لو لم تكن إلا مقارنة للفعل لم يجب الحج على من لم يحج ولا وجب على من لم يتق الله أن يتقي الله ولكان كل من لم يصم الشهرين المتتابعين غير مستطيع للصيام وهذا كله خلاف هذه النصوص وخلاف إجماع المسلمين
فمن نفى هذه القدرة من المثبتين للقدر وزعم أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فقد بالغ في مناقضة القدرية الذين يقولون لا تكون الاستطاعة إلا قبل الفعل
فإن هؤلاء أخطأوا حيث زعموا ذلك وقالوا إن كل ما يقدر به العبد على الإيمان والطاعة فقد سوى الله فيه بين المؤمن والكافر بل سوى بينهما في كل ما يمكن أن يعطيه للعبد مما به يؤمن ويطيع
وهذا القول فاسد قطعا فإنه لو كانا متساويين في جميع أسباب الفعل لكان اختصاص أحدهما بالفعل دون الآخر ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر من غير مرجح وهذا هو أصل هؤلاء القدرية الذين يقولون إن الفاعل القادر يرجح أحد طرفي مقدورية على الآخر بلا مرجح وهذا باطل وإن وافقهم عليه بعض المثبتين للقدر
وإما المثبتون للقدر المخالفون لهم في هذا الأصل فمنهم طائفة إذا تكلموا في مسائل القدر وخلق أفعال العباد قالوا إن القادر لا يرجح احد مقدورية على الآخر إلا بمرجح لكن إذا تكلموا في مسائل فعل الله وحدوث العالم والفرق بين الموجب والمختار ومناظرة الدهرية تجد كثيرا منهم يناظرهم مناظرة من قال من القدرية والجهمية المجبرة بأن الفاعل المختار يرجح أحد مقدورية بلا مرجح
وبهذا ظهر اضطرابهم في هذه الأصول الكبار التي يدورون فيها بين أصول القدرية والجهمية المجبرة المعطلة لحقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد ولصفة الله في خلقه وأمره وبين أصول الفلاسفة الدهريه المشركين
وإن كانوا من الصابئين فهم من الصابئين المشركين لا من الصابئين الحنفاء الذين أثنى عليهم القرآن فإن أولئك يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويتخذون فيها الأصنام وهذا دين المشركين وهو دين أهل مقدونية وغيرها من مدائن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين
والإسكندر الذي وزر له أرسطو هو الإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى وكان قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة عام ليس هو ذا القرنين المذكور في القرآن فإن هذا كان متقدما عليه وهو من الحنفاء وذاك هو ووزيره أرسطو كفار يقولون بالسحر والشرك
ولهذا كانت الإسماعيلية أخذت ما يقوله هؤلاء في العقل والنفس وما تقوله المجوس من النور والظلمة فركبوا من ذلك ومن التشيع وعبروا عن ذلك بالسابق والتالي كما قد بسط في موضعه
وأصل المشركين والمعطلة باطل وكذلك أصل المجوس والقدرية تخرج بعض الحوادث عن خلق الله وقدرته ويجعلون له شريكا في الملك
وهؤلاء الدهرية شر منهم في ذلك فإن قولهم يستلزم إخراج جميع الحوادث عن خلق الله وقدرته وإثبات شركاء كثيرين له في الملك بل يستلزم تعطيل الصانع بالكلية ولهذا كان معلمهم الأول أرسطو وأتباعه إنما يثبتون الأول الذي يسمونه العلة الأولى بالاستدلال بحركة الفلك فإنهم قالوا هي اختيارية شوقية فلا بد أن يكون لها محرك منفصل عنها وزعموا أن المتحرك بالإرادة لا بد له من محرك منفصل عنه وإن كان هذا قولا لا دليل عليه بل هو باطل
قالوا والمحرك لها يحركها كما يحرك الإمام المقتدي به للمأموم المقتدي وقد يشبهونها بحركة المعشوق للعاشق فإن المحبوب المراد يتحرك إليه المحب المريد من غير حركة من المحبوب قالوا وذلك العشق هو عشق التشبه بالأول
وهكذا وافقه متأخروهم كالفارابي وابن سينا وأمثالهما وهؤلاء كلهم يقولون إن سبب الحوادث في العالم إنما هو حركات الأفلاك وحركات الأفلاك حادثة عن تصورات حادثة وإرادات حادثة شيئا بعد شيء وإن كانت تابعة لتصور كلي وإرادة كلية كالرجل الذي يريد القصد إلى بلد معين مثل مكة مثلا فهذه إرادة كلية تتبع تصورا كليا ثم إنه لا بد أن يتجدد له تصورات لما يقطعه من المسافات وإرادات لقطع تلك المسافات فهكذا حركة الفلك عندهم لكن مراده الكلي هو التشبه بالأول ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبه بالأول بحسب الإمكان
فإذا كان الأمر كذلك عندهم فمعلوم أن العلة الغائية المنفصلة عن المعلول لا تكون هي العلة الفاعلة وإذا كان الفلك ممكنا متحركا بإرادته واختياره فلا بد من مبدع له أبدعه كله بذاته وصفاته وأفعاله كالإنسان ولا بد لهذه التصورات والإرادات والحركات الحادثة أن تنتهي إلى واجب بنفسه قديم تكون صادرة عنه سواء قيل إنها صادرة بوسط أو بغير وسط
وهؤلاء لم يثبوا شيئا من ذلك بل لم يثبتوا إلا علة غائية للحركة
فكان حقيقة قولهم أن جميع الحوادث من العالم العلوي والسفلى ليس لها فاعل يحدثها أصلا بل ولا لما يستلزم هذه الحوادث والعناصر وكل من أجزاء العالم مستلزم للحوادث
ومن المعلوم في بدائه العقول أن الممكن المفتقر إلى غيره ممتنع وجوده بدون واجب الوجود وأن الحوادث يمتنع وجودها بدون محدث ومتأخروهم كابن سينا وأمثاله يسلمون أن العالم كله ممكن بنفسه ليس بواجب بنفسه ومن نازع في ذلك من غلاتهم فقوله معلوم الفساد بوجوه كثيرة فإن الفقر والحاجة لازمان لكل جزء من أجزاء العالم لا يقوم منه شيء إلا بشيء منفصل عنه
وواجب الوجود مستغن عنه بنفسه لا يفتقر إلى غيره بوجه من الوجوه وليس في العالم شيء يكون هو وحده محدثا لشيء من الحوادث وكل من الأفلاك له حركة تخصه ليست حركته عن حركة الأعلى حتى يقال أن الأعلى هو المحدث لجميع الحركات ولا في الوجود شيء حادث عن سبب بعينه لا عن حركة الشمس ولا القمر ولا الأفلاك ولا العقل الفعال ولا شيء مما يظن بل أي جزء من العالم اعتبرته وجدته لا يستقل بإحداث شيء ووجدته إذا كان له أثر في شيء كالسخونة التي تكون للشمس مثلا فله مشاركون في ذلك الشيء بعينه كالفاكهة التي للشمس مثلا أثر في إنضاجها ثم إيباسها وتغيير ألوانها ونحو ذلك لا يكون إلا بمشاركة من الماء والهواء والتربة وغير ذلك من الأسباب ثم كل من هذه الأسباب لا يتميز أثره عن أثر الآخر بل هما متلازمان
فإذا قالوا العقل الفعال للفعل خلع عليه صورة عند استعداده وبالامتزاج قبل الصورة مثلا كالطين الذي يحدث فيه عن امتزاج الماء والتراب أثر ملازم لهذا الامتزاج لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر فإذا كان المؤثر فيهما اثنين لزم أن يكونا متلازمين لامتناع وجود أثر أحدهما دون الآخر ويمتنع اثنان متلازمان كل منهما واجب الوجود لأن واجب الوجود لا يكون وجوده مشروطا بوجود غيره ولا تأثيره مشروطا بتأثير غيره إذ لو كان كذلك لكان مفتقرا إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه غنيا عما سواه فكل ما افتقر إلى غيره في نفسه أو شيء من صفاته أو أفعاله لا يكون مستغنيا بنفسه بل يكون مفتقرا إلى غيره ومن كان فقيرا إلى غيره ولو بوجه لم يكن غناه ثابتا له بنفسه
وقد علم بالاضطرار أنه لا بد من وجود غنى بنفسه عما سواه من كل وجه فإن الموجود إما ممكن وإما واجب والممكن لا بد له من واجب فثبت وجود الواجب على التقديرين
وكذلك يقال للوجود إما محدث وإما قديم والمحدث لا بد له من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين
وكذلك يقال إما فقير وإما غني والفقير لا بد له من غنى فثبت وجود الغنى على التقديرين
وكذلك يقال الموجود إما قيوم وإما غير قيوم وغير القيوم لا بد له من قيوم فثبت وجود القيوم على التقديرين
وكذلك يقال إما مخلوق وإما غير مخلوق والمخلوق لا بد له من خالق غير المخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين
ثم ذلك الموجود الواجب بنفسه القديم الغني بنفسه القيوم الخالق الذي ليس بمخلوق يمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره بجهة من الجهات فإنه إن افتقر إلى مفعوله ومفعوله مفتقر إليه لزم الدور في المؤثرات وإن افتقر إلى غيره وذلك الغير مفتقر إلى غيره لزم التسلسل في المؤثرات وكل من هذين معلوم البطلان بصريح العقل واتفاق العقلاء
فإن امتنع أن يكون فاعلا لنفسه فهو يمتنع أن يكون فاعلا لفاعل بنفسه بطريق الأولى وسواء عبر بلفظ الفاعل أو الصانع أو الخالق أو العلة أو المبدأ أو المؤثر فالدليل يصح بجميع هذه العبارات
وكذلك يمتنع تقدير مفعولات ليس فيها فاعل غير مفعول وهو تقدير آثار ليس فيها مؤثر وتقدير ممكنات ليس فيها واجب بنفسه فإن كل واحد من ذلك ممكن فقير ومجموعها مفتقر إلى كل من آحادها فهو أيضا فقير ممكن وكلما زادت السلسلة زاد الفقر والاحتياج وهو في الحقيقة تقدير معدومات لا تتناهى فإن كثرتها لا تخرجها عن كونها معدومات فيمتنع أن يكون فيها موجود وهذا كله مبسوط في موضعه
والمقصود هنا أنه لا بد من وجود الموجود الغني القديم الواجب بنفسه الغني عما سواه من كل وجه بحيث لا يكون مفتقرا إلى غيره بوجه من الوجوه وكل ما في العالم فهو مفتقر إلى غيره والفقر ظاهر في كل جزء من العالم لمن تدبره لا يحدث شيئا بنفسه ألبتة بل لا يستغنى بنفسه ألبتة فيمتنع أن يكون واجب الوجود
فلا بد أن يكون الواجب القيوم الغني مباينا للعالم ويجب أن يثبت له كل كمال ممكن الوجود لا نقص فيه فإنه إن لم يتصف به لكان الكمال إما ممتنعا عليه وهو محال لأن التقدير أنه ممكن الوجود ولأن الممكنات متصفة بكمالات عظيمة والخالق أحق بالكمال من المخلوق والقديم أحق به من الحادث والواجب أحق به من الممكن لأنه أكمل وجودا منه والأكمل أحق بالكمال من غير الأكمل ولأن كمال المخلوق من الخالق فخالق الكمال أحق بالكمال وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة وإذا لم يكن الكمال ممتنعا عليه فلا بد أن يكون واجبا له إذ لو كان ممكنا غير واجب ولا ممتنع لافتقر في ثبوته له إلى غيره وما كان كذلك لم يكن واجب الوجود بنفسه فما أمكن له من الكمال فهو واجب له
ويمتنع أن يكون مفعوله مقارنا له أزليا معه لوجوه
أحدها أن مفعوله مستلزم للحوادث لا ينفك عنها وما يستلزم الحوادث يمتنع أن يكون معلولا لعلة تامة أزلية فإن معلول العلة التامة الأزلية لا يتأخر منه شيء ولو تأخر منه شيء لكانت علة بالقوة لا بالفعل ولافتقرت في كونها فاعلة له إلى شيء منفصل عنها وذلك ممتنع فوجب أن يكون مفعولا له لا يكون عنه إلا شيئا بعد شيء فكل ما هو مفعول له فهو حادث بعد أن لم يكن ولأن كونه مقارنا له في الأزل يمنع كونه مفعولا له فإن كون الشيء مفعولا مقارنا ممتنع عقلا ولا يعقل في الموجودات شيء معين هو علة تامة لمعلول مباين له أصلا بل كل ما يقال إنه علة إما أن يكون تأثيره متوقفا على غيره فلا تكون تامة وإما أن لا يكون مباينا له على رأي من يقول العلم علة للعالمية عند من يثبت الأحوال وإلا فجمهور الناس يقولون العلم هو العالمية
وأما إذا قيل الذات موجبة للصفات أو علة لها فليس لها في الحقيقة فعل ولا تأثير أصلا
وإما إذا قدر شيء مؤثر في غيره وقدر أنهما متقارنان متساويان لم يسبق أحدهما الآخر سبقا زمانيا فهذا لا يعقل أصلا
وأيضا فكونه متقدما على غيره من كل وجه صفة كمال إذ المتقدم على غيره من كل وجه أكمل ممن يتقدم من وجه دون وجه
وإذا قيل الفعل أو تقدير الفعل لا يجوز أن يكون له ابتداء أو غير ذلك كالحركة أو الزمان
قيل إن كان هذا باطلا فقد اندفع وإن كان صحيحا فالمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود
وحينئذ فإذا كان النوع دائما فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال فإن الفعل إذا كان صفة كمال فداوحه دوام الكمال وإن لم يكن صفة كمال لم يجب دوامه فعلى التقديرين لا يكون شيء من العالم قديما معه والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع
وإنما كان المقصود هنا التنبيه على مآخذ المسلمين في مسألة التعليل فالمجوزون للتعليل يقولون الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن وأما كون الرب لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل فهذا ليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته بل كلاهما يدل على نقيضه
وإذا عرف الفرق بين نوع الحوادث وبين أعيانها وعلم الفرق بين قول المسلمين وأهل الملل وأساطين الفلاسفة الذين يقولون بحدوث كل واحد واحد من العالم العلوي والسفلي وبين قول أرسطو وأتباعه الذين يقولون بقدم الأفلاك والعناصر تبين ما في هذا الباب من الخطأ والصواب وهو من أجل المعارف وأعلى العلوم فهذا جواب من يقول بالتعليل لمن احتج عليه بالتسلسل في الآثار
وأما حجة الاستكمال فقالوا الممتنع أن يكون الرب تعالى مفتقرا إلى غيره أو أن يكون ناقصا في الأزل عن كمال يمكن وجوده في الأزل كالحياة والعلم وإذا كان هو القادر الفاعل لكل شيء لم يكن محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه بل العلل المفعولة هي مقدورة ومرادة له والله تعالى يلهم عباده الدعاء ويجيبهم ويلهمهم التوبة ويفرح بتوبتهم إذا تابوا ويلهمهم العمل ويثيبهم إذا عملوا ولا يقال إن المخلوق أثر في الخالق أو جعله فاعلا للإجابة والإثابه والفرح بتوبتهم فإنه سبحانه هو الخالق لذلك كله له الملك وله الحمد شريك له في شيء من ذلك ولا يفتقر فيه إلى غيره والحوادث التي لا يمكن وجودها إلا متعاقبة لا يكون عدمها في الأزل نقصا
قالوا وأما قولهم هذا يستلزم قيام الحوادث به
فيقال أولا هذا قول من هم من أكبر شيوخ المعتزلة والشيعة كهشام بن الحكم وأبي الحسين البصري ومن تبعهما وهو لازم لسائرهم والشيعة المتأخرون أتباع المعتزلة البصريين في هذا الباب هم والمعتزلة البصريون يقولون إنه صار مدركا بعد أن لم يكن لأن الإدراك عندهم كالسمع والبصر إنما يتعلق بالموجود وهم يقولون صار مريدا بعد أن لم يكن وأما البغداديون فإنهم وإن أنكروا الإدراك والإرادة فهم يقولون صار فاعلا بعد أن لم يكن قالوا وهذا قول بتجدد أحكام له وأحوال
ولهذا قيل إن هذه المسألة تلزم سائر الطوائف حتى الفلاسفة وقد قال بها من أساطينهم الأولين وفضلائهم المتأخرين غير واحد ويقال إن الأساطين الذين كانوا قبل أرسطو أو كثير منهم كانوا يقولون بها وقال بها أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو قول طوائف من أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم كأبي معاذ التومني والهشامين
وأما جمهور أهل السنة والحديث فإنهم يقولون بها أو بمعناها وإن كان منهم من لا يختار إلا أن يطلق الألفاظ الشرعية ومنهم من يعبر عن المعنى الشرعي بالعبارات الدالة عليه مثل حرب الكرماني ونقله عن الأئمة ومثل عثمان بن سعيد الدارمي ونقله عن أهل السنة ومثل البخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة الملقب إمام الأئمة ومثل أبي عبدالله بن حامد وأبي اسماعيل الأنصارى الملقب بشيخ الإسلام ومن لا يحصي عدده إلا الله
والمعتزلة كانوا ينكرون أن يقوم بذات الله صفة أو فعل وعبروا عن ذلك بأنه لا تقوم به الأعراض والحوادث فوافقهم أبو محمد عبدالله ابن سعيد بن كلاب على نفى ما يتعلق بمشيئته وقدرته وخالفهم في نفي الصفات ولم يسمها أعراضا ووافقه على ذلك الحارث المحاسبي ويقال إنه رجع عن ذلك وبسبب مذهب ابن كلاب هجرة الإمام أحمد بن حنبل وقيل إنه تاب منه
وصار النزاع في هذا الأصل بين طوائف الفقهاء فما من طائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلا وفيهم من يقول بقول ابن كلاب في هذا الأصل كأبي الحسن والتميمي والقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وابن عقيل وابن الزاغوني وفيهم من يقول بقول جمهور أهل الحديث كالخلال وصاحبه أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن حامد وأبي عبد الله بن منده وأبي اسماعيل الأنصاري وأبي نصر السجزى وأبي بكر محمد بن اسحق بن خزيمة وأتباعه
وجماع القول في ذلك أن الباري تعالى هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته كالأفعال الاختيارية على هذين القولين
قال المثبتون لذلك وللتعليل نحن نقول لمن أنكر ذلك من المعتزلة والشيعة ونحوهم أنتم تقولون إن الرب كان معطلا في الأزل لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم أحدث الكلام والفعل بلا سبب حادث أصلا فلزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح وبهذا استطالت عليكم الفلاسفة وخالفتهم أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة في ذلك وظننتم أنكم أقمتم الدليل على حدوث العالم بهذا حيث ظننتم أن ما لا يخلو عن نوع الحوادث يكون حادثا لامتناع حوادث لا نهاية لها
وهذا الأصل ليس معكم به كتاب ولا سنة ولا أثر عن الصحابة والتابعين بل الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والقرابة وأتباعهم بخلاف ذلك والنص والعقل دل على أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن ولكن لا يلزم من حدوث كل فرد فرد مع كون الحوادث متعاقبة حدوث النوع فلا يلزم من ذلك أنه لم يزل الفاعل المتكلم معطلا عن الفعل والكلام ثم حدث ذلك بلا سبب كما لم يلزم مثل ذلك في المستقبل فإن كل فرد فرد من المستقبلات المنقضية فإن وليس النوع فانيا كما قال تعالى أكلها دائم وظلها سورة الرعد 35 وقال إن هذا لرزقنا ما له من نفاد سورة ص 54 فالدائم الذي لا ينفد أي لا ينقضي هو النوع وإلا فكل فرد من أفراده نافد منقض ليس بدائم
وذلك أن الحكم الذي توصف به الأفراد إذا كان لمعنى موجود في الجملة وصفت به الجملة مثل وصف كل فرد بوجود أو إمكان أو بعدم فإنه يستلزم وصف الجملة بالوجود والإمكان والعدم لأن طبيعة الجميع هي طبيعة كل واحد واحد وليس المجموع إلا الآحاد الممكنة أو الموجودة أو المعدومة وأما إذا كان ما وصف به الأفراد لا يكون صفة للجملة لم يلزم أن يكون حكم الجملة حكم الأفراد كما في أجزاء البيت والإنسان والشجرة فإنه ليس كل منها بيتا ولا إنسانا ولا شجرة وأجزاء الطويل والعريض والدائم والممتد لا يلزم أن يكون كل منها طويلا وعريضا ودائما وممتدا
وكذلك إذا وصف كل واحد واحد من المتعاقبات بفناء أو حدوث لم يلزم أن يكون النوع منقطعا أو حادثا بعد أن لم يكن لأن حدوثه معناه أنه وجد بعد أن لم يكن كما أن فناءه معناه أنه عدم بعد وجوده وكونه عدم بعد وجوده أو وجد بعد عدمه أمر يرجع إلى وجوده وعدمه لا إلى نفس الطبيعة الثابتة للمجموع كما في الأفراد الموجودة أو المعدومة أو الممكنة فليس إذا كان هذا المعين لا يدوم يلزم أن يكون نوعه لا يدوم لأن الدوام تعاقب الأفراد وهذا أمر يختص به المجموع لا يوصف به الواحد وإذا حصل للمجموع بالاجتماع حكم يخالف به حكم الأفراد لم يجب مساواة المجموع للأفراد في أحكامه
وبالجملة فما يوصف به الأفراد قد توصف به الجملة وقد لا توصف به فلا يلزم من حدوث الفرد حدوث النوع إلا إذا ثبت أن هذه الجملة موصوفة بصفة هذه الأفراد
وضابط ذلك أنه إن كان بإنضمام هذا الفرد إلى هذا الفرد يتغير ذلك الحكم الذي لذلك الفرد لم يكن حكم المجموع حكم الأفراد وإن لم يتغير ذلك الحكم الذي لذلك الفرد كان حكم المجموع حكم أفراده
مثال الأول أنا إذا ضممنا هذا الجزء إلى هذا الجزء صار المجموع أكثر وأطول وأعظم من كل فرد فلا يكون في مثل هذا حكم المجموع حكم الأفراد فإذا قيل إن هذا اليوم طويل لم يلزم أن يكون جزؤه طويلا وكذلك إذا قيل هذا الشخص أو الجسم طويل أو ممتد أو قيل إن هذه الصلاة طويلة أو قيل إن هذا النعيم دائم لم يلزم أن يكون كل جزء منه دائما
قال الله تعالى أكلها دائم وظلها سورة الرعد 35 وليس كل جزء من أجزاء الأكل دائما وكذلك في الحديث الصحيح قوله ﷺ أحب العمل إلى الله أدومه وقول عائشة رضي الله عنها وكان عمله ديمة فإذا كان عمل المرء دائما لم يلزم أن يكون كل جزء منه دائما وكذلك إذا قيل هذا المجموع عشر أوقية أو نش أو إستار لم يلزم أن يكون كل جزء من أجزائه عشر أوقية ولا نشا ولا إستارا لأن المجموع حصل بانضمام الأجزاء بعضها إلى بعض والاجتماع ليس موجودا للأفراد
وهذا بخلاف ما إذا قيل كل جزء من الأجزاء معدوم أو موجود أو ممكن أو واجب أو ممتنع فإنه يجب في المجموع أن يكون معدوما أو موجودا أو ممكنا أو واجبا أو ممتنعا وكذلك إذا قلت كل واحد من الزنج أسود فإنه يجب أن يكون معدوما أو وجودا أو ممكنا أو واجبا أو ممتنعا وكذلك إذا قلت كل واحد من الزنج أسود فإنه يجب أن يكون المجموع سودا لأن اقتران الموجود بالموجود لا يخرجه عن كونه موجودا واقتران المعدوم بالمعدوم لا يخرجه عن العدم واقتران الممكن لذاته والممتنع لذاته بنظيره لا يخرجه عن كونه ممكنا لذاته وممتنعا لذاته، بخلاف ما لا يكون ممتنعا لذاته إلا إذا انفرد وهو بالاقتران يصير ممكنا كالعلم مع الحياة فإنه وحده ممتنع ومع الحياة ممكن وكذلك أحد الضدين هو وحده ممكن ومع الآخر ممتنع اجتماعهما فالمتلازمان يمتنع انفراد أحدهما والمتضادان يمتنع اجتماعهما
وبهذا يتبين الفرق بين دوام الآثار الحادثة الفانية واتصالها وبين وجود علل ومعلولات ممكنة لا نهاية لها فإن من الناس من سوى بين القسمين في الامتناع كما يقوله كثير من أهل الكلام ومن الناس من توهم أن التأثير واحد في الإمكان والامتناع ثم لم يتبين له امتناع علل ومعلولات لا تتناهى وظن أن هذا موضع مشكل لا يقوم على امتناعه حجة وإن لم يكن قولا لأحد كما ذكر ذلك الآمدى في رموز الكنوز والأبهرى ومن اتبعهما
والفرق بين النوعين حاصل فإن الحادث المعين إذا ضم إلى الحادث المعين حصل من الدوام والامتداد وبقاء النوع ما لم يكن حاصلا للأفراد فإذا كان المجموع طويلا ومديدا ودائما وكثيرا وعظيما لم يلزم أن يكون كل فرد طويلا ومديدا ودائما وكثيرا وعظيما وأما العلل والمعلولات المتسلسلة فكل منهما ممكن وبانضمامه إلى الآخر لا يخرج عن الإمكان وكل منهما معدوم وبانضمامه إلى الآخر لا يخرج
عن العدم فاجتماع المعدومات الممكنة لا يجعلها موجودة بل ما فيها من الافتقار إلى الفاعل حاصل عند اجتماعها أعظم من حصوله عند افتراقها وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع
وعمدة من يقول بامتناع ما لا نهاية له من الحوادث إنما هي دليل التطبيق والموازنة والمسامتة المقتضى تفاوت الجملتين ثم يقولون والتفاوت فيما لا يتناهى محال مثال ذلك أن يقدروا الحوادث من زمن الهجرة إلى مالا يتناهى في المستقبل أو الماضي والحوادث من زمن الطوفان إلى مالا يتناهى أيضا ثم يوازنون الجملتين فيقولون إن تساوتا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهذا ممتنع فإن إحداهما زائدة على الأخرى بما بين الطوفان والهجرة وإن تفاضلتا لزم أن يكون فيما لا يتناهى تفاضل وهو ممتنع
والذين نازعوهم من أهل الحديث والكلام والفلسفة منعوا هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن حصول مثل هذا التفاضل في ذلك ممتنع بل نحن نعلم أنه من الطوفان إلى مالا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى مالا نهاية له في المستقبل وكذلك من الهجرة إلى مالا بداية له في الماضي أعظم من الطوفان إلى مالا بداية له في الماضي وإن كان كل منهما لا بداية له فإن مالا نهاية له من هذا الطرف وهذا الطرف ليس أمرا محصورا محدودا موجودا حتى يقال هما متماثلان في المقدار فكيف يكون أحدهما أكثر بل كونه لا يتناهى معناه أنه يوجد شيئا بعد شيء دائما فليس هو مجتمعا محصورا
والاشتراك في عدم التباهى لا يقتضى التساوى في المقدار إلا إذا كان كل ما يقال عليه إنه لا يتناهى له قدر محدود وهذا باطل فإن ما لا يتناهى ليس له حد محدود ولا مقدار معين بل هو بمنزلة العدد المضعف فكما أن اشتراك الواحد والعشرة والمائة والألف في التضعيف الذي لا يتناهى لا يقتضى تساوى مقاديرها فكذلك هذا
وأيضا فإن هذين هما متناهيان من أحد الطرفين وهو الطرف المستقبل وغير متناهيين من الطرف الآخر وهو الماضي
وحينئذ فقول القائل يلزم التفاضل فيما لا يتناهى غلط فإنه إنما حصل في المستقبل وهو الذي يلينا وهو متناه ثم هما لا يتناهيان من الطرف الذي لا يلينا وهو الأزل وهما متفاضلان من الطرف الذي يلينا وهو طرف الأبد
فلا يصح أن يقال وقع التفاوت فيما لا يتناهى إذ هذا يشعر بأن التفاوت حصل في الجانب الذي لا آخر له وليس الأمر كذلك بل إنما حصل التفاضل من الجانب المنتهى الذي له آخر فإنه لم ينقض
ثم للناس في هذا جوابان أحدهما قول من يقول ما مضى من الحوادث فقد عدم وما لم يحدث لم يكن فالتطبيق في مثل هذا أمر يقدر في الذهن لا حقيقة له في الخارج كتضعيف الأعداد فإن تضعيف الواحد أقل من تضعيف العشرة وتضعيف العشرة أقل من تضعيف المائة وكل ذلك لا نهاية له لكن ليس هو أمرا موجودا في الخارج
ومن قال هذا فإنه يقول إنما يمتنع اجتماع ما لا يتناهى إذا كان مجتمعا في الوجود سواء كانت أجزاؤه متصلة كالأجسام أو كانت منفصلة كنفوس الأدميين ويقول كل ما اجتمع في الوجود فإنه يكون متناهيا ومنهم من يقول المتناهى هو المجتمع المتعلق بعضه ببعض بحيث يكون له ترتيب وضعي كالأجسام أو طبيعي كالعلل وأما ما لا يتعلق بعضه ببعض كالنفوس فلا يجب هذا فيها فهذان قولان
وأما القائلون بامتناع مالا يتناهى وإن عدم بعد وجوده فمنهم من قال به في الماضي والمستقبل كقول جهم وأبي الهذيل ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل وهو قول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم قالوا لأنك إذا قلت لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهما كان هذا ممكنا ولو قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما كان هذا ممتنعا وعلى هذا اعتمد أبو المعالي في إرشاده وأمثاله من النظار
وهذا التمثيل والموازنة ليست صحيحة بل الموازنة الصحيحة أن تقول ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما فتجعل ماضيا قبل ماض كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل
وأما قول القائل لا أعطيك حتى أعطيك فهو نفي للمستقبل حتى يحصل مثله في المستقبل ويكون قبله فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل وهذا ممتنع لم ينف الماضي حتى يكون قبله ماض فإن هذا ممكن والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطى والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله مالا نهاية له فإن وجود مالا نهاية له فيما يتناهى ممتنع
فهذه الأقوال الأربعة للناس فيما لا يتناهى
والتسلسل نوعان تسلسل في المؤثرات كالتسلسل في العلل والمعلولات وهو التسلسل في الفاعلين والمفعولات فهذا ممتنع باتفاق العقلاء
ومن هذا الباب تسلسل الفاعلين والخالقين والمحدثين مثل أن يقول هذا المحدث له محدث وللمحدث محدث آخر إلى ما لا يتناهى فهذا مما اتفق العقلاء فيما أعلم على امتناعه لأن كل محدث لا يوجد بنفسه فهو معدوم باعتبار نفسه وهو ممكن باعتبار نفسه فإذا قدر من ذلك مالا يتناهى لم تصر الجملة موجودة واجبة بنفسها فإن انضمام المحدث إلى المحدث والمعدوم إلى المعدوم والممكن إلى الممكن لا يخرجه عن كونه مفتقرا إلى الفاعل له بل كثرة ذلك تزيد حاجتها وافتقارها إلى الفاعل وافتقار المحدثين الممكنين أعظم من افتقار أحدهما كما أن عدم الاثنين أعظم من عدم أحدهما فالتسلسل في هذا والكثرة لا تخرجه عن الافتقار والحاجة بل تزيده حاجة وافتقارا
فلو قدر من الحوادث والمعدومات والممكنات ما لا نهاية له وقدر أن بعض ذلك معلول لبعض أو لم يقدر ذلك فلا يوجد شيء من ذلك إلا بفاعل صانع لها خارج عن هذه الطبيعة المشتركة المستلزمة للافتقار والاحتياج فلا يكون فاعلها معدوما ولا محدثا ولا ممكنا يقبل الوجود والعدم بل لا يكون إلا موجودا بنفسه واجب الوجود لا يقبل العدم قديما ليس بمحدث فإن كل ما ليس كذلك فإنه مفتقر إلى من يخلقه وإلا لم يوجد
وأما التسلسل في الآثار كوجود حادث بعد حادث فهذا فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة إما منعه في الماضي والمستقبل كقول جهم وأبي الهذيل وإما منعه في الماضي فقط كقول كثير من أهل الكلام وإما تجويزه فيهما كقول أكثر أهل الحديث والفلاسفة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع
وكذلك الدور نوعان دور قبلي وهو أنه لا يكون هذا إلا بعد هذا ولا هذا إلا بعد هذا وهذا ممتنع باتفاق العقلاء وأما الدور المعي الاقتراني مثل المتلازمين اللذين يكونان في زمان واحد كالأبوة والبنوة وعلو أحد الشيئين على الآخر مع سفول الآخر وتيامن هذا عن ذاك مع تياسر الآخر عنه ونحو ذلك من الأمور المتلازمة التي لا توجد إلا معا فهذا الدور ممكن وإذا لم يكن واحد منهما فاعلا للآخر ولا تمام للفاعل بل كان الفاعل لهما غيرهما جاز ذلك
وأما إذا كان أحدهما فاعلا للآخر أو من تمام كون الفاعل فاعلا صار من الدور الممتنع
ولهذا امتنع ربان مستقلان أو متعاونان أما المستقلان فلأن استقلال أحدهما بالعالم يوجب أن يكون الآخر لم يشركه فيه فإذا كان الآخر مستقلا لزم أن يكون كل منهما فعله وكل منهما لم يفعله وهو جمع بين النقيضين
وأما المتعاونان فإن قيل إن كلا منهما قادر على الاستقلال حال كون الآخر مستقلا به لزم القدرة على اجتماع النقيضين وهو ممتنع
فإنه حال قدرة أحدهما على الاستقلال يمتنع قدرة الآخر على الاستقلال ولا يكونان في حال واحدة كل منهما قادر على الاستقلال فإن ذلك يقتضي وجوده مرتين في حال واحدة لكن الممكن أن يقدر هذا إذا لم يكن الآخر فاعلا وبالعكس فقدرة كل منهما مشروطة بعدم فعل الآخر معه ففي حال فعل كل واحد منهما يمتنع قدرة الآخر
وإن قيل إن المتعاونين لا يقدران في حال واحدة على الاستقلال كما هو الممكن الموجود في المتعاونين من المخلوقين كان هذا باطلا أيضا كما سيأتي
والمقصود أنهما إن كانا قادرين على الاستقلال أمكن أن يفعل هذا مقدوره وهذا مقدوره فيلزم اجتماع النقيضين وإلا لزم أن تكون قدرة أحدهما مشروطة بتمكين الآخر له وهذا ممتنع كما سيأتي
وأيضا فيمكن أن يريد أحدهما ضد مراد الآخر فيريد هذا تحريك جسم وهذا تسكينه واجتماع الضدين ممتنع وإن لم يمكن أحدهما إرادة الفعل إلا بشرط موافقة الآخر له كان عاجزا وحده ولم يصر قادرا إلا بموافقة الآخر
وكذا إذا قدر أنه ليس واحد منهما قادرا على الاستقلال بل لا يقدر إلا بمعاونه الآخر كما في المخلوقين أو قيل يمكن كل منهما الاستقلال بشرط تخلية الآخر بينه وبين الفعل ففي جميع هذه الأقسام يلزم أن تكون قدرة كل منهما لا تحصل إلا بإقدار الآخر له وهذا ممتنع فإنه من جنس الدور في المؤثرات في الفاعلين والعلل الفاعلة فإن ما به يتم كون الفاعل فاعلا يمتنع فيه الدور كما يمتنع في ذات الفاعل والقدرة شرط في الفعل فلا يكون الفاعل فاعلا إلا بالقدرة فإذا كانت قدرة هذا لا تحصل إلا بقدرة ذاك وقدرة ذاك لا تحصل إلا بقدرة هذا كان هذا دورا ممتنعا
كما أن ذات ذاك إذا لم تحصل إلا بهذا وذات هذا لم تحصل إلا بذات ذاك كان هذا دورا ممتنعا إذا كان كل منهما هو الفاعل للآخر بخلاف ما إذا كان ملازما له أو شرطا فيه والفاعل غيرهما فإن هذا جائز كما ذكر في الأبوة والبنوة
وكذلك الواحد الذي يريد أحد الضدين بشرط أن لا يريد الضد الآخر فإن هذا لا يقدح في كونه قادرا وأما إذا كان لا يقدر حتى يعينه الآخر على القدرة أو حتى يخليه فلا يمنعه من الفعل فإن ذلك يقدح في كونه وحده قادرا
وهذه المعاني قد بسطت في غير هذا الموضع لكن لما كان الكلام في التسلسل والدور كثيرا ما يذكر في هذه المواضع المشكلة المتعلقة بما يذكر من الدلائل في توحيد الله وصفاته وأفعاله وكثير من الناس قد لا يهتدى للفروق الثابتة بين الأمور المتشابهة حتى يظن فيما هو دليل صحيح أنه ليس دليلا صحيحا أو يظن ما ليس بدليل دليلا أو يحار ويقف ويشتبه الأمر عليه أو يسمع كلاما طويلا مشكلا لا يفهم معناه أو يتكلم بما لا يتصور حقيقته نبهنا على ذلك هنا تنبيها لطيفا إذ هذا ليس موضع بسطه
والناس لأجل هذا دخلوا في أمور كثيرة فالذين قالوا القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الأخرة من المعتزلة والشيعة وغيرهم إنما أوقعهم ظنهم أن التسلسل نوع واحد فالتزموا لأجل ذلك أن الخالق لم يكن متكلما ولا متصرفا بنفسه حتى أحدث كلاما منفصلا عنه وجعلوا خلق كلامه كخلق السماوات والأرض فلما طالبهم الناس بأن الحادث لا بد له من سبب حادث وقعوا في المكابرة وقالوا يمكن القادر أن يرجح أحد المثلين بلا مرجح كما في الجائع مع الرغيفين والهارب مع الطريقين
وجمهور العقلاء قالوا نعلم بالاضطرار أنه إن لم يوجد المرجح التام لأحد المثلين امتنع الرجحان وإلا فمع التساوي من كل وجه يمتنع الرجحان
والفلاسفة جعلوا هذا حجة في قدم العالم فقالوا الحدوث بلا سبب حادث ممتنع فيلزم أن يكون قديما صادرا عن موجب بالذات
وكانوا أضل من المعتزلة من وجوه متعددة مثل كون قولهم يستلزم أن لا يحدث شيء ومن جهة أن قولهم يتضمن أن الممكنات لا فاعل لها فإن الفعل بدون الإحداث غير معقول ومن جهة أن في قلوبهم من وصف الله تعالى بالنقائص في ذاته وصفاته وأفعاله ما يطول وصفه ومن جهة أن العالم مستلزم للحوادث ضرورة لأن الحوادث مشهودة فإما أن تكون لازمة له أو حادثة فيه والموجب بالذات المستلزم لمعلوله لا يحدث عنه شيء فيلزم أن لا يكون للحوادث فاعل بحال وهم يجوزون حوادث لا تتناهى كما يوافقهم عليه جمهور أهل الحديث والسنة وحينئذ فلا يمتنع أن يكون كل شيء من العالم حادثا والله تعالى لم يزل موصوفا بصفات الكمال لم يزل متكلما إذا شاء قادرا على الفعل وليس شيء من الفعل والمفعول إلا حادثا معينا إذ كل فعل معين يجب أن يكون مسبوقا بعدمه وإلا فالفاعل إن قدر موجبا بذاته لزمه مفعوله ولم يحدث عنه شيء هو مكابرة للحس وإن قدر غير موجب بذاته لم يقارنه شيء من المفعولات وإن كان دائم الفعل إذ كان نوع الفعل من لوازم ذاته
وأما الأفعال والمفعولات المعينة فليست لازمة للذات بل كل منها معلق بما قبله لامتناع اجتماع الحوادث في زمان واحد فالفعل الذي لا يكون إلا حادثا يمتنع أن يجمع في زمان واحد فضلا عن أن يكون كل من أجزائه أزليا بل يوجد شيئا فشيئا
وأما الفعل الذي لا يكون إلا قديما فهذا أولا ممتنع لذاته فإن الفعل والمفعول المعين المقارن للفاعل ممتنع فلا يحدث به شيء من الحوادث لأن الفعل القديم إذا قدر أنه فعل تام لزمه مفعوله
وهذه المواضع قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا نزاع الناس في كل واحد واحد منها وإنما كان القصد هنا التنبيه على أصل مسألة التعليل فإن هذا المبتدع أخد يشنع على أهل السنة فذكر مسائل لا يذكر حقيقتها ولا أدلتها وينقلها على الوجه الفاسد
وما ينقله عن أهل السنة خطأ أو كذب عليهم أو على كثير منهم وما قدر انه صدق فيه عن بعضهم فقولهم فيه خير من قوله فإن غالب شناعته على الأشعرية ومن وافقهم والأشعرية خير من المعتزلة والرافضة عند كل من يدري ما يقول ويتقي الله فيما يقول
وإذا قيل إن في كلامهم وكلام من قد وافقهم أحيانا من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ما هو ضعيف فكثير من ذلك الضعيف إنما تلقوه من المعتزلة فهم أصل الخطأ في هذا الباب وبعض ذلك أخطاؤا فيه لإفراط المعتزلة في الخطأ فقابلوهم مقابلة انحرفوا فيها كالجيش الذي يقاتل الكفار فربما حصل منه إفراط وعدوان وهذا مبسوط في موضعه قال هؤلاء للمعتزلة والشيعة ولما كان هذا الدليل عمدتكم استطال عليكم الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله وهذا الدليل مناف في الحقيقة لحدوث العالم لا مستلزم له فإنه إذا كان هذا الحادث لا بد له من سبب حادث وكان هذا الدليل مستلزما لحدوث الحادث بلا سبب لزم أن لا يكون الله أحدث شيئا فإذا جوزنا ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح أنسد طريق إثبات الصانع الذي سلكتموه
وقالوا أيضا للمعتزلة والشيعة أنتم مع هذا عللتم أفعال الله تعالى بعلل حادثة فيقال لكم هل توجبون للحوادث سببا حادثا أم لا فإن قلتم نعم لزم تسلسل الحوادث وبطل ما ذكرتموه
وإن لم توجبوا ذلك قيل لكم وكذلك ليس لها غاية حادثة بعدها فإن المعقول أن الفاعل المحدث لا بد لفعله من سبب ولا بد له من غاية فإذا قلتم لا سبب لإحداثه قيل لكم ولا غاية مطلوبة له بالفعل
فإن قلتم لا يعقل فاعل لا يريد حكمة إلا وهو عابث قيل لكم ولا نعقل فاعلا يحدث شيئا بغير سبب حادث أصلا بل هذا أشد امتناعا في العقل من ذاك فلماذا أثبتم الغاية ونفيتم السبب الحادث وقيل لكم أيضا الذي يعقل من الفاعل أن يفعل لغاية تعود إليه وأما فاعل يفعل لغاية تعود إلى غيره فهذا غير معقول
وإذا كان قول الشيعة المتبعين للمعتزلة في حكمة الله تعالى فقد يقال قول من يقول إنه يفعل لمحض المشيئة بلا علة خير من هذا القول فإن هذا سلم من التسلسل وسلم من كونه يفعل لحكمة منفصلة عنه والمعتزلة تسلم له امتناع التسلسل فعلم أن قول هؤلاء خير من قول هذا المنكر عليهم
وأما من قال بالتعليل من أهل السنة والحديث كما تقدم فذاك سلم من هذا وهذا وقد كتبت في مسألة التعليل مصنفا مستقلا بنفسه لما سئلت عنها وليس هذا موضع بسطه
والمقصود هنا التنبيه على أن أقوال أهل السنة خير من أقوال الشيعة وأنه إن كان قول بعض أهل السنة ضعيفا فقول الشيعة أضعف منه
فصل
وأما قول الرافضي: وجوزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب
فيقال له
ليس في طوائف المسلمين من يقول إن الله تعالى يفعل قبيحا أو يخل بواجب ولكن المعتزلة ونحوهم ومن وافقهم من الشيعة النافين للقدر يوجبون على الله من جنس ما يوجبون على العباد ويحرمون عليه ما يحرمونه على العباد ويضعون له شريعة بقياسه على خلقه فهم مشبهة الأفعال
وأما المثبتون للقدر من أهل السنة والشيعة فمتفقون على أن الله تعالى لا يقاس بخلقه في أفعاله كما لا يقاس بهم في ذاته وصفاته فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وليس ما وجب على أحدنا وجب مثله على الله تعالى ولا ما حرم على أحدنا حرم مثله على الله تعالى ولا منا قبح منا قبح من الله ولا ما حسن من الله تعالى حسن من أحدنا وليس لأحد منا أن يوجب على الله تعالى شيئا ولا يحرم عليه شيئا
فهذا أصل قولهم الذي اتفقوا عليه واتفقوا على أن الله تعالى إذا وعد عباده بشيء كان وقوعه واجبا بحكم وعده فإن الصادق في خبره الذي لا يخلف الميعاد واتفقوا على أنه لا يعذب أنبياءه ولا عباده الصالحين بل يدخلهم الجنة كما أخبر
لكن تنازعوا في مسألتين
إحداهما أن العباد هل يعلمون بعقولهم حسن بعض الأفعال ويعلمون أن الله متصف بفعله ويعلمون قبح بعض الأفعال ويعلمون أن الله منزه عنه على قولين معروفين
أحدهما أن العقل لا يعلم به حسن فعل ولا قبحه أما في خلق الله فلأن القبيح منه ممتنع لذاته وأما في حق العباد فلأن الحسن والقبح لا يثبت إلا بالشرع وهذا قول الأشعري وأتباعه وكثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهؤلاء لا ينازعون في الحسن والقبيح إذا فسر بمعنى الملائم والمنافى أنه قد يعلم بالعقل وكذلك لا ينازعون أولا ينازع أكثرهم أو كثير منهم في أنه إذا عنى به كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص أنه يعلم بالعقل
والقول الثاني أن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله وحق عباده وهذا مع أنه قول المعتزلة فهو قول الكرامية وغيرهم من الطوائف وهو قول جمهور الحنفية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كأبي بكر الأبهري وغيره من أصحاب ماللك وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب الكلوذاني من أصحاب أحمد وذكر أن هذا القول قول أكثر أهل العلم وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما من أصحاب الشافعي وهو قول طوائف من أئمة أهل الحديث
وعدو القول الأول من أقوال أهل البدع كما ذكر ذلك أبو نصر السجزى في رسالته المعروفة في السنة وذكره صاحبه أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته المعروفة في السنة
وفي المسألة قول ثالث اختاره الرازي في آخر مصنفاته وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين في أفعال العباد دون أفعال الله تعالى
وقد تنازع أئمة الطوائف في الأعيان قبل ورود السمع فقالت الحنفية وكثير من الشافعية والحنبلية إنها على الإباحة مثل ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب
وقال طوائف إنها على الحظر كأبي علي بن أبي هريرة وابن حامد والقاضي أبي يعلى وعبد الرحمن الحلواني وغيرهم
مع أن أكثر الناس يقولون إن القولين لا يصحان إلا على قولنا بأن العقل يحسن ويقبح وإلا فمن قال إنه لا يعرف بالعقل حكم امتنع أن يصفها قبل الشرع بحظر أو إباحة كما قال ذلك الأشعري وأبو الحسن الجزري وأبو بكر الصيرفي وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم
المسألة الثانية تنازعوا هل يوصف الله تعالى بأنه أوجب على نفسه وحرم على نفسه أولا معنى للوجوب إلا إخباره بوقوعه ولا للتحريم إلا إخباره بعدم وقوعه فقالت طائفة بالقول الثاني وهو قول من يطلق أن الله لا يجب عليه شيء ولا يحرم عليه شيء
وقال طائفة بل هو أوجب على نفسه وحرم على نفسه كما نطق بذلك الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة سورة الأنعام 54 وقوله وكان حقا علينا نصر المؤمنين سورة الروم 47 وقوله في الحديث الإلهي الصحيح يا عبادي أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما
وأما أن العباد يوجبون عليه ويحرمون عليه فممتنع عند أهل السنة كلهم ومن قال إنه أوجب على نفسه أو حرم على نفسه فهذا الوجوب والتحريم يعلم عندهم بالسمع وهل يعلم بالعقل على قولين لأهل السنة
وإذا كانت هذه الأقوال كلها معروفة لأهل السنة بل لأهل المذهب الواحد منهم كمذهب أحمد وغيره من الأئمة فمن قال من أهل السنة إن الله لا يجب عليه شيء ولا يحرم عليه شيء امتنع عنده أن يكون مخلا بواجب أو فاعلا لقبيح ومن قال إنه أوجب على نفسه أو حرم على نفسه فهم متفقون على أنه لا يخل بما كتبه على نفسه ولا يفعل ما حرمه على نفسه
فتبين أنه ليس في أهل السنة من يقول إنه يخل بواجب أو يفعل قبيحا لكن هذا المبتدع سلك مسلك أمثاله فحكى عن أهل السنة أنهم يجوزون عليه تعالى الإخلال بالواجب وفعل القبيح
وهذا حكاه بطريق الإلزام لإحدى الطائفتين الذين يقولون لا يجب عليه شيء فله أن يخل بكل شيء فقال هؤلاء يقولون إنه يخل بالواجب أي ما هو عندي واجب وكذلك هؤلاء يقولون لا يقبح منه شيء فقال إنهم جوزوا عليه فعل القبيح أي فعل ما هو قبيح عندهم أو فعل ما هو قبيح من أفعال العباد فهذا نقل عنهم بطريق الإلزام الذي اعتقدوه وأيضا فأهل السنة يؤمنون بالقدر وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الهدى بفضل منه والقدرية يقولون إنه يجب عليه أن يفعل بكل عبد ما يظنونه هم واجبا عليه ويحرم عليه ضد ذلك فيوجبون عليه أشياء ويحرمون عليه أشياء وهو لم يوجبها على نفسه ولا علم وجوبها بشرع ولا عقل ثم يحكون عن من لم يوجبها أنه يقول إن الله يخل بالواجب وهذا تلبيس في نقل المذهب وتحريف له
وأصل قول هؤلاء القدرية تشبيه الله بخلقه في الأفعال فيجعلون ما حسن منه حسن من العبد وما قبح من العبد قبح منه وهذا تمثيل باطل
فصل
وأما قوله: وذهبوا إلى أنه لا يفعل لغرض بل كل أفعاله لا لغرض من الأغراض ولا لحكمة ألبتة
فيقال له
أما تعليل أفعاله وأحكامه بالحكمة ففيه قولان مشهوران لأهل السنة والنزاع في كل مذهب من المذاهب الأربعة والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل وأما في الأصول فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه وجمهور أهل السنة على إثبات الحكمة والتعيل في أفعاله وأحكامه
وأما لفظ الغرض فالمعتزلة تصرح به وهم من القائلين بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأما الفقهاء ونحوهم فهذا اللفظ يشعر عندهم بنوع من النقص إما ظلم وإما حاجة فإن كثيرا من الناس إذا قال فلان له غرض في هذا أو فعل هذا لغرضه أرادوا أنه فعله لهواه ومراده المذموم والله منزه عن ذلك فعبر أهل السنة بلفظ الحكمة والرحمة والإرادة ونحو ذلك مما جاء به النص وطائفة من المثبتين للقدر من المعتزلة يعبرون بلفظ الغرض أيضا ويقولون إنه يفعل لغرض كما يوجد ذلك في كلام طائفة من المنتسبين إلى السنة
وأما قوله إنه يفعل الظلم والعبث
فليس في أهل الإسلام من يقول إن الله يفعل ما هو ظلم منه ولا عبث منه تعالى الله عن ذلك بل الذين يقولون إنه خالق كل شيء من أهل السنة والشيعة يقولون إنه خلق أفعال عباده فإنها من جملة الإشياء ومن المخلوقات ما هو مضر لبعض الناس ومن ذلك الأفعال التي هي ظلم من فاعلها وإن لم تكن ظلما من خالقها كما أنه إذا خلق فعل العبد الذي هو صوم لم يكن هو صائما وإذا خلق فعله الذي هو طواف لم يكن هو طائفا وإذا خلق فعله الذي هو ركوع وسجود لم يكن هو راكعا ولا ساجدا وإذا خلق جوعه وعطشه لم يكن جائعا ولا عطشانا فالله تعالى إذا خلق في محل صفة أو فعلا لم يتصف هو بتلك الصفة ولا ذلك الفعل إذ لو كان كذلك لاتصف بكل ما خلقه من الأعراض
ولكن هذا الموضع زلت فيه الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة الذين يقولون ليس لله كلام إلا ما خلقه في غيره وليس له فعل إلا ما كان منفصلا عنه فلا يقوم به عندهم لا فعل ولا قول وجعلوا كلامه الذي يكلم به ملائكته وعباده والذي كلم به موسى والذي أنزله على عباده هو ما خلقه في غيره
فيقال لهم الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها لم يكن المتحرك بها هو الخالق لها وكذلك إذا خلق لونا أو ريحا أو علما أو قدرة في محل كان ذلك المحل هو المتلون بذلك اللون المتروح بتلك الريح العالم بذلك العلم القادر بتلك القدرة فكذلك إذا خلق كلاما في محل كان ذلك المحل هو المتكلم بذلك الكلام وكان ذلك الكلام كلاما لذلك المحل لا لخالقه فيكون الكلام الذي سمعه موسى وهو قوله إنني أنا الله سورة طه 14 كلام الشجرة لا كلام الله لو كان ذلك مخلوقا
واحتجت المعتزلة وأتباعهم الشيعة على ذلك بالأفعال فقالت كما أنه عادل محسن بعدل وإحسان يقوم بغيره فكذلك هو متكلم بكلام يقوم بغيره وكان هذا حجة على من سلم الأفعال لهم كالأشعري ونحوه فإنه ليس عنده فعل يقوم به بل يقول الخلق هو المخلوق لا غيره وهو قول طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو أول قولي القاضي أبي يعلى
لكن جمهور الناس يقولون الخلق غير المخلوق وهذا مذهب الحنفية وهو الذي ذكره البغوي عن أهل السنة والذي ذكره أبو بكر الكلاباذي عن الصوفية في كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف وهو قول أئمة أصحاب أحمد كأبي بكر عبد العزيز وابن حامد وابن شاقلا وغيرهم وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى واختيار أكثر أصحابه كأبي الحسين ابنه وغير هؤلاء وإنما اختار القول الآخر طائفة منهم كابن عقيل ونحوه
ولما كان هذا قول الأشعري ونحوه وهو مع سائر أهل السنة يقولون إن الله خالق أفعال العباد لزمه أن يقول إن أفعال العباد فعل لله تعالى إذ كان فعله عنده هو مفعوله فجعل أفعال العباد فعلا لله ولم يقل هي فعلهم في المشهور عنه إلا على وجه المجاز بل قال هي كسبهم وفسر الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونا بها ووافقه على ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد
وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام وقالوا عجائب الكلام ثلاثة طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وأنشد في ذلك
مما يقال ولا حقيقة تحته ... معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام
وأما سائر أهل السنة فيقولون إن أفعال العباد فعل لهم حقيقة وهو أحد القولين للأشعري ويقول جمهورهم الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق إنها مخلوقة لله ومفعولة له ليست هي نفس فعله وخلقه الذي هو صفته القائمة به
فهذه الشناعات التي يذكرها هؤلاء لا تتوجه على قول جمهور أهل السنة وإنما ترد على طائفة من المثبتة كالأشعري وغيره
فقوله عن أهل السنة إنهم يقولون إنه يفعل الظلم والعبث إن أراد ما هو منه ظلم وعبث فهذا منه فرية عليهم وإن قاله بطريق الإلزام فهم لا يسلمون له أنه ظلم ولهم في تفسير الظلم نزاع قد تقدم تفسيره وإن أراد ما هو ظلم وعبث من العبد فهذا لا محذور في كون الله يخلقه وجمهورهم لا يقولون إن هذا الظلم والعبث فعل الله بل يقولون إنه فعل العبد لكنه مخلوق لله كما أن قدرة العبد وسمعه وبصره مخلوق لله تعالى وليس هو سمع الحق ولا بصره ولا قدرته
فصل
وأما قوله عنهم إنهم يقولون إنه لا يفعل ما هو الأصلح
لعباده بل ما هو الفساد لأن فعل المعاصي وأنواع الكفر وجميع أنواع الفساد الواقعة في العالم مسندة إليه تعالى الله عن ذلك
يقال هذا الكلام وإن قاله طائفة من متكلمي أهل الإثبات فهو قول طائفة من متكلمي الشيعة أيضا وأئمة أهل السنة وجمهورهم لا يقولون ما ذكر بل الذي يقولونه إن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وإنه لا يخرج عن ملكه وخلقه وقدرته شيء وقد دخل في ذلك جميع أفعال الحيوان فهو خالق لعبادات الملائكة والمؤمنين وسائر حركات العباد
والقدرية ينفون عن ملكه خيار ما في ملكه وهو طاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين فيقولون لم يخلقها الله تعالى ولا يقدر على أن يستعمل العبد فيها ولا يلهمه إياها ولا يقدر أن يجعل من لم يفعلها فاعلا لها
وقد قال الخليل عليه السلام ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك سورة البقرة 128 فطلب من الله أن يجعله مسلما لله ومن ذريته أمة مسلمة له وهو صريح في أن الله تعالى يجعل الفاعل فاعلا وقال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي سورة إبراهيم 40 فقد طلب من الله تعالى أن يجعله مقيم الصلاة فعلم أن الله هو الذي يجعل المصلي مصليا وقد أخبر عن الجلود والجوارح إخبار مصدق لها أنها قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء سورة فصلت 21 فعلم أنه ينطق جميع الناطقين
وأما كونه لا يفعل ما هو الأصلح لعباده أو لا يراعي مصالح العباد فهذا مما اختلف فيه الناس
فذهبت طائفة من المثبتين للقدر إلى ذلك وقالوا خلقه وأمره متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة وهذا قول الجهم
وذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله وأن إرساله الرسل مصلحة عامة وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته فإن الله كتب في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وفي رواية إن رحمتي سبقت عضبي أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ فهم يقولون فعل المأمور به وترك المنهى عنه مصلحة لكل فاعل وتارك وأما نفس الأمر وإرسال الرسل فمصلحة عامة للعباد وإن تضمن شرا لبعضهم وهكذا سائر ما يقدره الله تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة وإن كان في ضمن ذلك ضرر لبعض الناس فلله في ذلك حكمة أخرى
وهذا قول أكثر الفقهاء وأهل الحديث والتصوف وطوائف من أهل الكلام غير المعتزلة مثل الكرامية وغيرهم وهؤلاء يقولون وإن كان في بعض ما يخلقه ما فيه ضرر لبعض الناس أو هو سبب ضرر كالذنوب فلا بد في كل ذلك من حكمة ومصلحة لأجلها خلقها الله وقد غلبت رحمته غضبه وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع
وهو لم يذكر إلا مجرد حكاية الأقوال فبينا ما في ذلك النقل من الصواب والخطأ فإن هذا الذي نقله ليس من كلام شيوخه الرافضة بل هو من كلام المعتزلة كأصحاب أبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم
وهؤلاء ذكروا ذلك ردا على الأشعرية خصوصا فإن الأشعرية وبعض المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعا لفظيا أتوا بما لا يعقل لكن لا يوافقونه على قوله في نفي الصفات بل يثبتون الصفات فلهذا بالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر وأنكروا الطبائع والقوى التي في الحيوان أن يكون لها تأثير أو سبب في الحوادث أو يقال فعل بها وأنكروا أن يكون للمخلوقات حكمة وعلة
ولهذا قيل إنهم أنكروا أن يكون الله يفعل لجلب منفعة لعباده أو دفع مضرة وهم لا يقولون إنه لا يفعل مصلحة ما فإن هذا مكابرة بل يقولون إن ذلك ليس بواجب عليه وليس بلازم وقوعه منه ويقولون إنه لا يفعل شيئا لأجل شيء ولا بشيء وإنما اقترن هذا بهذا لإرادته لكليهما فهو يفعل أحدهما مع صاحبه لا به ولا لأجله والاقتران بينهما مما جرت به عادته لا لكون أحدهما سببا للآخر ولا حكمة له ويقولون إنه ليس في القرآن في خلقه وأمره لام تعليل وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم مع أن أكثر الفقهاء الذين يوافقونهم على هذا في كتب الكلام يقولون بضد ذلك في مسائل الفقه والتفسير والحديث وأدلة الفقه وكلامهم في أصول الفقه تارة يوافق هؤلاء وتارة يوافق هؤلاء
لكن جمهور أهل السنة من هؤلاء الطوائف وغيرهم يثبتون القدر ويثبتون الحكمة إيضا والرحمة وأن لفعله غاية محبوبة وعاقبة محمودة وهذه مسألة عظيمة جدا قد بسطت في غير هذا الموضع
ففي الجملة لم تثبت المعتزلة والشيعة نوعا من الحكمة والرحمة إلا وقد أثبت أئمة أهل السنة ما هو أكمل من ذلك وأجل منه مع إثباتهم قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه العام
هؤلاء لا يثبتون هذا ومتكلمو الشيعة المتقدمون كالهشامين وغيرهما كانوا يثبتون القدر كما يثبته غيرهم وكذلك الزيدية منهم من يثبته ومنهم من ينفيه فالشيعة في القدر على قولين كما أن المثبتين لخلافة الخلفاء الثلاثة في القدر على قولين
فلا يوجد لأهل السنة قول ضعيف إلا وفي الشيعة من يقوله ويقول ما هو أضعف منه ولا يوجد للشيعة قول قوي إلا وفي أهل السنة من يقوله ويقول ما هو أقوى منه ولا يتصور أن يوجد للشيعة قول قوي لم يقله أحد من أهل السنة فثبت أن أهل السنة أولى بكل خير منهم كما أن المسلمين أولى بكل خير من اليهود والنصارى
فصل
وأما قوله إنهم يقولون إن المطيع لا يستحق ثوابا والعاصي لا يستحق عقابا بل قد يعذب المطيع طول عمره المبالغ في امتثال أوامره كالنبي ويثيب العاصي طول عمره بأنواع المعاصي وأبلغها كإبليس وفرعون
فهذا فرية على أهل السنة ليس فيهم من يقول إن الله يعذب نبيا ولا مطيعا ولا من يقول إن الله يثيب إبليس وفرعون بل ولا يثيب عاصيا على معصيته لكن يقولون إنه يجوز أن يعفو عن المذنب من المؤمنين وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحدا من أهل التوحيد ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان والإمامية توافقهم على ذلك
وأما الاستحقاق فهم يقولون إن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئا وليس له أن يوجب على ربه شيئا لا لنفسه ولا لغيره ويقولون إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد فإنه صادق في وعده لا يخلف الميعاد فنحن نعلم أن الثواب يقع لإخباره لنا بذلك وأما إيجابه ذلك على نفسه وإمكان معرفة ذلك بالعقل فهذا فيه نزاع بين أهل السنة كما تقدم التنبيه عليه
فقول القائل إنهم يقولون إن المطيع لا يستحق ثوابا إن أراد أنه هو لا يوجب بنفسه على ربه ثوابا ولا أوجيه غيره من المخلوقين فهكذا تقول أهل السنة وإن أراد أن هذا الثواب ليس أمرا ثابتا معلوما وحقا واقعا فقد أخطأ وإن أراد أنه هو سبحانه وتعالى لا يحقه بخبره فقد أخطأ على أهل السنة وإن أراد أنه لم يحقه بمعنى أنه لم يوجبه على نفسه ويجعله حقا على نفسه كتبه على نفسه فهذا فيه نزاع قد تقدم
وهو بعد أن وعد بالثواب أو أوجب مع ذلك على نفسه الثواب يمتنع منه خلاف خبره وخلاف حكمه الذي كتبه على نفسه وخلاف موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلي
ولكن لو قدر أنه عذب من يشاء لم يكن لأحد منعه كما قال تعالى قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا سورة المائدة 1وهو سبحانه لو ناقش من ناقشه من خلقه يعذبه كما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال من نوقش الحساب عذب قالت قلت يا رسول الله أليس الله يقول فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحساب حسابا يسيرا سورة الانشقاق 7 8 فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم وهذا قد يقال لأجل المناقشة في الحساب والتقصير في حقيقة الطاعة وهو قول من يجعل الظلم مقدورا غير واقع وقد يقال بأن الظلم لا حقيقة له وأنه مهما قدر من الممكنات لم يكن ظلما والتحقيق أنه إذا قدر أن الله فعل ذلك فلا يفعله إلا بحق لا يفعله وهو ظالم لكن إذا لم يفعله فقد يكون ظلما يتعالى الله عنه
فصل
وأما ما نقله عنهم أنهم يقولون إن الأنبياء غير معصومين فهذا الإطلاق نقل باطل عنهم
فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ
وتنازعوا هل يجوز أن يسبق على لسانه ما يستدركه الله تعالى ويبينه له بحيث لا يقره على الخطأ كما نقل أنه ألقى على لسانه ﷺ تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ثم إن الله تعالى نسخ ما ألقاه الشيطان وأحكم آياته فمنهم من لم يجوز ذلك ومنهم من جوزه إذ لا محذور فيه فإن الله تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد سورة الحج 53
وأما قوله بل قد يقع منهم الخطأ فيقال له هم متفقون على أنهم لا يقرون علي خطأ في الدين أصلا ولا على فسوق ولا كذب ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها فلا يصدر عنهم ما يضرهم
كما جاء في الأثر كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة والله يحب التوابين ويحب المتطهرين سورة البقرة 222 وإن العبد ليفعل السيئة فيدخل بها الجنة
وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين بهم كما روى في موطأ مالك إنما أنسى أو أنسى لأسن وقد قال ﷺ إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني أخرجاه في الصحيحين ولما صلى بهم خمسا فلما سلم قالوا له يا رسول الله أزيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا صليت خمسا فقال الحديث
وأما الرافضة فأشبهوا النصارى فإن الله تعالى أمر الناس بطاعة الرسل فيما أمروا به وتصديقهم فيما أخبروا به ونهى الخلق عن الغلو والإشراك بالله فبدلت النصارى دين الله فغلوا في المسيح فأشركوا به وبدلوا دينه فعصوه وعظموه فصاروا عصاة بمعصيته وبالغوا فيه خارجين عن أصلي الدين وهما الإقرار لله بالوحدانية ولرسله بالرسالة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فالغلو أخرجهم عن التوحيد حتى قالوا بالتثليث والاتحاد وأخرجهم عن طاعة الرسول وتصديقه حيث أمرهم أن يعبدوا الله ربه وربهم فكذبوه في قوله إن الله ربه ربهم وعصوه فيما أمرهم به وكذلك الرافضة غلوا في الرسل بل في الأئمة حتى اتخذوهم أربابا من دون الله فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل وكذبوا الرسل فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم فتجدهم يعطلون المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فلا يصلون فيها جمعة ولا جماعة وليس لها عندهم كبير حرمة وإن صلوا فيها صلوا فيها وحدانا ويعظمون المشاهد المبنية على القبور فيعكفون عليها مشابهة للمشركين ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة بل يسبون من لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرضه الله على عباده ومن لا يستغنى بها عن الجمعة والجماعة
وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يفضلون عبادة الأوثان على عبادة الرحمن وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وقال قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنها كم عن ذلك رواه مسلم وقال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وقال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه مالك في الموطأ وقد صنف شيخهم ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتابا سماه مناسك المشاهد جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياما للناس وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به ولا يصلى إلا إليه ولم يأمر الله إلا بحجه
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين بل هذا من دين المشركين الذين قال الله فيهم وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا سورة نوح 23 قال ابن عباس وغيره هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم فطال عليهم الأمد فصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته فقرن بين طمس التماثيل وتسوية القبور المشرفة لأن كليهما ذريعة إلى الشرك كما في الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا النبي ﷺ كنيسة رأينها بأرض الحبشة وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فقال إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة
والله أمر في كتابه بعمارة المساجد ولم يذكر المشاهد فالرافضة بدلوا دين الله فعمروا المشاهد وعطلوا المساجد مضاهاة للمشركين ومخالفة للمؤمنين
قال تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد سورة الأعراف 29 لم يقل عند كل مشهد وقال ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين سورة التوبة 17 18 ولم يقل إنما يعمر مشاهد الله بل عمار المشاهد يخشون بها غير الله ويرجون غير الله وقال تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا سورة الجن 18 ولم يقل وأن المشاهد لله وقال ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا سورة الحج 40 ولم يقل ومشاهد وقال في بيوت اذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة سورة النور 36 3وأيضا فقد علم بالنقل المتواتر بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسول الله ﷺ شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات والاجتماع للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة والعيدين وغير ذلك وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح لا من أهل البيت ولا غيرهم لا مسجدا ولا مشهدا ولم يكن على عهده ﷺ في الإسلام مشهد مبني على قبر وكذلك على عهد خلفائه الراشدين وأصحابه الثلاثة وعلي بن أبي طالب ومعاوية لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره لا على قبر إبراهيم الخليل ولا على غيره بل لما قدم المسلمون إلى الشام غير مرة ومعهم عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم ثم لما قدم عمر لفتح بيت المقدس ثم لما قدم لوضع الجزية على أهل الذمة ومشارطتهم ثم لما قدم إلى سرغ ففي جميع هذه المرات لم يكن أحدهم يقصد السفر إلى قبر الخليل ولا كان هناك مشهد بل كان هناك البناء المبني على المغارة وكان مسدودا بلا باب له مثل حجرة النبي ﷺ
ثم لم يزل الأمر هكذا في خلافة بني أمية وبني العباس إلى أن ملك النصاري تلك البلاد في أواخر المائة الخامسة فبنوا ذلك البناء واتخذوه كنيسة ونقبوا باب البناء فلهذا تجد الباب منقوبا لا مبنيا ثم لما استنقذ المسلمون منهم تلك الأرض اتخذها من اتخذها مسجدا
===========
منهاج السنة النبوية/7
بل كان الصحابة إذ رأوا أحدا بني مسجدا على قبر نهوه عن ذلك ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وتدفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به
وكان عمر بن الخطاب إذا رآهم يتناوبون مكانا يصلون فيه لكونه موضع نبي ينهاهم عن ذلك ويقول إنما هلك من كان قبلكم باتخاذ آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب
فهذا وأمثاله مما كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل الله به الرسول إليهم ويتبعون في ذلك سنته ﷺ
والإسلام مبني على أصلين أن لا تعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع
فالنصارى خرجوا عن الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم
وأيضا فإن النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون أيضا إن المسيح ابن الله
والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغاليتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح
والنصارى يقولون إن الدين مسلم للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه
والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه
وأما من دخل في غلوة الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم ويقولون إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك من المقالات التي هي من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم
فإن قيل ما وصفت به الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في كثير من المنتسبين إلى السنة فإن في كثير منهم غلوا في مشايخهم وإشراكا بهم وابتداعا لعبادات غير مشروعة وكثير منهم يقصد قبر من يحسن الظن به إما ليسأله حاجاته وإما ليسأله الله به حاجة وإما لظنه أن الدعاء عند قبره أجوب منه في المساجد ومنهم من يفضل زيارة قبور شيوخهم على الحج ومنهم من يجد عند قبر من يعظمه من الرقة والخشوع ما لا يجده في المساجد والبيوت وغير ذلك مما يوجد في الشيعة
ويروون أحاديث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قولهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه الله به وقولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم قبر فلان هو الترياق المجرب
ويروون عن بعض شيوخهم أنه قال لصاحبه إذا كان لك حاجة فتعال إلى قبري واستغث بي ونحو ذلك فإن في المشايخ من يفعل بعد مماته كما كان يفعل في حياته وقد يستغيث الشخص بواحد منهم فيتمثل له الشيطان في صورته إما حيا وإما ميتا وربما قضى حاجته أو قضى بعض حاجته كما يجري نحو ذلك للنصارى مع شيوخهم ولعباد الأصنام من العرب والهند والترك وغيرهم
قيل هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهى عنه سواء كان فاعله منتسبا إلى السنة أو إلى التشيع ولكن الأمور المذمومة المخالفة للكتاب والسنة في هذا وغيره هي في الرافضة أكثر منها في أهل السنة فما يوجد في أهل السنة من الشر ففي الرافضة أكثر منه وما يوجد في الرافضة من الخير ففي أهل السنة أكثر منه وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين فما يوجد في المسلمين شر إلا وفي أهل الكتاب أكثر منه ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي المسلمين أعظم منه
ولهذا يذكر سبحانه مناظرة الكفار من المشركين وأهل الكتاب بالعدل فإن ذكروا عيبا في المسلمين لم يبرئهم منه لكن يبين أن عيوب الكفار أعظم
كما قال تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ثم قال وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل سورة البقرة 21وهذه الآية نزلت لأن سرية من المسلمين ذكر أنهم قتلوا ابن الحضرمي في آخر يوم من رجب فعابهم المشركون بذلك فأنزل الله هذ الآية
وقال تعالى قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مئوية عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل سورة المائدة 59 60 أي من لعنه الله وجعل منهم الممسوخين وعبدة الطاغوت ف جعل معطوف على لعن ليس المراد وجعل منهم من عبد الطاغوت كما ظنه بعض الناس فإن اللفظ لا يدل على ذلك والمعنى لا يناسبه فإن المراد ذمهم على ذلك لا الإخبار بأن الله جعل فيهم من يعبد الطاغوت إذ مجرد الإخبار بهذا لاذم فيه لهم بخلاف جعله منهم القردة والخنازير فإن ذلك عقوبة منه لهم على ذنوبهم وذلك خزي لهم فعابهم بلعنة الله وعقوبته بالشرك الذي فيهم وهو عبادة الطاغوت
والرافضة فيهم من لعنة الله وعقوبته بالشرك ما يشبهونهم به من بعض الوجوه فإنه قد ثبت بالنقول المتواترة أن فيهم من يمسخ كما مسخ أولئك وقد صنف الحافظ أبو عبدالله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابا سماه النهي عن سب الأصحاب وما ورد فيه من الذم والعقاب وذكر فيه حكايات معروفة في ذلك وأعرف أنا حكايات أخرى لم يذكرها هو
وفيهم من الشرك والغلو ما ليس في سائر طوائف الأمة ولهذا أظهر ما يوجد الغلو في طائفتين في النصارى والرافضة ويوجد أيضا في طائفة ثالثة من أهل النسك والزهد والعبادة الذين يغلون في شيوخهم ويشركون بهم
فصل
وأما قوله عن أهل السنة: إنهم يقولون إن النبي ﷺ لم ينص على إمامة أحد وإنه مات عن غير وصية
فالجواب أن يقال ليس هذا قول جميعهم بل قد ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره من الأئمة. وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين عن الإمام أحمد إحداهما أنها ثبتت بالاختيار قال وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره
والثانية أنها ثبتت بالنص الخفى والإشارة قال وبهذا قال الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث وبكر من أخت عبدالواحد والبيهسية من الخوارج
وقال شيخه أبو عبد الله بن حامد فأما الدليل على استحقاق أبي بكر الخلافة دون غيره من أهل البيت والصحابة فمن كتاب الله وسنة نبيه
قال وقد اختلف أصحابنا في الخلافة هل أخذت من حيث النص أو الاستدلال فذهب طائفة من أصحابنا إلى ان ذلك بالنص وأنه ﷺ ذكر ذلك نصا وقطع البيان على عينه حتما ومن أصحابنا من قال إن ذلك بالاستدلال الجلي
قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص أخبار
من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم قال أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تريد الموت قال إن لم تجديني فأتى أبا بكر
وذكر له سياقا آخر وأحاديث أخر قال وذلك نص على إمامته قال وحديث سفيان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر
قال وأسند البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعة ضعف والله يغفر له ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا يفرى فرية حتى ضرب الناس بعطن قال وذلك نص في الإمامة قال ويدل عليه ما أخبرنا أبو بكر بن مالك وروى عن مسند أحمد عن حماد ابن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ يوما أيكم رأى رؤيا فقلت أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانا دلي من السماء فوزنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان فقال النبي ﷺ خلافة نبوة ثم يؤتى الله الملك لمن يشاء
قال وأسند أبو داود عن جابر الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما نوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه
قال ومن ذلك حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الذي بدىء به فيه فقال ادعى لي أباك وآخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا ثم قال يأبي الله والمسلمون إلا أبا بكر وفي لفظ فلا يطمع في هذا الأمر طامع وهذا الحديث في الصحيحين
ورواه من طريق أبي داود الطيالسي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله ﷺ قال ادعى لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر وذكر أحاديث تقديمه في الصلاة وأحاديث أخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته
وقال أبو محمد بن حزم في كتابه في الملل والنحل اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله ﷺ فقالت طائفة إن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا ثم اختلفوا فقال بعضهم لكن لما استخلف أبا بكر على الصلاة كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإمامة والخلافة على الأمر وقال بعضهم لا ولكن كان أبنهم فضلا فقدموه لذلك
وقالت طائفة بل نص رسول الله ﷺ على استخلاف أبي بكر بعده على أمور الناس نصا جليا
قال أبو محمد وبهذا نقول لبراهين أحدها إطباق الناس كلهم وهم الذين قال الله فيهم للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون سورة الحشر فقد اتفق هؤلاء الذين شهد الله لهم بالصدق وجميع إخوانهم من الأنصار رضي الله عنهم على أن سموه خليفة رسول الله ﷺ
ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو لا يجوز غير هذا ألبتة في اللغة بلا خلاف 3 تقول استخلف فلان فلانا يستخلفه فهو خليفة ومستخلفه فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يقل إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف
قال ومحال أن يعنوا بذلك الاستخلاف على الصلاة لوجهين ضرورين أحدهما أنه لم يستحق أبو بكر قط هذا الاسم على الإطلاق في حياة رسول الله ﷺ وهو حينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة
والثاني أن كل من استخلفه رسول الله ﷺ في حياته كعلي في غزوة تبوك وابن أم مكتوم في غزوة الخندق وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع وسائر من استخلفه على البلاد باليمن والبحرين والطائف وغيرها لم يستحق أحد منهم قط بلا خلاف بين أحد من الأمة أن يسمى خليفة رسول الله ﷺ فصح يقينا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها الخلافة بعده على أمته
ومن المحال أن يجمعوا على ذلك وهو لم يستخلفه نصا ولو لم يكن ههنا إلا استخلافه في الصلاة لم يكن أبو بكر أولى بهذه التسمية من سائر من ذكرنا قال وأيضا فإن الرواية قد صحت أن امرأة قالت يا رسول الله أرأيت إن رجعت فلم أجدك كأنها تعنى الموت قال فأتى أبا بكر قال وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر
قال وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله ﷺ قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا يقول قائل أنا أحق أو يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
وروى ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر وروى أيضا ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر قال فهذا نص جلي على استخلافه ﷺ أبا بكر على ولاية الأمة بعده
قال واحتج من قال لم يستخلف أبا بكر بالخبر المأثور عن عبد الله ابن عمر عن عمر أنه قال إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإلا استخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ وبما روى عن عائشة رضي الله عنها إذ سئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف قال ومن المحال أن يعارض إجماع الصحابة الذي ذكرنا عنهم والأثران الصحيحان المسندان إلى رسول الله ﷺ من لفظه بمثل هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة رضي الله عنهما مما لا تقوم به حجة ظاهرة من أن هذا الأثر خفي على عمر كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله ﷺ كالاستئذان وغيره أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب ونحن نقر أن استخلاف أبي بكر لم يكن بعهد مكتوب
وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك أيضا وقد يخرج كلاهما على سؤال سائل وإنما الحجة في روايتهما لا في قولهما
قلت والكلام في تثبيت خلافة أبي بكر وغيره مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا البيان لكلام الناس في خلافته هل حصل عليها نص جلي أو نص خفي وهل ثبتت بذلك أو بالاختيار من أهل الحل والعقد
فقد تبين أن كثيرا من السلف والخلف قالوا فيها بالنص الجلي أو الخفي وحينئذ فقد بطل قدح الرافضي في أهل السنة بقوله إنهم يقولون إن النبي ﷺ لم ينص على إمامة أحد وأنه مات من غير وصية وذلك أن هذا القول لم يقله جميعهم فإن كان حقا فقد قاله بعضهم وإن كان الحق هو نقيضه فقد قال بعضهم ذلك فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل السنة
وأيضا فلو قدر أن القول بالنص هو الحق لم يكن في ذلك حجة للشيعة فإن الراوندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي
قال القاضي أبو يعلى وغيره واختلف الرواندية فذهب جماعة منهم إلى أن النبي ﷺ نص على العباس بعينه واسمه وأعلن ذلك وكشفه وصرح به وأن الأمة جحدت هذا النص وارتدت وخالفت أمر النبي ﷺ عنادا ومنهم من قال إن النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة يعني هو نص خفي
فهذان قولان للرواندية كالقولين للشيعة فإن الإمامية تقول إنه نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق التصريح والتسمية بأن هذا هو الإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا والزيدية تخالفهم في هذا
ثم من الزيدية من يقول إنما نص عليه بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه وأنت منى بمنزلة هارون من موسى وأمثال ذلك من النص الخفي الذي يحتاج إلى تأمل لمعناه وحكى عن الجارودية من الزيدية أن النبي ﷺ نص على علي بصفة لم تكن توجد إلا فيه لا من جهة التسمية
فدعوى الرواندية في النص من جنس دعوى الرافضة وقد ذكر في الإمامية أقوال أخر
قال أبو محمد بن حزم اختلف القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا في صليبة قريش فقالت طائفة هي جائزة في جميع ولد فهر بن مالك بن النضر وهذا قول أهل السنة وجمهور المرجئة وبعض المعتزلة
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس بن عبد المطلب وهم الرواندية
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد على بن أبي طالب
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد جعفر بن أبي طالب ثم قصروها على عبدالله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وبلغنا عن بعض بني الحارث بن عبد المطلب أنه كان يقول لا تجوز الخلافة إلا لبني عبد المطلب خاصة ويراها في جميع ولد عبد المطلب وهم أبو طالب وأبو لهب والعباس والحارث
قال وبلغنا عن رجل كان بالأردن يقول لا تجوز الخلافة إلا في بني عبد شمس وكان له في ذلك تأليف مجموع
قال ورأينا كتابا مؤلفا لرجل من ولد عمر بن الخطاب يحتج فيه أن الخلافة لا تجوز إلا في ولد أبي بكر وعمر خاصة وسيأتي تمام الكلام على تنازع الناس في الإمامة إن شاء الله تعالى
والمقصود هنا أن أقوال الرافضة معارضة بنظيرها فإن دعواهم النص على علي كدعوى أولئك النص على العباس وكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار ولم يقل أحد من أهل العلم شيئا من هذين القولين وإنما ابتدعهما أهل الكذب كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه ولهذا لم يكن أهل الدين من ولد العباس وعلي يدعوان هذا ولا هذا بخلاف النص على أبي بكر فإن القائلين به طائفة من أهل العلم وسنذكر إن شاء الله تعالى فصل الخطاب في هذا الباب
لكن المقصود أن لهم أدلة وحججا من جنس أدلة المستدلين في موارد النزاع ويكفيك أن أضعف ما استدلوا به استدلالهم بتسميته خليفة رسول الله ﷺ فإنه قد تقدم أن القائلين بالنص على أبي بكر منهم من قال بالنص الخفي ومنهم من قال بالنص الجلي
وأيضا فقد روى ابن بطة بإسناده قال حدثنا أبو الحسن بن أسلم الكاتب حدثنا الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المبارك بن فضالة أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر فقال أو في شك صاحبك نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه لهو أتقى من أن يتوثب عليها قال ابن المبارك استخلافه هو أمره أن يصلى بالناس وكان هذا عند الحسن استخلافا
قال وأنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سليم حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال ولينا أبو بكر فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا قال وسمعت معاوية بن قرة يقول إن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر
ثم القائلون بالنص على أبي بكر من قال بالنص الجلي واستدلوا على ذلك باتفاق الصحابة على تسميته خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره واعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن النبي ﷺ استخلف على أمته
والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهو فعيل بمعنى فاعل كما يقال خلف فلان فلانا كما قال النبي ﷺ في الصحيحين من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وفي الحديث الآخر اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم أصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا
وقال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات سورة الأنعام 165 وقال تعالى ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون سورة يونس 14 وقال تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة سورة البقرة 30 وقال يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق سورة ص 26 أي خليفة عمن قبلك من الخلق ليس المراد أنه خليفة عن الله وأنه من الله كإنسان العين من العين كما يقول ذلك بعض الملحدين القائلين بالحلول والاتحاد كصاحب الفتوحات المكية وأنه الجامع لأسماء الله الحسنى وفسروا بذلك قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها سورة البقرة 31 وأنه مثل الله الذي نفى عنه الشبه بقوله ليس كمثله شيء سورة الشورى 11 إلى أمثال هذه المقالات التي فيها من تحريف المنقول وفساد المعقول ما ليس هذا موضع بسطه
والمقصود هنا أن الله لا يخلفه غيره فإن الخلافة إنما تكون عن غائب وهو سبحانه شهيد مدبر لخلقه لا يحتاج في تدبيرهم إلى غيره وهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات جميعا بل هو سبحانه يخلف عبده المؤمن إذا غاب عن أهله ويروى أنه قيل لأبي بكر يا خليفة الله فقال بل أنا خليفة رسول الله وحسبي ذاك
وقالت طائفة بل ثبتت بالنص المذكور في الأحاديث التي تقدم إيراد بعضها مثل قوله في الحديث الصحيح لما جاءته المرأة تسأله عن أمر فقالت أرأيت إن لم أجدك كأنها تعني الموت فقال ائتي أبا بكر ومثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح لعائشة رضي الله عنها ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس بعدي ثم قال يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر
ومثله قوله في الحديث الصحيح رأيت كأني على قليب أنزع منها فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن
ومثل قوله مروا أبا بكر فليصل بالناس وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ من يوم الخميس إلى يوم الخميس إلى يوم الاثنين وخرج النبي ﷺ مرة فصلى بهم جالسا وبقي أبو بكر يصلي بأمره سائر الصلوات وكشف الستارة يوم مات وهم يصلون خلف أبي بكر فسر بذلك وقد قيل إن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ كانت خلف أبي بكر وقيل ليس كذلك
ومثل قوله في الحديث الصحيح على منبره لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر
وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم من رأى منكم رؤيا فقال رجل أنا رأيت كأن ميزان نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ثم وزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان فرأيت الكراهية في وجه النبي ﷺ
ورواه أيضا من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكر مثله ولم يذكر الكراهية فاستاء لها النبي ﷺ يعني ساءه فقال خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء فبين النبي ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة ثم بعد ذلك ملك وليس فيه ذكر علي لأنه لم يجتمع الناس في زمانه بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك
وروى أبو داود أيضا من حديث ابن شهاب عن عمرو بن أبان عن جابر أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال أرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه
وروى أبو داود أيضا من حديث حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن عن أبيه عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن دلوا أدلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت فانتضح عليه منها شيء
وعن سعيد بن جهمان عن سفينة قال قال رسول الله ﷺ خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء أو قال الملك قال سعيد قال لي سفينة أمسك مدة أبي بكر سنتان وعمر عشر وعثمان اثنتا عشرة وعلي كذا قال سعيد قلت لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن عليا لم يكن بخليفة قال كذبت أستاه بني الزرقاء يعني بني مروان وأمثال
هذه الأحاديث ونحوها مما يستدل بها من قال إن خلافته ثبتت بالنص والمقصود هنا أن كثيرا من أهل السنة يقولون أن خلافته ثبتت بالنص وهم يسندون ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من يقول إن خلافة علي أو العباس ثبتت بالنص فإن هؤلاء ليس معهم إلا مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل من كان عارفا بأحوال الإسلام أو استدلال بألفاظ لا تدل على ذلك كحديث استخلافه في غزوة تبوك ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى
فيقال لهذا إن وجب أن يكون الخليفة منصوصا عليه كان القول بهذا النص أولى من القول بذاك وإن لم يجب هذا بطل ذاك
والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول من جهة المرض أو هو قول يجب اتباعه ترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر رضي الله عنه
فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه النبي ﷺ بيانا قاطعا للعذر لكن لما دلتهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود والأحكام يبينها ﷺ تارة بصيغة عاصة وتارة الصيغة خاصة ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر رواه البخاري ومسلم
وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين والأنصار أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك منهم منكر ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ولم يقل قط أحد من الصحابة إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر رضي الله عنه لا على العباس ولا على علي ولا على غيرهما ولا ادعى العباس ولا علي ولا أحد ممن يحبهما الخلافة لواحد منهما ولا أنه منصوص عليه بل ولا قال أحد من الصحابة إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر لا من بني هاشم ولا من غير بني هاشم وهذا كله مما يعلمه العلماء العالمون بالآثار والسنن والحديث وهو معلوم عندهم بالاضطرار
وقد نقل عن بعض بني عبد مناف مثل أبي سفيان وخالد بن سعيد أنهم أرادوا أن لا تكون الخلافة إلا في بني عبد مناف وأنهم ذكروا ذلك لعثمان وعلي فلم يلتفتا إلى من قال ذلك لعلمهما وعلم سائر المسلمين أنه ليس في القوم مثل أبي بكر
ففي الجملة جميع من نقل عنه من الأنصار وبني عبد مناف أنه طلب تولية غير أبي بكر لم يذكر حجة دينية شرعية ولا ذكر أن غير أبي بكر أحق وأفضل من أبي بكر وإنما نشأ كلامه عن حب لقومه وقبيلته وإرادة منه أن تكون الإمامة في قبيلته
ومعلوم أن مثل هذا ليس من الأدلة الشرعية ولا الطرق الدينية ولا هو مما أمر الله ورسوله المؤمنين باتباعه بل هو شعبة جاهلية ونوع عصبية للأنساب والقبائل وهذا مما بعث الله محمدا ﷺ بهجره وإبطاله
وفي الصحيح عنه أنه قال أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت والاستقاء بالنجوم
وفي المسند عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أمه ولا تكنوا
وفي السنن عنه أنه قال إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان مؤمن تقي وفاجر شقي
وأما كون الخلافة في قريش فلما كان هذا من شرعه ودينه كانت النصوص بذلك معروفة منقولة مأثورة يذكرها الصحابة بخلاف كون الخلافة في بطن من قريش أو غير قريش فإنه لم ينقل أحد من الصحابة فيه نصا بل ولا قال أحد إنه كان في قريش من هو أحق بالخلافة في دين الله وشرعه من أبي بكر
ومثل هذه الأمور كلما تدبرها العالم وتدبر النصوص الثابتة وسير الصحابة حصل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن قلبه أنه كان من الأمور المشهورة عند المسلمين أن أبا بكر مقدم على غيره وأنه كان عندهم أحق بخلافة النبوة وأن الأمر في ذلك بين ظاهر عندهم ليس فيه اشتباه عليهم ولهذا قال رسول الله ﷺ يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
ومعلوم أن هذا العلم الذي عندهم بفضله وتقدمه إنما استفادوه من النبي ﷺ بأمور سمعوها وعاينوها وحصل بها لهم من العلم ما علموا به أن الصديق أحق الأمة بخلافة نبيهم وأفضلهم عند نبيهم وأنه ليس فيهم من يشابهه حتى يحتاج في ذلك إلى مناظرة ولم يقل أحد من الصحابة قط إن عمر بن الخطاب أو عثمان أو عليا أو غيرهم أفضل من أبي بكر أو أحق بالخلافة منه وكيف يقولون ذلك وهم دائما يرون من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر على غيره وتفضيله له وتخصيصه بالتعظيم ما قد ظهر للخاص والعام حتى أن أعداء النبي ﷺ من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين يعلمون أن لأبي بكر من الاختصاص ما ليس لغيره كما ذكره أبو سفيان بن حرب يوم أحد قال أفي القوم محمد أفي القوم محمد ثلاثا ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة ثم قال أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب وكل ذلك يقول لهم النبي ﷺ لا تجيبوه أخرجاه في الصحيحين كما سيأتي ذكره بتمامه إن شاء الله تعالى حتى أني أعلم طائفة من حذاق المنافقين ممن يقول إن النبي ﷺ كان رجلا عاقلا أقام الرياسة بعقله وحذقه يقولون إن أبا بكر كان مباطنا له على ذلك يعلم أسراره على ذلك بخلاف عمر وعثمان وعلي
فقد ظهر لعامة الخلائق أن أبا بكر رضي الله عنه كان أخص الناس بمحمد ﷺ فهذا النبي وهذا صديقه فإذا كان محمد أفضل النبيين فصديقه أفضل الصديقين
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا
ولكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بهذا وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد
وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على ان الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه احقهم بالخلافة وأن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص
كما قال النبي ﷺ لما أراد أن يكتب لأبي بكر فقال لعائشة ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اخرجاه في الصحيحين وفي البخاري لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ويدفع الله ويأبى المؤمنون
فبين ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابا خوفا ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه والأمة حديثة عهد بنبيها وهم خير أمة أخرجت للناس وأفضل قرون هذه الأمة فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد وكلا الأمرين منتف فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون ولهذا قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر الصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغنى عن العهد فلا يحتاج إليه فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد
فصل
وأما قول الرافضي: إنهم يقولون إن الإمام بعد رسول الله ﷺ أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة
فيقال له
ليس هذا قول أئمة أهل السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم تنعقد ببيعة اثنين وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد فليست هذه أقوال أئمة السنة بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما
ولهذا قال أئمة السلف من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مالم يأمروا بمعصية الله فالإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه ولهذا لما بويع علي رضي الله عنه وصار معه شوكة صار إماما
ولو كان جماعة في سفر فالسنة أن يؤمروا أحدهم كما قال النبي ﷺ لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أن يؤمروا واحدا منهم فإذا أمره أهل القدرة منهم صار أميرا فكون الرجل أميرا وقاضيا وواليا وغير ذلك من الأمور التي مبناها على القدرة والسلطان متى حصل ما يحصل به من القدرة والسلطان حصلت وإلا فلا إذ المقصود بها عمل أعمال لا تحصل إلا بقدرة فمتى حصلت القدرة التي بها يمكن تلك الأعمال كانت حاصلة وإلا فلا
وهذا مثل كون الرجل راعيا للماشية متى سلمت إليه بحيث يقدر أن يرعاها كان راعيا لها وإلا فلا فلا عمل إلا بقدرة عليه فمن لم يحصل له القدرة على العمل لم يكن عاملا
والقدرة على سياسة الناس إما بطاعتهم له وإما بقهره لهم فمتى صار قادرا على سياستهم بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة الله
ولهذا قال أحمد في رسالة عبدوس بن مالك العطار أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ إلى أن قال ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجرا
وقال في رواية إسحاق بن منصور وقد سئل عن حديث النبي ﷺ من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ما معناه فقال تدري ما الإمام الإمام الذي يجمع عليه المسلمون كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه والكلام هنا في مقامين
أحدهما في كون أبي بكر كان هو المستحق للإمامة وأن مبايعتهم له مما يحبه الله ورسوله فهذا ثابت بالنصوص والإجماع
والثاني أنه متى صار إماما فذلك بمبايعة أهل القدرة له وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز
فالحل والحرمة متعلق بالأفعال وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين
ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماما بذلك وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك
فمن قال إنه يصير إماما بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط كما أن من ظن أن تخلف الواحد او الاثنين والعشرة يضره فقد غلط
وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب فجمهور الذين بايعوا رسول الله ﷺ هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة فلا بد في كل بيعة من سابق ولو قدر أن بعض الناس كان كارها للبيعة لم يقدح ذلك في مقصودها فإن نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة الشرعية الدالة على أنه أحقهم بها ومع قيام الأدلة الشرعية لا يضر من خالفها ونفس حصولها ووجودها ثابت بحصول القدرة والسلطان بمطاوعة ذوي الشوكة
فالدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب سورة الحديد 253
فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه والسيف ينصر ذلك ويؤيده
وأبو بكر ثبت بالكتاب والسنة إن الله أمر بمبايعته والذين بايعوه كانوا أهل السيف المطيعين لله في ذلك فانعقدت خلافة النبوة في حقه بالكتاب والحديد
وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إماما لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم له
وأما قوله: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم
فيقال أيضا
عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ولم يتخلف عن بيعته أحد
قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما وإلا فلو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما
ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولى أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمراء الأنصار وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها
ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد
ابن حنبل والدارقطني وغيرهم من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم
وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له
فتخصيصه عليا بمبايعة الخلق له دون أبي بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي رضي الله عنه وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم مما اتفقوا على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا عليا فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة بعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام
وأما علي رضي الله عنه فإنه بويع عقيب قتل عثمان رضي الله عنه والقلوب مضطربة مختلفة وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضارا حتى قال من قال إنهم جاءوا به مكرها وأنه قال بايعت واللج أي السيف على قفى
وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما قتلوا عثمان وماج الناس لقتله موجا عظيما وكثير من الصحابة لم يبايع عليا كعبدالله بن عمر وأمثاله وكان الناس معه ثلاثة أصناف صنف قاتلوا معه وصنف قاتلوه وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له ولا يقال مثل ذلك في مبايعة الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد بل بايعهم الناس كلهم لا سيما عثمان
وأما أبو بكر فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه للإمارة فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر ولكن هو مع هذا رضي الله عنه لم يعارض ولم يدفع حقا ولا أعان على باطل بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسند الصديق عن عفان عن أبي عوانه عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري فذكر حديث السقيفة وفيه أن الصديق قال ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء فهذا مرسل حسن ولعل حميدا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جدا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضى الله عنهم أجمعين
ولهذا أضطرب الناس في خلافة علي على اقوال
فقالت طائفة إنه إمام وإن معاوية إمام وإنه يجوز نصب إمامين في وقت إذا لم يمكن الاجتماع على إمام واحد وهذا يحكى عن الكرامية وغيرهم
وقالت طائفة لم يكن في ذلك الزمان أمام عام بل كان زمان فتنة وهذا قول طائفة من أهل الحديث البصريين وغيرهم ولهذا لما أظهر الإمام أحمد التربيع بعلي في الخلافة وقال من لم يربح بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله أنكر ذلك طائفة من هؤلاء وقالوا قد أنكر خلافته من لا يقال هو أضل من حمار أهله يريدون من تخلف عنها من الصحابة واحتج أحمد وغيره على خلافة علي بحديث سفينة عن النبي ﷺ تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا وهذا الحديث قد رواه أهل السنن كأبي داود وغيره
وقالت طائفة ثالثة بل علي هو الإمام وهو مصيب في قتاله لمن قاتله وكذلك من قاتله من الصحابة كطلحة والزبير كلهم مجتهدون مصيبون وهذا قول من يقول كل مجتهد مصيب كقول البصريين من المعتزلة أبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم ومن وافقهم من الأشعرية كالقاضي أبي بكر وأبي حامد وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري وهؤلاء ايضا يجعلون معاوية مجتهدا مصيبا في قتاله كما أن عليا مصيب
وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ذكره أبو عبد الله ابن حامد ذكر لأصحاب أحمد في المقتتلين يوم الجمل وصفين ثلاثة أوجه أحدها كلاهما مصيب والثاني المصيب واحد لا بعينه والثالث أن عليا هو المصيب ومن خالفه مخطىء والمنصوص عن أحمد وأئمة السلف أنه لا يذم أحد منهم وأن عليا أولى بالحق من غيره أما تصويب القتال فليس هو قول أئمة السنة بل هم يقولون إن تركه كان أولى
وطائفة رابعة تجعل عليا هو الإمام وكان مجتهدا مصيبا في القتال ومن قاتله كانوا مجتهدين مخطئين وهذا قول كثير من أهل الرأي والكلام من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم
وطائفة خامسة تقول إن عليا مع كونه كان خليفة وهو أقرب إلى الحق من معاوية فكان ترك القتال أولى وينبغي الإمساك عن القتال لهؤلاء وهؤلاء فإن النبي ﷺ قال ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال عن الحسن إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فأثنى على الحسن بالإصلاح ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لما مدح تاركه
قالوا وقتال البغاة لم يأمر الله به ابتداء ولم يأمر بقتال كل باغ بل قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصحلوا بينهما فإن بغث إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله سورة الحجرات 9 فأمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم فإن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت
قالوا ولهذا لم يحصل بالقتال مصلحة والأمر الذي يأمر الله به لا بد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد أنبأنا هشام عن محمد يعني ابن سيرين قال قال حذيفة ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تضرك الفتنة
قال أبو داود حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال دخلنا على حذيفة فقال إني لأعرف رجلا لا تضره الفتن شيئا قال فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك فقال ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تجلى عما انجلت
فهذا الحديث يبين أن النبي ﷺ أخبر أن محمد بن مسلمة لا تضره الفتنة وهو ممن اعتزل في القتال فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية كما اعتزل سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله ابن عمر وأبو بكرة وعمران بن حصين وأكثر السابقين الأولين
وهذا يدل على أنه ليس هناك قتال واجب ولا مستحب إذ لو كان كذلك لم يكن ترك ذلك مما يمدح به الرجل بل كان من فعل الواجب أو المستجب أفضل ممن تركه ودل ذلك على أن القتال قتال فتنة
كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي والساعي خير من الموضع وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين أن ترك القتال كان خيرا من فعله من الجانبين وعلى هذا جمهور أئمة أهل الحديث والسنة وهذا مذهب مالك والثوري وأحمد وغيرهم وهذه أقوال من يحسن القول في علي وطلحة والزبير ومعاوية ومن سوى هؤلاء من الخوارج والروافض والمعتزلة فمقالاتهم في الصحابة لون آخر فالخوارج تكفر عليا وعثمان ومن والاهما والروافض تكفر جمهور الصحابة كالثلاثة ومن والاهم وتفسقهم ويكفرون من قاتل عليا ويقولون هو إمام معصوم وطائفة من المروانيه تفسقه وتقول إنه ظالم معتد وطائفة من المعتزلة تقول قد فسق إما هو وإما من قاتله لكن لا يعلم عينه وطائفة أخرى منهم تفسق معاوية وعمرا دون طلحة والزبير وعائشة والمقصود أن الخلاف في خلافة علي وحروبه كثير منتشر بين السلف والخلف فكيف تكون مبايعة الخلق له أعظم من مبايعتهم للثلاثة قبله رضي الله عنهم أجمعين
فإن قال أردت بقولي أن أهل السنة يقولون إن خلافتة انعقدت بمبايعة الخلق له لا بالنص، فلا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون إن النص على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله خلافة النبوة ثلاثون سنة فهم يروون النصوص الكثيرة في صحة خلافة غيره
وهذا أمر معلوم عند أهل العلم بالحديث يروون في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي فإن نصوصها قليلة فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم فحصل بهم مقصود الإمامة وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار وخلافة علي لم يقاتل فيها كفار ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة
وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الراوندية على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم ولو لم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره وأما قوله
ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الإمام بعده الحسن وبعضهم قال إنه معاوية
فيقال: أهل السنة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون أن الحسن بايعه أهل العراق مكان أبيه وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك
وقوله: ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس
فيقال: أهل السنة لا يقولون إن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب أن يولى دون من سواه ولا يقولون إنه تجب طاعته في كل ما يأمر به بل أهل السنة يخبرون بالواقع ويأمرون بالواجب فيشهدون بما وقع ويأمرون بما أمر الله ورسوله فيقولون هؤلاء هم الذين تولوا وكان لهم سلطان وقدرة يقدرون بها على مقاصد الولاية من إقامة الحدود وقسم الأموال وتولية الولايات وجهادالعدو وإقامة الحج والأعياد والجمع وغير ذلك من مقاصد الولايات
ويقولون إن الواحد من هؤلاء ونوابهم وغيرهم لا يجوز أن يطاع في معصية الله بل يشارك فيما يفعله من طاعة الله فيغزى معه الكفار ويصلي معه الجمعة والعيدان ويحج معه ويعاون في إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك فيعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان
ويقولون إنه قد تولى غير هؤلاء تولى بالغرب طائفة من بني أمية وطائفة من بني علي ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم كما يقال ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة قال يؤمن بها السبيل ويقام به الحدود ويجاهد به العدو ويقسم بها الفيء ذكره علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية
وكل من تولى كان خيرا من المعدوم المنتظر الذي تقول الرافضة إنه الخلف الحجة فإن هذا لم يحصل بإمامته شيء من المصلحة لا في الدنيا ولا في الدين أصلا فلا فائدة في إمامته إلا الاعتقادات الفاسدة والأماني الكاذبة والفتن بين الأمة وانتظار من لا يجيء فتطوى الأعمار ولم يحصل من فائدة هذه الإمامة شيء
والناس لا يمكنهم بقاء أيام قليلة بلا ولاة أمور بل كانت تفسد امورهم فكيف تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إلا من لا يعرف ولا يدري ما يقول ولا يقدر على شيء من أمور الإمامة بل هو معدوم
وأما آباؤه فلم يكن لهم قدرة ولا سلطان الإمامة بل كان لأهل العلم والدين منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث والفتيا ونحو ذلك لم يكن لهم سلطان الشوكة فكانوا عاجزين عن الإمامة سواء كانوا أولى بالإمامة أو لم يكونوا أولى
فبكل حال ما مكنوا ولا كان ولوا يحصل لهم المطلوب من الولاية لعدم القدرة والسلطان ولو أطاعهم المؤمن لم يحصل له بطاعتهم المصالح التي تحصل بطاعة الأئمة من جهاد الأعداء وإيصال الحقوق إلى مستحقيها أو بعضهم وإقامة الحدود
فإن قال القائل إن الواحد من هؤلاء أو من غيرهم إمام أي ذو سلطان وقدرة يحصل بهما مقاصد الإمامة كان هذا مكابرة للحس ولو كان ذلك كذلك لم يكن هناك متول يزاحمهم ولا يستبد بالأمر دونهم وهذا لا يقوله أحد
وإن قال إنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين كانوا يجب أن يولوا وأن الناس عصوا بترك توليتهم فهذا بمنزلة أن يقال فلان كان يستحق أن يولى إمامة الصلاة وأن يولى القضاء ولكن لم يول ظلما وعدوانا ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه وقد كان عمر ابن عبد العزيز يختار أن يولي القاسم بن محمد بعده لكنه لم يطق ذلك لأن أهل الشوكة لم يكونوا موافقين على ذلك ولأنه كان قد عقد العهد معه ليزيد بن عبد الملك بعده فكان يزيد هو ولي العهد
وحنيئذ فأهل الشوكة الذين قدموا المرجوح وتركوا الراجح أو الذي تولى بقوته وقوة أتباعه ظلما وبغيا يكون إثم هذه الولاية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله أو أعان على الظلم وأما من لم يظلم ولا أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس عليه في هذا شئ
ومعلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر والتقوى لا يعاونونهم على الإثم والعدوان فيصير هذا بمنزلة الإمام الذي يجب تقديمه في الشرع لكونه أقرأ وأعلم بالسنة أو أقدم هجرة وسنا إذا قدم ذو الشوكة من هو دونه فالمصلون خلفه الذين لا يمكنهم الصلاة إلا خلفه أي ذنب لهم في ذلك
وكذلك الحاكم الجاهل أو الظالم أو المفضول إذا طلب المظلوم منه أن ينصفه ويحكم له بحقه فيحبس له غريمه أو يقسم له ميراثه أو يزوجه بأيم لا ولي لها غير السلطان أو نحو ذلك فأي شئ عليه من إثمه أو إثم من ولاه وهو لم يستعن به إلا على حق لا على باطل
وقد قال تعالى فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن : 16 وقال النبي ﷺ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم رواه البخاري ومسلم
ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان
وأهل السنة يقولون ينبغي أن يولي الأصلح للولاية إذا أمكن إما وجوبا عند أكثرهم وإما استحبابا عند بعضهم وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور
ويقولون من تولى فإنه يستعان به على طاعة الله بحسب الإمكان ولا يعان إلا على طاعة الله ولا يستعان به على معصية الله ولا يعان على معصية الله
أفليس قول أهل السنة في الإمامة خيرا من قول من يأمر بطاعة معدوم أو عاجز لا يمكنه الإعانة المطلوبة من الأئمة
ولهذا كانت الرافضة لما عدلت عن مذهب أهل السنة في معاونة أئمة المسلمين والاستعانة بهم دخلوا في معاونة الكفار والاستعانة بهم فهم يدعون إلى الإمام المعصوم ولا يعرف لهم إمام موجود يأتمون به إلا كفور أو ظلوم فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء الله رجال الغيب ولا رجال عنده إلا أهل الكذب والمكر الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله أو الجن أو الشياطين الذين يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية فلو قدر أن ما تدعيه الرافضة من النص هو حق موجود وأن الناس لم يولوا المنصوص عليه لكانوا قد تركوا من يجب توليته وولوا غيره وحينئذ فالإمام الذي قام بمقصود الإمامة هو هذا المولى دون ذلك الممنوع المقهور نعم ذلك يستحق أن يولي لكن ما ولى فالإثم على من ضيع حقه وعدل عنه لا على من لم يضيع حقه ولم يعتد
وهم يقولون إن الإمام وجب نصبه لأنه لطف ومصلحة للعباد فإذا كان الله ورسوله يعلم أن الناس لا يولون هذا المعين إذا أمروا بولايته كان أمرهم بولاية من يولونه وينتفعون بولايته أولى من أمرهم بولاية من لا يولونه ولا ينتفعون بولايته كما قيل في إمامة الصلاة والقضاء وغير ذلك فكيف إذا كان ما يدعونه من النص من أعظم الكذب والافتراء
والنبي ﷺ قد أخبر أمته بما سيكون وما يقع بعده من التفرق فإذا نص لأمته على إمامة شخص يعلم أنهم لا يولونه بل يعدلون عنه ويولون غيره يحصل لهم بولايته مقاصد الولاية وأنه إذا أفضت النوبة إلى المنصوص حصل من سفك دماء الأمة ما لم يحصل قبل ذلك ولم يحصل من مقاصد الولاية ما حصل بغير المنصوص كان الواجب العدول عن المنصوص مثال ذلك أن ولى الأمر إذا كان عنده شخصان ويعلم أنه إن ولى أحدهما أطيع وفتح البلاد وأقام الجهاد وقهر الأعداء وأنه إذا ولى الآخر لم يطع ولم يفتح شيئا من البلاد بل يقع في الرعية الفتنة والفساد كان من المعلوم لكل عاقل أنه ينبغي أن يولي من يعلم أنه إذا ولاه حصل به الخير والمنفعة لا من إذا ولاه لم يطع وحصل بينه وبين الرعية الحرب والفتنة فكيف مع علم الله ورسوله بحال ولاية الثلاثة وما حصل فيها من مصالح الأمة في دينها ودنياها لا ينص عليها وينص على ولاية من لا يطاع بل يحارب ويقاتل حتى لا يمكنه قهر الأعداء ولا إصلاح الاولياء وهل يكون من ينص على ولاية هذا دون ذاك إلا جاهلا إن لم يعلم الحال أو ظالما مفسدا إن علم ونص
والله ورسوله بريء من الجهل والظلم وهم يضيفون إلى الله ورسوله العدول عما فيه مصلحة العباد إلى ما ليس فيه إلا الفساد
واذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم له لا من تقصيره
قيل أفليس ولاية من يطيعونه فتحصل المصلحة أولى من ولاية من يعصونه فلا تحصل المصلحة بل المفسدة
ولو كان للرجل ولد وهناك مؤدبان إذا أسلمه إلى أحدهما تأدب وتعلم وإذا أسلمه إلى الآخر فر وهرب أفليس إسلامه إلى ذاك أولى ولو قدر أن ذاك أفضل فأي منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة لنفوره عنه
ولو خطب المرأة رجلان أحدهما أفضل من الأخر لكن المرأة تكرهه وإن زوجت به لم تطعه بل تخاصمه وتؤذيه فلا تنتفع به ولا ينتفع هو بها والآخر تحبه ويحبها ويحصل به مقاصد النكاح أفليس تزويجها بهذا المفضول أولى باتفاق العقلاء ونص من ينص على تزويجها بهذا المفضول أولى من النص على تزويجها بهذا
فكيف يضاف إلى الله ورسوله ما لا يرضاه إلا جاهل أو ظالم
وهذا ونحوه مما يعلم به بطلان النص بتقدير أن يكون علي هو الأفضل الأحق بالأمر لكن لا يحصل بولايته إلا ما حصل وغيره ظالما يحصل به ما حصل من المصالح فكيف إذا لم يكن الأمر كذلك لا في هذا ولا في هذا فقول أهل السنة خبر صادق وقول حكيم وقول الرافضة خبر كاذب وقول سفيه فأهل السنة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذو السلطان الموجود الذي له القدرة على عمل مقصود الولاية كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلى بالناس وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهو لا يصلي بأحد لكن هذا ينبغي أن يكون إماما والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هو الإمام لا يخفى إلا على الطغام
ويقولون إنه يعاون على البر والتقوى دون الإثم والعدوان ويطاع في طاعة الله دون معصيته ولا يخرج عليه بالسيف وأحاديث النبي ﷺ إنما تدل على هذا كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية وفي لفظ أنه من فارق الجماعة شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من الأمير لم يخص بذلك سلطانا معينا ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه فذم الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة وجعل ذلك ميتة جاهلية لأن أهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم
والنبي ﷺ دائما يأمر بإقامة رأس حتى أمر بذلك في السفر إذا كانوا ثلاثة فأمر بالإمارة في أقل عدد وأقصر اجتماع
وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت فهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك
وفي لفظ آخر قلت وهل وراء ذلك الخير من شر قال نعم قلت كيف قال يكون بعدي آئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع
وهذا جاء مفسرا في حديث آخر عن حذيفة قال عن الخير الثاني صلح على دخن وجماعة على اقذاء فيها وقلوب لا ترجع إلى ما كانت عليه
فكان الخير الأول النبوة وخلافة النبوة التي لاقته فيها وكان الشر ما حصل من الفتنة بقتل عثمان وتفرق الناس حتى صار حالهم شبيها بحال الجاهلية يقتل بعضهم بعضا
ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية فبين أنهم جعلوا هذا غير مضمون كما أن ما يصيبه أهل الجاهلية بعضهم من بعض غير مضمون لأن الضمان إنما يكون مع العلم بالتحريم فأما مع الجهل بالتحريم كحال الكفار والمرتدين والمتأولين من أهل القبلة فالضمان منتف
ولهذا لم يضمن النبي ﷺ أسامة بن زيد دم المقتول الذي قتله متأولا مع قوله أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله أقتلتله بعد أن قال لا إله إلا الله ولهذا لا تقام الحدود إلا على من علم التحريم
والخير الثاني اجتماع الناس لما اصطلح الحسن ومعاوية لكن كان صلحا على دخن وجماعة على أقذاء فكان في النفوس ما فيها أخبر رسول الله ﷺ بما هو الواقع
وحذيفة حدث بهذا في خلافة عمر وعثمان قبل الفتنة فإنه لما بلغه مقتل عثمان علم أن الفتنة قد جاءت فمات بعد ذلك بأربعين يوما قبل الاقتتال
وهو ﷺ قد أخبر أنه بعد ذلك يقوم أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته وبقيام رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان سواء كان عادلا أو ظالما
وكذلك في الصحيح حديث ابن عمر عن النبي ﷺ من خلع يدا من طاعة إمام لقي الله يوم القيام لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية لكنه لا يطاع أحد في معصية الله. كما في الصحيح عن علي رضي الله عنه قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا ثم قال أوقدوا نارا فأوقدوا نارا ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وفي لفظ لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
وكذلك في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة
وعن كعب بن عجرة قال خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن معه تسعة خمسة وأربعة أحد العددين من العرب والآخر من العجم فقال اسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض رواه أحمد والنسائي وهذا لفظه والترمذي وقال حديث صحيح غريب
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان
وفي صحيح مسلم عن عرفجة بن شريح قال سمعت النبي ﷺ يقول إنه سيكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان وفي لفظ من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه وفي صحيح مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال سيكون امراء تعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ومن أنكر سلم ولكن من رضى وتابع قالوا أفلا ننابذهم قال لا ما صلوا
وفيه أيضا عن النبي ﷺ قال من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فلينكر ما يأتى من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة
قال الرافضي:
الفصل الثاني
في أن مذهب الإمامية واجب الإتباع
ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي ﷺ فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف ومذهب الإمامية واجب الإتباع لأربعة أوجه لأنه أحقها وأصدقها ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين
وهذا حكاية لفظه
قال الرافضي
إنه لما عمت البلية بموت النبي ﷺ واختلف الناس بعده وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا كما اختار عمر بن سعد ملك الري أياما يسيره لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه بأن من قتله في النار وإخباره بذلك في شعره حيث يقول
فو الله ما أدري وإني لصادق ... أفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والري منيتي ... أم اصبح مأثوما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الرى قرة عيني
وبعضهم اشتبه الأمر عليه ورأى لطالب الدنيا متابعا فقلده وبايعه وقصر في نظره فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر
وبعضهم قلد لقصور فطنته ورأى الجم الغفير فتابعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى وقليل ماهم سورة ص 24 وقليل من عبادي الشكور سورة سبأ 13
وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذي أعرضوا عن الدنيا وزينتها ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم
وحيث حصل للمسلمين هذه البلية وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف وأن يقر الحق مستقره ولا يظلم مستحقه فقد قال تعالى ألا لعنة الله على الظالمين سورة هود 1وإنما كان مذهب الإمامية واجب الإتباع لوجوه.
هذا لفظه
فيقال: إنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه وإما طالب للأمر بحق كعلي في زعمه وهذا كذب على علي رضي الله عنه وعلى أبي بكر رضي الله عنه فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا وإما مقلدا لقصوره في النظر
وذلك أن الإنسان يجب عليه أن يعرف الحق وأن يتبعه وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا هو الصراط الذي أمرنا الله أن نسأله هدايتنا إياه في كل صلاة بل في كل ركعة
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه استكبارا وحسدا وغلوا واتباعا للهوى وهذا هو الغي والنصارى ليس لهم علم بما يفعلونه من العبادة والزهد والأخلاق بل فيهم الجهل والغلو والبدع والشرك جهلا منهم وهذا هو الضلال وإن كان كل من الأمتين فيه ضلال وغي لكن الغي أغلب على اليهود والضلال أغلب على النصارى
ولهذا وصف الله اليهود بالكبر والحسد واتباع الهوى والغي وإرادة العلو في الأرض والفساد قال تعالى أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون سورة البقرة 87 وقال تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله سورة النساء 54 وقال سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا سورة الأعراف 146 وقال تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا سورة الإسراء ووصف النصارى بالشرك والضلال والغلو والبدع فقال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون سورة التوبة 31 وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل كثيرا وضلوا عن سواء السبيل سورة المائدة 77 وقال تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها سورة الحديد 27 وهذا مبسوط في غير هذا الموضع
وقد نزه الله نبيه عن الضلال والعي فقال والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى سورة النجم 1 3 فالضال الذي يعرف الحق والغاوي الذي يتبع هواه وقال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار سورة ص 45 فالأيدي القوة في طاعة الله والأبصار البصائر في الدين
وقال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
وإذا كان الصراط المستقيم لا بد فيه من العلم بالحق والعمل به وكلاهما واجب لا يكون الإنسان مفلحا ناجيا إلا بذلك وهذه الأمة خير الأمم وخيرها القرن الأول كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع والعمل الصالح
وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه كما يزعمونه في الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة والأمة وكثير منهم عندهم لا يعلم الحق بل اتبع الظالمين تقليدا لعدم نظرهم المفضى إلى العلم والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه
وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعنى عليا وهذا مما علمنا بالإضرار أنه لم يكن فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة بعد نبيها ليس فيها مهتد فتكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم لأنهم كانوا كما قال الله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون سورة الأعراف 157 وقد أخبر النبي ﷺ أن اليهود والنصارى
افترقت على اثنتين وسبعين فرقة فيها واحدة ناجية وهذه الأمة على موجب ما ذكر لم يكن فيهم بعد موت النبي ﷺ أمة تقوم بالحق ولا تعدل به
وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى فيلزم من ذلك أن يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون
فإن كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي ﷺ
من اختلاف الأمة فكيف بسائر ما ينقله ويستدل به
ونحن نبين فساد ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة فنقول
=============
منهاج السنة النبوية/7
بل كان الصحابة إذ رأوا أحدا بني مسجدا على قبر نهوه عن ذلك ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وتدفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به
وكان عمر بن الخطاب إذا رآهم يتناوبون مكانا يصلون فيه لكونه موضع نبي ينهاهم عن ذلك ويقول إنما هلك من كان قبلكم باتخاذ آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب
فهذا وأمثاله مما كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل الله به الرسول إليهم ويتبعون في ذلك سنته ﷺ
والإسلام مبني على أصلين أن لا تعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع
فالنصارى خرجوا عن الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم
وأيضا فإن النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون أيضا إن المسيح ابن الله
والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغاليتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح
والنصارى يقولون إن الدين مسلم للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه
والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه
وأما من دخل في غلوة الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم ويقولون إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك من المقالات التي هي من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم
فإن قيل ما وصفت به الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في كثير من المنتسبين إلى السنة فإن في كثير منهم غلوا في مشايخهم وإشراكا بهم وابتداعا لعبادات غير مشروعة وكثير منهم يقصد قبر من يحسن الظن به إما ليسأله حاجاته وإما ليسأله الله به حاجة وإما لظنه أن الدعاء عند قبره أجوب منه في المساجد ومنهم من يفضل زيارة قبور شيوخهم على الحج ومنهم من يجد عند قبر من يعظمه من الرقة والخشوع ما لا يجده في المساجد والبيوت وغير ذلك مما يوجد في الشيعة
ويروون أحاديث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قولهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه الله به وقولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم قبر فلان هو الترياق المجرب
ويروون عن بعض شيوخهم أنه قال لصاحبه إذا كان لك حاجة فتعال إلى قبري واستغث بي ونحو ذلك فإن في المشايخ من يفعل بعد مماته كما كان يفعل في حياته وقد يستغيث الشخص بواحد منهم فيتمثل له الشيطان في صورته إما حيا وإما ميتا وربما قضى حاجته أو قضى بعض حاجته كما يجري نحو ذلك للنصارى مع شيوخهم ولعباد الأصنام من العرب والهند والترك وغيرهم
قيل هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهى عنه سواء كان فاعله منتسبا إلى السنة أو إلى التشيع ولكن الأمور المذمومة المخالفة للكتاب والسنة في هذا وغيره هي في الرافضة أكثر منها في أهل السنة فما يوجد في أهل السنة من الشر ففي الرافضة أكثر منه وما يوجد في الرافضة من الخير ففي أهل السنة أكثر منه وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين فما يوجد في المسلمين شر إلا وفي أهل الكتاب أكثر منه ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي المسلمين أعظم منه
ولهذا يذكر سبحانه مناظرة الكفار من المشركين وأهل الكتاب بالعدل فإن ذكروا عيبا في المسلمين لم يبرئهم منه لكن يبين أن عيوب الكفار أعظم
كما قال تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ثم قال وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل سورة البقرة 21وهذه الآية نزلت لأن سرية من المسلمين ذكر أنهم قتلوا ابن الحضرمي في آخر يوم من رجب فعابهم المشركون بذلك فأنزل الله هذ الآية
وقال تعالى قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مئوية عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل سورة المائدة 59 60 أي من لعنه الله وجعل منهم الممسوخين وعبدة الطاغوت ف جعل معطوف على لعن ليس المراد وجعل منهم من عبد الطاغوت كما ظنه بعض الناس فإن اللفظ لا يدل على ذلك والمعنى لا يناسبه فإن المراد ذمهم على ذلك لا الإخبار بأن الله جعل فيهم من يعبد الطاغوت إذ مجرد الإخبار بهذا لاذم فيه لهم بخلاف جعله منهم القردة والخنازير فإن ذلك عقوبة منه لهم على ذنوبهم وذلك خزي لهم فعابهم بلعنة الله وعقوبته بالشرك الذي فيهم وهو عبادة الطاغوت
والرافضة فيهم من لعنة الله وعقوبته بالشرك ما يشبهونهم به من بعض الوجوه فإنه قد ثبت بالنقول المتواترة أن فيهم من يمسخ كما مسخ أولئك وقد صنف الحافظ أبو عبدالله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابا سماه النهي عن سب الأصحاب وما ورد فيه من الذم والعقاب وذكر فيه حكايات معروفة في ذلك وأعرف أنا حكايات أخرى لم يذكرها هو
وفيهم من الشرك والغلو ما ليس في سائر طوائف الأمة ولهذا أظهر ما يوجد الغلو في طائفتين في النصارى والرافضة ويوجد أيضا في طائفة ثالثة من أهل النسك والزهد والعبادة الذين يغلون في شيوخهم ويشركون بهم
فصل
وأما قوله عن أهل السنة: إنهم يقولون إن النبي ﷺ لم ينص على إمامة أحد وإنه مات عن غير وصية
فالجواب أن يقال ليس هذا قول جميعهم بل قد ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره من الأئمة. وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين عن الإمام أحمد إحداهما أنها ثبتت بالاختيار قال وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره
والثانية أنها ثبتت بالنص الخفى والإشارة قال وبهذا قال الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث وبكر من أخت عبدالواحد والبيهسية من الخوارج
وقال شيخه أبو عبد الله بن حامد فأما الدليل على استحقاق أبي بكر الخلافة دون غيره من أهل البيت والصحابة فمن كتاب الله وسنة نبيه
قال وقد اختلف أصحابنا في الخلافة هل أخذت من حيث النص أو الاستدلال فذهب طائفة من أصحابنا إلى ان ذلك بالنص وأنه ﷺ ذكر ذلك نصا وقطع البيان على عينه حتما ومن أصحابنا من قال إن ذلك بالاستدلال الجلي
قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص أخبار
من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم قال أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تريد الموت قال إن لم تجديني فأتى أبا بكر
وذكر له سياقا آخر وأحاديث أخر قال وذلك نص على إمامته قال وحديث سفيان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر
قال وأسند البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعة ضعف والله يغفر له ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا يفرى فرية حتى ضرب الناس بعطن قال وذلك نص في الإمامة قال ويدل عليه ما أخبرنا أبو بكر بن مالك وروى عن مسند أحمد عن حماد ابن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ يوما أيكم رأى رؤيا فقلت أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانا دلي من السماء فوزنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان فقال النبي ﷺ خلافة نبوة ثم يؤتى الله الملك لمن يشاء
قال وأسند أبو داود عن جابر الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما نوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه
قال ومن ذلك حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الذي بدىء به فيه فقال ادعى لي أباك وآخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا ثم قال يأبي الله والمسلمون إلا أبا بكر وفي لفظ فلا يطمع في هذا الأمر طامع وهذا الحديث في الصحيحين
ورواه من طريق أبي داود الطيالسي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله ﷺ قال ادعى لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر وذكر أحاديث تقديمه في الصلاة وأحاديث أخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته
وقال أبو محمد بن حزم في كتابه في الملل والنحل اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله ﷺ فقالت طائفة إن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا ثم اختلفوا فقال بعضهم لكن لما استخلف أبا بكر على الصلاة كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإمامة والخلافة على الأمر وقال بعضهم لا ولكن كان أبنهم فضلا فقدموه لذلك
وقالت طائفة بل نص رسول الله ﷺ على استخلاف أبي بكر بعده على أمور الناس نصا جليا
قال أبو محمد وبهذا نقول لبراهين أحدها إطباق الناس كلهم وهم الذين قال الله فيهم للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون سورة الحشر فقد اتفق هؤلاء الذين شهد الله لهم بالصدق وجميع إخوانهم من الأنصار رضي الله عنهم على أن سموه خليفة رسول الله ﷺ
ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو لا يجوز غير هذا ألبتة في اللغة بلا خلاف 3 تقول استخلف فلان فلانا يستخلفه فهو خليفة ومستخلفه فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يقل إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف
قال ومحال أن يعنوا بذلك الاستخلاف على الصلاة لوجهين ضرورين أحدهما أنه لم يستحق أبو بكر قط هذا الاسم على الإطلاق في حياة رسول الله ﷺ وهو حينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة
والثاني أن كل من استخلفه رسول الله ﷺ في حياته كعلي في غزوة تبوك وابن أم مكتوم في غزوة الخندق وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع وسائر من استخلفه على البلاد باليمن والبحرين والطائف وغيرها لم يستحق أحد منهم قط بلا خلاف بين أحد من الأمة أن يسمى خليفة رسول الله ﷺ فصح يقينا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها الخلافة بعده على أمته
ومن المحال أن يجمعوا على ذلك وهو لم يستخلفه نصا ولو لم يكن ههنا إلا استخلافه في الصلاة لم يكن أبو بكر أولى بهذه التسمية من سائر من ذكرنا قال وأيضا فإن الرواية قد صحت أن امرأة قالت يا رسول الله أرأيت إن رجعت فلم أجدك كأنها تعنى الموت قال فأتى أبا بكر قال وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر
قال وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله ﷺ قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا يقول قائل أنا أحق أو يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
وروى ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر وروى أيضا ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر قال فهذا نص جلي على استخلافه ﷺ أبا بكر على ولاية الأمة بعده
قال واحتج من قال لم يستخلف أبا بكر بالخبر المأثور عن عبد الله ابن عمر عن عمر أنه قال إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإلا استخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ وبما روى عن عائشة رضي الله عنها إذ سئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف قال ومن المحال أن يعارض إجماع الصحابة الذي ذكرنا عنهم والأثران الصحيحان المسندان إلى رسول الله ﷺ من لفظه بمثل هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة رضي الله عنهما مما لا تقوم به حجة ظاهرة من أن هذا الأثر خفي على عمر كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله ﷺ كالاستئذان وغيره أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب ونحن نقر أن استخلاف أبي بكر لم يكن بعهد مكتوب
وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك أيضا وقد يخرج كلاهما على سؤال سائل وإنما الحجة في روايتهما لا في قولهما
قلت والكلام في تثبيت خلافة أبي بكر وغيره مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا البيان لكلام الناس في خلافته هل حصل عليها نص جلي أو نص خفي وهل ثبتت بذلك أو بالاختيار من أهل الحل والعقد
فقد تبين أن كثيرا من السلف والخلف قالوا فيها بالنص الجلي أو الخفي وحينئذ فقد بطل قدح الرافضي في أهل السنة بقوله إنهم يقولون إن النبي ﷺ لم ينص على إمامة أحد وأنه مات من غير وصية وذلك أن هذا القول لم يقله جميعهم فإن كان حقا فقد قاله بعضهم وإن كان الحق هو نقيضه فقد قال بعضهم ذلك فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل السنة
وأيضا فلو قدر أن القول بالنص هو الحق لم يكن في ذلك حجة للشيعة فإن الراوندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي
قال القاضي أبو يعلى وغيره واختلف الرواندية فذهب جماعة منهم إلى أن النبي ﷺ نص على العباس بعينه واسمه وأعلن ذلك وكشفه وصرح به وأن الأمة جحدت هذا النص وارتدت وخالفت أمر النبي ﷺ عنادا ومنهم من قال إن النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة يعني هو نص خفي
فهذان قولان للرواندية كالقولين للشيعة فإن الإمامية تقول إنه نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق التصريح والتسمية بأن هذا هو الإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا والزيدية تخالفهم في هذا
ثم من الزيدية من يقول إنما نص عليه بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه وأنت منى بمنزلة هارون من موسى وأمثال ذلك من النص الخفي الذي يحتاج إلى تأمل لمعناه وحكى عن الجارودية من الزيدية أن النبي ﷺ نص على علي بصفة لم تكن توجد إلا فيه لا من جهة التسمية
فدعوى الرواندية في النص من جنس دعوى الرافضة وقد ذكر في الإمامية أقوال أخر
قال أبو محمد بن حزم اختلف القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا في صليبة قريش فقالت طائفة هي جائزة في جميع ولد فهر بن مالك بن النضر وهذا قول أهل السنة وجمهور المرجئة وبعض المعتزلة
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس بن عبد المطلب وهم الرواندية
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد على بن أبي طالب
وقالت طائفة لا تجوز الخلافة إلا في ولد جعفر بن أبي طالب ثم قصروها على عبدالله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وبلغنا عن بعض بني الحارث بن عبد المطلب أنه كان يقول لا تجوز الخلافة إلا لبني عبد المطلب خاصة ويراها في جميع ولد عبد المطلب وهم أبو طالب وأبو لهب والعباس والحارث
قال وبلغنا عن رجل كان بالأردن يقول لا تجوز الخلافة إلا في بني عبد شمس وكان له في ذلك تأليف مجموع
قال ورأينا كتابا مؤلفا لرجل من ولد عمر بن الخطاب يحتج فيه أن الخلافة لا تجوز إلا في ولد أبي بكر وعمر خاصة وسيأتي تمام الكلام على تنازع الناس في الإمامة إن شاء الله تعالى
والمقصود هنا أن أقوال الرافضة معارضة بنظيرها فإن دعواهم النص على علي كدعوى أولئك النص على العباس وكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار ولم يقل أحد من أهل العلم شيئا من هذين القولين وإنما ابتدعهما أهل الكذب كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه ولهذا لم يكن أهل الدين من ولد العباس وعلي يدعوان هذا ولا هذا بخلاف النص على أبي بكر فإن القائلين به طائفة من أهل العلم وسنذكر إن شاء الله تعالى فصل الخطاب في هذا الباب
لكن المقصود أن لهم أدلة وحججا من جنس أدلة المستدلين في موارد النزاع ويكفيك أن أضعف ما استدلوا به استدلالهم بتسميته خليفة رسول الله ﷺ فإنه قد تقدم أن القائلين بالنص على أبي بكر منهم من قال بالنص الخفي ومنهم من قال بالنص الجلي
وأيضا فقد روى ابن بطة بإسناده قال حدثنا أبو الحسن بن أسلم الكاتب حدثنا الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المبارك بن فضالة أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر فقال أو في شك صاحبك نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه لهو أتقى من أن يتوثب عليها قال ابن المبارك استخلافه هو أمره أن يصلى بالناس وكان هذا عند الحسن استخلافا
قال وأنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سليم حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال ولينا أبو بكر فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا قال وسمعت معاوية بن قرة يقول إن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر
ثم القائلون بالنص على أبي بكر من قال بالنص الجلي واستدلوا على ذلك باتفاق الصحابة على تسميته خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره واعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن النبي ﷺ استخلف على أمته
والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهو فعيل بمعنى فاعل كما يقال خلف فلان فلانا كما قال النبي ﷺ في الصحيحين من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وفي الحديث الآخر اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم أصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا
وقال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات سورة الأنعام 165 وقال تعالى ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون سورة يونس 14 وقال تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة سورة البقرة 30 وقال يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق سورة ص 26 أي خليفة عمن قبلك من الخلق ليس المراد أنه خليفة عن الله وأنه من الله كإنسان العين من العين كما يقول ذلك بعض الملحدين القائلين بالحلول والاتحاد كصاحب الفتوحات المكية وأنه الجامع لأسماء الله الحسنى وفسروا بذلك قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها سورة البقرة 31 وأنه مثل الله الذي نفى عنه الشبه بقوله ليس كمثله شيء سورة الشورى 11 إلى أمثال هذه المقالات التي فيها من تحريف المنقول وفساد المعقول ما ليس هذا موضع بسطه
والمقصود هنا أن الله لا يخلفه غيره فإن الخلافة إنما تكون عن غائب وهو سبحانه شهيد مدبر لخلقه لا يحتاج في تدبيرهم إلى غيره وهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات جميعا بل هو سبحانه يخلف عبده المؤمن إذا غاب عن أهله ويروى أنه قيل لأبي بكر يا خليفة الله فقال بل أنا خليفة رسول الله وحسبي ذاك
وقالت طائفة بل ثبتت بالنص المذكور في الأحاديث التي تقدم إيراد بعضها مثل قوله في الحديث الصحيح لما جاءته المرأة تسأله عن أمر فقالت أرأيت إن لم أجدك كأنها تعني الموت فقال ائتي أبا بكر ومثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح لعائشة رضي الله عنها ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس بعدي ثم قال يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر
ومثله قوله في الحديث الصحيح رأيت كأني على قليب أنزع منها فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن
ومثل قوله مروا أبا بكر فليصل بالناس وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ من يوم الخميس إلى يوم الخميس إلى يوم الاثنين وخرج النبي ﷺ مرة فصلى بهم جالسا وبقي أبو بكر يصلي بأمره سائر الصلوات وكشف الستارة يوم مات وهم يصلون خلف أبي بكر فسر بذلك وقد قيل إن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ كانت خلف أبي بكر وقيل ليس كذلك
ومثل قوله في الحديث الصحيح على منبره لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر
وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم من رأى منكم رؤيا فقال رجل أنا رأيت كأن ميزان نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ثم وزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان فرأيت الكراهية في وجه النبي ﷺ
ورواه أيضا من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكر مثله ولم يذكر الكراهية فاستاء لها النبي ﷺ يعني ساءه فقال خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء فبين النبي ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة ثم بعد ذلك ملك وليس فيه ذكر علي لأنه لم يجتمع الناس في زمانه بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك
وروى أبو داود أيضا من حديث ابن شهاب عن عمرو بن أبان عن جابر أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال أرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه
وروى أبو داود أيضا من حديث حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن عن أبيه عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن دلوا أدلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت فانتضح عليه منها شيء
وعن سعيد بن جهمان عن سفينة قال قال رسول الله ﷺ خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء أو قال الملك قال سعيد قال لي سفينة أمسك مدة أبي بكر سنتان وعمر عشر وعثمان اثنتا عشرة وعلي كذا قال سعيد قلت لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن عليا لم يكن بخليفة قال كذبت أستاه بني الزرقاء يعني بني مروان وأمثال
هذه الأحاديث ونحوها مما يستدل بها من قال إن خلافته ثبتت بالنص والمقصود هنا أن كثيرا من أهل السنة يقولون أن خلافته ثبتت بالنص وهم يسندون ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من يقول إن خلافة علي أو العباس ثبتت بالنص فإن هؤلاء ليس معهم إلا مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل من كان عارفا بأحوال الإسلام أو استدلال بألفاظ لا تدل على ذلك كحديث استخلافه في غزوة تبوك ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى
فيقال لهذا إن وجب أن يكون الخليفة منصوصا عليه كان القول بهذا النص أولى من القول بذاك وإن لم يجب هذا بطل ذاك
والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول من جهة المرض أو هو قول يجب اتباعه ترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر رضي الله عنه
فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه النبي ﷺ بيانا قاطعا للعذر لكن لما دلتهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود والأحكام يبينها ﷺ تارة بصيغة عاصة وتارة الصيغة خاصة ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر رواه البخاري ومسلم
وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين والأنصار أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك منهم منكر ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ولم يقل قط أحد من الصحابة إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر رضي الله عنه لا على العباس ولا على علي ولا على غيرهما ولا ادعى العباس ولا علي ولا أحد ممن يحبهما الخلافة لواحد منهما ولا أنه منصوص عليه بل ولا قال أحد من الصحابة إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر لا من بني هاشم ولا من غير بني هاشم وهذا كله مما يعلمه العلماء العالمون بالآثار والسنن والحديث وهو معلوم عندهم بالاضطرار
وقد نقل عن بعض بني عبد مناف مثل أبي سفيان وخالد بن سعيد أنهم أرادوا أن لا تكون الخلافة إلا في بني عبد مناف وأنهم ذكروا ذلك لعثمان وعلي فلم يلتفتا إلى من قال ذلك لعلمهما وعلم سائر المسلمين أنه ليس في القوم مثل أبي بكر
ففي الجملة جميع من نقل عنه من الأنصار وبني عبد مناف أنه طلب تولية غير أبي بكر لم يذكر حجة دينية شرعية ولا ذكر أن غير أبي بكر أحق وأفضل من أبي بكر وإنما نشأ كلامه عن حب لقومه وقبيلته وإرادة منه أن تكون الإمامة في قبيلته
ومعلوم أن مثل هذا ليس من الأدلة الشرعية ولا الطرق الدينية ولا هو مما أمر الله ورسوله المؤمنين باتباعه بل هو شعبة جاهلية ونوع عصبية للأنساب والقبائل وهذا مما بعث الله محمدا ﷺ بهجره وإبطاله
وفي الصحيح عنه أنه قال أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت والاستقاء بالنجوم
وفي المسند عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أمه ولا تكنوا
وفي السنن عنه أنه قال إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان مؤمن تقي وفاجر شقي
وأما كون الخلافة في قريش فلما كان هذا من شرعه ودينه كانت النصوص بذلك معروفة منقولة مأثورة يذكرها الصحابة بخلاف كون الخلافة في بطن من قريش أو غير قريش فإنه لم ينقل أحد من الصحابة فيه نصا بل ولا قال أحد إنه كان في قريش من هو أحق بالخلافة في دين الله وشرعه من أبي بكر
ومثل هذه الأمور كلما تدبرها العالم وتدبر النصوص الثابتة وسير الصحابة حصل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن قلبه أنه كان من الأمور المشهورة عند المسلمين أن أبا بكر مقدم على غيره وأنه كان عندهم أحق بخلافة النبوة وأن الأمر في ذلك بين ظاهر عندهم ليس فيه اشتباه عليهم ولهذا قال رسول الله ﷺ يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
ومعلوم أن هذا العلم الذي عندهم بفضله وتقدمه إنما استفادوه من النبي ﷺ بأمور سمعوها وعاينوها وحصل بها لهم من العلم ما علموا به أن الصديق أحق الأمة بخلافة نبيهم وأفضلهم عند نبيهم وأنه ليس فيهم من يشابهه حتى يحتاج في ذلك إلى مناظرة ولم يقل أحد من الصحابة قط إن عمر بن الخطاب أو عثمان أو عليا أو غيرهم أفضل من أبي بكر أو أحق بالخلافة منه وكيف يقولون ذلك وهم دائما يرون من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر على غيره وتفضيله له وتخصيصه بالتعظيم ما قد ظهر للخاص والعام حتى أن أعداء النبي ﷺ من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين يعلمون أن لأبي بكر من الاختصاص ما ليس لغيره كما ذكره أبو سفيان بن حرب يوم أحد قال أفي القوم محمد أفي القوم محمد ثلاثا ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة ثم قال أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب وكل ذلك يقول لهم النبي ﷺ لا تجيبوه أخرجاه في الصحيحين كما سيأتي ذكره بتمامه إن شاء الله تعالى حتى أني أعلم طائفة من حذاق المنافقين ممن يقول إن النبي ﷺ كان رجلا عاقلا أقام الرياسة بعقله وحذقه يقولون إن أبا بكر كان مباطنا له على ذلك يعلم أسراره على ذلك بخلاف عمر وعثمان وعلي
فقد ظهر لعامة الخلائق أن أبا بكر رضي الله عنه كان أخص الناس بمحمد ﷺ فهذا النبي وهذا صديقه فإذا كان محمد أفضل النبيين فصديقه أفضل الصديقين
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا
ولكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بهذا وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد
وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على ان الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه احقهم بالخلافة وأن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص
كما قال النبي ﷺ لما أراد أن يكتب لأبي بكر فقال لعائشة ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اخرجاه في الصحيحين وفي البخاري لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ويدفع الله ويأبى المؤمنون
فبين ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابا خوفا ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه والأمة حديثة عهد بنبيها وهم خير أمة أخرجت للناس وأفضل قرون هذه الأمة فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد وكلا الأمرين منتف فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون ولهذا قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر الصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغنى عن العهد فلا يحتاج إليه فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد
فصل
وأما قول الرافضي: إنهم يقولون إن الإمام بعد رسول الله ﷺ أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة
فيقال له
ليس هذا قول أئمة أهل السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم تنعقد ببيعة اثنين وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد فليست هذه أقوال أئمة السنة بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما
ولهذا قال أئمة السلف من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مالم يأمروا بمعصية الله فالإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه ولهذا لما بويع علي رضي الله عنه وصار معه شوكة صار إماما
ولو كان جماعة في سفر فالسنة أن يؤمروا أحدهم كما قال النبي ﷺ لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أن يؤمروا واحدا منهم فإذا أمره أهل القدرة منهم صار أميرا فكون الرجل أميرا وقاضيا وواليا وغير ذلك من الأمور التي مبناها على القدرة والسلطان متى حصل ما يحصل به من القدرة والسلطان حصلت وإلا فلا إذ المقصود بها عمل أعمال لا تحصل إلا بقدرة فمتى حصلت القدرة التي بها يمكن تلك الأعمال كانت حاصلة وإلا فلا
وهذا مثل كون الرجل راعيا للماشية متى سلمت إليه بحيث يقدر أن يرعاها كان راعيا لها وإلا فلا فلا عمل إلا بقدرة عليه فمن لم يحصل له القدرة على العمل لم يكن عاملا
والقدرة على سياسة الناس إما بطاعتهم له وإما بقهره لهم فمتى صار قادرا على سياستهم بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة الله
ولهذا قال أحمد في رسالة عبدوس بن مالك العطار أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ إلى أن قال ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجرا
وقال في رواية إسحاق بن منصور وقد سئل عن حديث النبي ﷺ من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ما معناه فقال تدري ما الإمام الإمام الذي يجمع عليه المسلمون كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه والكلام هنا في مقامين
أحدهما في كون أبي بكر كان هو المستحق للإمامة وأن مبايعتهم له مما يحبه الله ورسوله فهذا ثابت بالنصوص والإجماع
والثاني أنه متى صار إماما فذلك بمبايعة أهل القدرة له وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز
فالحل والحرمة متعلق بالأفعال وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين
ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماما بذلك وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك
فمن قال إنه يصير إماما بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط كما أن من ظن أن تخلف الواحد او الاثنين والعشرة يضره فقد غلط
وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب فجمهور الذين بايعوا رسول الله ﷺ هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة فلا بد في كل بيعة من سابق ولو قدر أن بعض الناس كان كارها للبيعة لم يقدح ذلك في مقصودها فإن نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة الشرعية الدالة على أنه أحقهم بها ومع قيام الأدلة الشرعية لا يضر من خالفها ونفس حصولها ووجودها ثابت بحصول القدرة والسلطان بمطاوعة ذوي الشوكة
فالدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب سورة الحديد 253
فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه والسيف ينصر ذلك ويؤيده
وأبو بكر ثبت بالكتاب والسنة إن الله أمر بمبايعته والذين بايعوه كانوا أهل السيف المطيعين لله في ذلك فانعقدت خلافة النبوة في حقه بالكتاب والحديد
وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إماما لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم له
وأما قوله: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم
فيقال أيضا
عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ولم يتخلف عن بيعته أحد
قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما وإلا فلو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما
ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولى أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمراء الأنصار وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها
ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد
ابن حنبل والدارقطني وغيرهم من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم
وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له
فتخصيصه عليا بمبايعة الخلق له دون أبي بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي رضي الله عنه وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم مما اتفقوا على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا عليا فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة بعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام
وأما علي رضي الله عنه فإنه بويع عقيب قتل عثمان رضي الله عنه والقلوب مضطربة مختلفة وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضارا حتى قال من قال إنهم جاءوا به مكرها وأنه قال بايعت واللج أي السيف على قفى
وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما قتلوا عثمان وماج الناس لقتله موجا عظيما وكثير من الصحابة لم يبايع عليا كعبدالله بن عمر وأمثاله وكان الناس معه ثلاثة أصناف صنف قاتلوا معه وصنف قاتلوه وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له ولا يقال مثل ذلك في مبايعة الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد بل بايعهم الناس كلهم لا سيما عثمان
وأما أبو بكر فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه للإمارة فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر ولكن هو مع هذا رضي الله عنه لم يعارض ولم يدفع حقا ولا أعان على باطل بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسند الصديق عن عفان عن أبي عوانه عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري فذكر حديث السقيفة وفيه أن الصديق قال ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء فهذا مرسل حسن ولعل حميدا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جدا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضى الله عنهم أجمعين
ولهذا أضطرب الناس في خلافة علي على اقوال
فقالت طائفة إنه إمام وإن معاوية إمام وإنه يجوز نصب إمامين في وقت إذا لم يمكن الاجتماع على إمام واحد وهذا يحكى عن الكرامية وغيرهم
وقالت طائفة لم يكن في ذلك الزمان أمام عام بل كان زمان فتنة وهذا قول طائفة من أهل الحديث البصريين وغيرهم ولهذا لما أظهر الإمام أحمد التربيع بعلي في الخلافة وقال من لم يربح بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله أنكر ذلك طائفة من هؤلاء وقالوا قد أنكر خلافته من لا يقال هو أضل من حمار أهله يريدون من تخلف عنها من الصحابة واحتج أحمد وغيره على خلافة علي بحديث سفينة عن النبي ﷺ تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا وهذا الحديث قد رواه أهل السنن كأبي داود وغيره
وقالت طائفة ثالثة بل علي هو الإمام وهو مصيب في قتاله لمن قاتله وكذلك من قاتله من الصحابة كطلحة والزبير كلهم مجتهدون مصيبون وهذا قول من يقول كل مجتهد مصيب كقول البصريين من المعتزلة أبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم ومن وافقهم من الأشعرية كالقاضي أبي بكر وأبي حامد وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري وهؤلاء ايضا يجعلون معاوية مجتهدا مصيبا في قتاله كما أن عليا مصيب
وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ذكره أبو عبد الله ابن حامد ذكر لأصحاب أحمد في المقتتلين يوم الجمل وصفين ثلاثة أوجه أحدها كلاهما مصيب والثاني المصيب واحد لا بعينه والثالث أن عليا هو المصيب ومن خالفه مخطىء والمنصوص عن أحمد وأئمة السلف أنه لا يذم أحد منهم وأن عليا أولى بالحق من غيره أما تصويب القتال فليس هو قول أئمة السنة بل هم يقولون إن تركه كان أولى
وطائفة رابعة تجعل عليا هو الإمام وكان مجتهدا مصيبا في القتال ومن قاتله كانوا مجتهدين مخطئين وهذا قول كثير من أهل الرأي والكلام من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم
وطائفة خامسة تقول إن عليا مع كونه كان خليفة وهو أقرب إلى الحق من معاوية فكان ترك القتال أولى وينبغي الإمساك عن القتال لهؤلاء وهؤلاء فإن النبي ﷺ قال ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال عن الحسن إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فأثنى على الحسن بالإصلاح ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لما مدح تاركه
قالوا وقتال البغاة لم يأمر الله به ابتداء ولم يأمر بقتال كل باغ بل قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصحلوا بينهما فإن بغث إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله سورة الحجرات 9 فأمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم فإن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت
قالوا ولهذا لم يحصل بالقتال مصلحة والأمر الذي يأمر الله به لا بد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد أنبأنا هشام عن محمد يعني ابن سيرين قال قال حذيفة ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تضرك الفتنة
قال أبو داود حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال دخلنا على حذيفة فقال إني لأعرف رجلا لا تضره الفتن شيئا قال فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك فقال ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تجلى عما انجلت
فهذا الحديث يبين أن النبي ﷺ أخبر أن محمد بن مسلمة لا تضره الفتنة وهو ممن اعتزل في القتال فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية كما اعتزل سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله ابن عمر وأبو بكرة وعمران بن حصين وأكثر السابقين الأولين
وهذا يدل على أنه ليس هناك قتال واجب ولا مستحب إذ لو كان كذلك لم يكن ترك ذلك مما يمدح به الرجل بل كان من فعل الواجب أو المستجب أفضل ممن تركه ودل ذلك على أن القتال قتال فتنة
كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي والساعي خير من الموضع وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين أن ترك القتال كان خيرا من فعله من الجانبين وعلى هذا جمهور أئمة أهل الحديث والسنة وهذا مذهب مالك والثوري وأحمد وغيرهم وهذه أقوال من يحسن القول في علي وطلحة والزبير ومعاوية ومن سوى هؤلاء من الخوارج والروافض والمعتزلة فمقالاتهم في الصحابة لون آخر فالخوارج تكفر عليا وعثمان ومن والاهما والروافض تكفر جمهور الصحابة كالثلاثة ومن والاهم وتفسقهم ويكفرون من قاتل عليا ويقولون هو إمام معصوم وطائفة من المروانيه تفسقه وتقول إنه ظالم معتد وطائفة من المعتزلة تقول قد فسق إما هو وإما من قاتله لكن لا يعلم عينه وطائفة أخرى منهم تفسق معاوية وعمرا دون طلحة والزبير وعائشة والمقصود أن الخلاف في خلافة علي وحروبه كثير منتشر بين السلف والخلف فكيف تكون مبايعة الخلق له أعظم من مبايعتهم للثلاثة قبله رضي الله عنهم أجمعين
فإن قال أردت بقولي أن أهل السنة يقولون إن خلافتة انعقدت بمبايعة الخلق له لا بالنص، فلا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون إن النص على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله خلافة النبوة ثلاثون سنة فهم يروون النصوص الكثيرة في صحة خلافة غيره
وهذا أمر معلوم عند أهل العلم بالحديث يروون في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي فإن نصوصها قليلة فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم فحصل بهم مقصود الإمامة وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار وخلافة علي لم يقاتل فيها كفار ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة
وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الراوندية على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم ولو لم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره وأما قوله
ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الإمام بعده الحسن وبعضهم قال إنه معاوية
فيقال: أهل السنة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون أن الحسن بايعه أهل العراق مكان أبيه وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك
وقوله: ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس
فيقال: أهل السنة لا يقولون إن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب أن يولى دون من سواه ولا يقولون إنه تجب طاعته في كل ما يأمر به بل أهل السنة يخبرون بالواقع ويأمرون بالواجب فيشهدون بما وقع ويأمرون بما أمر الله ورسوله فيقولون هؤلاء هم الذين تولوا وكان لهم سلطان وقدرة يقدرون بها على مقاصد الولاية من إقامة الحدود وقسم الأموال وتولية الولايات وجهادالعدو وإقامة الحج والأعياد والجمع وغير ذلك من مقاصد الولايات
ويقولون إن الواحد من هؤلاء ونوابهم وغيرهم لا يجوز أن يطاع في معصية الله بل يشارك فيما يفعله من طاعة الله فيغزى معه الكفار ويصلي معه الجمعة والعيدان ويحج معه ويعاون في إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك فيعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان
ويقولون إنه قد تولى غير هؤلاء تولى بالغرب طائفة من بني أمية وطائفة من بني علي ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم كما يقال ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة قال يؤمن بها السبيل ويقام به الحدود ويجاهد به العدو ويقسم بها الفيء ذكره علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية
وكل من تولى كان خيرا من المعدوم المنتظر الذي تقول الرافضة إنه الخلف الحجة فإن هذا لم يحصل بإمامته شيء من المصلحة لا في الدنيا ولا في الدين أصلا فلا فائدة في إمامته إلا الاعتقادات الفاسدة والأماني الكاذبة والفتن بين الأمة وانتظار من لا يجيء فتطوى الأعمار ولم يحصل من فائدة هذه الإمامة شيء
والناس لا يمكنهم بقاء أيام قليلة بلا ولاة أمور بل كانت تفسد امورهم فكيف تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إلا من لا يعرف ولا يدري ما يقول ولا يقدر على شيء من أمور الإمامة بل هو معدوم
وأما آباؤه فلم يكن لهم قدرة ولا سلطان الإمامة بل كان لأهل العلم والدين منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث والفتيا ونحو ذلك لم يكن لهم سلطان الشوكة فكانوا عاجزين عن الإمامة سواء كانوا أولى بالإمامة أو لم يكونوا أولى
فبكل حال ما مكنوا ولا كان ولوا يحصل لهم المطلوب من الولاية لعدم القدرة والسلطان ولو أطاعهم المؤمن لم يحصل له بطاعتهم المصالح التي تحصل بطاعة الأئمة من جهاد الأعداء وإيصال الحقوق إلى مستحقيها أو بعضهم وإقامة الحدود
فإن قال القائل إن الواحد من هؤلاء أو من غيرهم إمام أي ذو سلطان وقدرة يحصل بهما مقاصد الإمامة كان هذا مكابرة للحس ولو كان ذلك كذلك لم يكن هناك متول يزاحمهم ولا يستبد بالأمر دونهم وهذا لا يقوله أحد
وإن قال إنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين كانوا يجب أن يولوا وأن الناس عصوا بترك توليتهم فهذا بمنزلة أن يقال فلان كان يستحق أن يولى إمامة الصلاة وأن يولى القضاء ولكن لم يول ظلما وعدوانا ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه وقد كان عمر ابن عبد العزيز يختار أن يولي القاسم بن محمد بعده لكنه لم يطق ذلك لأن أهل الشوكة لم يكونوا موافقين على ذلك ولأنه كان قد عقد العهد معه ليزيد بن عبد الملك بعده فكان يزيد هو ولي العهد
وحنيئذ فأهل الشوكة الذين قدموا المرجوح وتركوا الراجح أو الذي تولى بقوته وقوة أتباعه ظلما وبغيا يكون إثم هذه الولاية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله أو أعان على الظلم وأما من لم يظلم ولا أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس عليه في هذا شئ
ومعلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر والتقوى لا يعاونونهم على الإثم والعدوان فيصير هذا بمنزلة الإمام الذي يجب تقديمه في الشرع لكونه أقرأ وأعلم بالسنة أو أقدم هجرة وسنا إذا قدم ذو الشوكة من هو دونه فالمصلون خلفه الذين لا يمكنهم الصلاة إلا خلفه أي ذنب لهم في ذلك
وكذلك الحاكم الجاهل أو الظالم أو المفضول إذا طلب المظلوم منه أن ينصفه ويحكم له بحقه فيحبس له غريمه أو يقسم له ميراثه أو يزوجه بأيم لا ولي لها غير السلطان أو نحو ذلك فأي شئ عليه من إثمه أو إثم من ولاه وهو لم يستعن به إلا على حق لا على باطل
وقد قال تعالى فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن : 16 وقال النبي ﷺ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم رواه البخاري ومسلم
ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان
وأهل السنة يقولون ينبغي أن يولي الأصلح للولاية إذا أمكن إما وجوبا عند أكثرهم وإما استحبابا عند بعضهم وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور
ويقولون من تولى فإنه يستعان به على طاعة الله بحسب الإمكان ولا يعان إلا على طاعة الله ولا يستعان به على معصية الله ولا يعان على معصية الله
أفليس قول أهل السنة في الإمامة خيرا من قول من يأمر بطاعة معدوم أو عاجز لا يمكنه الإعانة المطلوبة من الأئمة
ولهذا كانت الرافضة لما عدلت عن مذهب أهل السنة في معاونة أئمة المسلمين والاستعانة بهم دخلوا في معاونة الكفار والاستعانة بهم فهم يدعون إلى الإمام المعصوم ولا يعرف لهم إمام موجود يأتمون به إلا كفور أو ظلوم فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء الله رجال الغيب ولا رجال عنده إلا أهل الكذب والمكر الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله أو الجن أو الشياطين الذين يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية فلو قدر أن ما تدعيه الرافضة من النص هو حق موجود وأن الناس لم يولوا المنصوص عليه لكانوا قد تركوا من يجب توليته وولوا غيره وحينئذ فالإمام الذي قام بمقصود الإمامة هو هذا المولى دون ذلك الممنوع المقهور نعم ذلك يستحق أن يولي لكن ما ولى فالإثم على من ضيع حقه وعدل عنه لا على من لم يضيع حقه ولم يعتد
وهم يقولون إن الإمام وجب نصبه لأنه لطف ومصلحة للعباد فإذا كان الله ورسوله يعلم أن الناس لا يولون هذا المعين إذا أمروا بولايته كان أمرهم بولاية من يولونه وينتفعون بولايته أولى من أمرهم بولاية من لا يولونه ولا ينتفعون بولايته كما قيل في إمامة الصلاة والقضاء وغير ذلك فكيف إذا كان ما يدعونه من النص من أعظم الكذب والافتراء
والنبي ﷺ قد أخبر أمته بما سيكون وما يقع بعده من التفرق فإذا نص لأمته على إمامة شخص يعلم أنهم لا يولونه بل يعدلون عنه ويولون غيره يحصل لهم بولايته مقاصد الولاية وأنه إذا أفضت النوبة إلى المنصوص حصل من سفك دماء الأمة ما لم يحصل قبل ذلك ولم يحصل من مقاصد الولاية ما حصل بغير المنصوص كان الواجب العدول عن المنصوص مثال ذلك أن ولى الأمر إذا كان عنده شخصان ويعلم أنه إن ولى أحدهما أطيع وفتح البلاد وأقام الجهاد وقهر الأعداء وأنه إذا ولى الآخر لم يطع ولم يفتح شيئا من البلاد بل يقع في الرعية الفتنة والفساد كان من المعلوم لكل عاقل أنه ينبغي أن يولي من يعلم أنه إذا ولاه حصل به الخير والمنفعة لا من إذا ولاه لم يطع وحصل بينه وبين الرعية الحرب والفتنة فكيف مع علم الله ورسوله بحال ولاية الثلاثة وما حصل فيها من مصالح الأمة في دينها ودنياها لا ينص عليها وينص على ولاية من لا يطاع بل يحارب ويقاتل حتى لا يمكنه قهر الأعداء ولا إصلاح الاولياء وهل يكون من ينص على ولاية هذا دون ذاك إلا جاهلا إن لم يعلم الحال أو ظالما مفسدا إن علم ونص
والله ورسوله بريء من الجهل والظلم وهم يضيفون إلى الله ورسوله العدول عما فيه مصلحة العباد إلى ما ليس فيه إلا الفساد
واذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم له لا من تقصيره
قيل أفليس ولاية من يطيعونه فتحصل المصلحة أولى من ولاية من يعصونه فلا تحصل المصلحة بل المفسدة
ولو كان للرجل ولد وهناك مؤدبان إذا أسلمه إلى أحدهما تأدب وتعلم وإذا أسلمه إلى الآخر فر وهرب أفليس إسلامه إلى ذاك أولى ولو قدر أن ذاك أفضل فأي منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة لنفوره عنه
ولو خطب المرأة رجلان أحدهما أفضل من الأخر لكن المرأة تكرهه وإن زوجت به لم تطعه بل تخاصمه وتؤذيه فلا تنتفع به ولا ينتفع هو بها والآخر تحبه ويحبها ويحصل به مقاصد النكاح أفليس تزويجها بهذا المفضول أولى باتفاق العقلاء ونص من ينص على تزويجها بهذا المفضول أولى من النص على تزويجها بهذا
فكيف يضاف إلى الله ورسوله ما لا يرضاه إلا جاهل أو ظالم
وهذا ونحوه مما يعلم به بطلان النص بتقدير أن يكون علي هو الأفضل الأحق بالأمر لكن لا يحصل بولايته إلا ما حصل وغيره ظالما يحصل به ما حصل من المصالح فكيف إذا لم يكن الأمر كذلك لا في هذا ولا في هذا فقول أهل السنة خبر صادق وقول حكيم وقول الرافضة خبر كاذب وقول سفيه فأهل السنة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذو السلطان الموجود الذي له القدرة على عمل مقصود الولاية كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلى بالناس وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهو لا يصلي بأحد لكن هذا ينبغي أن يكون إماما والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هو الإمام لا يخفى إلا على الطغام
ويقولون إنه يعاون على البر والتقوى دون الإثم والعدوان ويطاع في طاعة الله دون معصيته ولا يخرج عليه بالسيف وأحاديث النبي ﷺ إنما تدل على هذا كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية وفي لفظ أنه من فارق الجماعة شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من الأمير لم يخص بذلك سلطانا معينا ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه فذم الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة وجعل ذلك ميتة جاهلية لأن أهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم
والنبي ﷺ دائما يأمر بإقامة رأس حتى أمر بذلك في السفر إذا كانوا ثلاثة فأمر بالإمارة في أقل عدد وأقصر اجتماع
وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت فهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك
وفي لفظ آخر قلت وهل وراء ذلك الخير من شر قال نعم قلت كيف قال يكون بعدي آئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع
وهذا جاء مفسرا في حديث آخر عن حذيفة قال عن الخير الثاني صلح على دخن وجماعة على اقذاء فيها وقلوب لا ترجع إلى ما كانت عليه
فكان الخير الأول النبوة وخلافة النبوة التي لاقته فيها وكان الشر ما حصل من الفتنة بقتل عثمان وتفرق الناس حتى صار حالهم شبيها بحال الجاهلية يقتل بعضهم بعضا
ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية فبين أنهم جعلوا هذا غير مضمون كما أن ما يصيبه أهل الجاهلية بعضهم من بعض غير مضمون لأن الضمان إنما يكون مع العلم بالتحريم فأما مع الجهل بالتحريم كحال الكفار والمرتدين والمتأولين من أهل القبلة فالضمان منتف
ولهذا لم يضمن النبي ﷺ أسامة بن زيد دم المقتول الذي قتله متأولا مع قوله أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله أقتلتله بعد أن قال لا إله إلا الله ولهذا لا تقام الحدود إلا على من علم التحريم
والخير الثاني اجتماع الناس لما اصطلح الحسن ومعاوية لكن كان صلحا على دخن وجماعة على أقذاء فكان في النفوس ما فيها أخبر رسول الله ﷺ بما هو الواقع
وحذيفة حدث بهذا في خلافة عمر وعثمان قبل الفتنة فإنه لما بلغه مقتل عثمان علم أن الفتنة قد جاءت فمات بعد ذلك بأربعين يوما قبل الاقتتال
وهو ﷺ قد أخبر أنه بعد ذلك يقوم أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته وبقيام رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان سواء كان عادلا أو ظالما
وكذلك في الصحيح حديث ابن عمر عن النبي ﷺ من خلع يدا من طاعة إمام لقي الله يوم القيام لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية لكنه لا يطاع أحد في معصية الله. كما في الصحيح عن علي رضي الله عنه قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا ثم قال أوقدوا نارا فأوقدوا نارا ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وفي لفظ لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
وكذلك في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة
وعن كعب بن عجرة قال خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن معه تسعة خمسة وأربعة أحد العددين من العرب والآخر من العجم فقال اسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض رواه أحمد والنسائي وهذا لفظه والترمذي وقال حديث صحيح غريب
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان
وفي صحيح مسلم عن عرفجة بن شريح قال سمعت النبي ﷺ يقول إنه سيكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان وفي لفظ من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه وفي صحيح مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال سيكون امراء تعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ومن أنكر سلم ولكن من رضى وتابع قالوا أفلا ننابذهم قال لا ما صلوا
وفيه أيضا عن النبي ﷺ قال من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فلينكر ما يأتى من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة
قال الرافضي:
الفصل الثاني
في أن مذهب الإمامية واجب الإتباع
ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي ﷺ فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف ومذهب الإمامية واجب الإتباع لأربعة أوجه لأنه أحقها وأصدقها ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين
وهذا حكاية لفظه
قال الرافضي
إنه لما عمت البلية بموت النبي ﷺ واختلف الناس بعده وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا كما اختار عمر بن سعد ملك الري أياما يسيره لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه بأن من قتله في النار وإخباره بذلك في شعره حيث يقول
فو الله ما أدري وإني لصادق ... أفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والري منيتي ... أم اصبح مأثوما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الرى قرة عيني
وبعضهم اشتبه الأمر عليه ورأى لطالب الدنيا متابعا فقلده وبايعه وقصر في نظره فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر
وبعضهم قلد لقصور فطنته ورأى الجم الغفير فتابعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى وقليل ماهم سورة ص 24 وقليل من عبادي الشكور سورة سبأ 13
وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذي أعرضوا عن الدنيا وزينتها ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم
وحيث حصل للمسلمين هذه البلية وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف وأن يقر الحق مستقره ولا يظلم مستحقه فقد قال تعالى ألا لعنة الله على الظالمين سورة هود 1وإنما كان مذهب الإمامية واجب الإتباع لوجوه.
هذا لفظه
فيقال: إنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه وإما طالب للأمر بحق كعلي في زعمه وهذا كذب على علي رضي الله عنه وعلى أبي بكر رضي الله عنه فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا وإما مقلدا لقصوره في النظر
وذلك أن الإنسان يجب عليه أن يعرف الحق وأن يتبعه وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا هو الصراط الذي أمرنا الله أن نسأله هدايتنا إياه في كل صلاة بل في كل ركعة
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه استكبارا وحسدا وغلوا واتباعا للهوى وهذا هو الغي والنصارى ليس لهم علم بما يفعلونه من العبادة والزهد والأخلاق بل فيهم الجهل والغلو والبدع والشرك جهلا منهم وهذا هو الضلال وإن كان كل من الأمتين فيه ضلال وغي لكن الغي أغلب على اليهود والضلال أغلب على النصارى
ولهذا وصف الله اليهود بالكبر والحسد واتباع الهوى والغي وإرادة العلو في الأرض والفساد قال تعالى أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون سورة البقرة 87 وقال تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله سورة النساء 54 وقال سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا سورة الأعراف 146 وقال تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا سورة الإسراء ووصف النصارى بالشرك والضلال والغلو والبدع فقال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون سورة التوبة 31 وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل كثيرا وضلوا عن سواء السبيل سورة المائدة 77 وقال تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها سورة الحديد 27 وهذا مبسوط في غير هذا الموضع
وقد نزه الله نبيه عن الضلال والعي فقال والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى سورة النجم 1 3 فالضال الذي يعرف الحق والغاوي الذي يتبع هواه وقال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار سورة ص 45 فالأيدي القوة في طاعة الله والأبصار البصائر في الدين
وقال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
وإذا كان الصراط المستقيم لا بد فيه من العلم بالحق والعمل به وكلاهما واجب لا يكون الإنسان مفلحا ناجيا إلا بذلك وهذه الأمة خير الأمم وخيرها القرن الأول كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع والعمل الصالح
وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه كما يزعمونه في الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة والأمة وكثير منهم عندهم لا يعلم الحق بل اتبع الظالمين تقليدا لعدم نظرهم المفضى إلى العلم والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه
وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعنى عليا وهذا مما علمنا بالإضرار أنه لم يكن فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة بعد نبيها ليس فيها مهتد فتكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم لأنهم كانوا كما قال الله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون سورة الأعراف 157 وقد أخبر النبي ﷺ أن اليهود والنصارى
افترقت على اثنتين وسبعين فرقة فيها واحدة ناجية وهذه الأمة على موجب ما ذكر لم يكن فيهم بعد موت النبي ﷺ أمة تقوم بالحق ولا تعدل به
وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى فيلزم من ذلك أن يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون
فإن كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي ﷺ
من اختلاف الأمة فكيف بسائر ما ينقله ويستدل به
ونحن نبين فساد ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة فنقول
==============
منهاج السنة النبوية/8
أما قوله: لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي ﷺ واختلف الناس بعده وتعددت آراؤهم بحسب أهوائهم فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا كما اختار عمر بن سعد ملك الرى أياما يسيرة لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه بأن في قتله النار وإخباره بذلك في شعره
فيقال: في هذا الكلام من الكذب والباطل وذم خيار الأمة بغير حق مالا يخفى وذلك من وجوه
أحدها قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم فيكونون كلهم متبعين أهواءهم ليس فيهم طالب حق ولا مريد لوجه الله تعالى والدار الآخرة ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال وعموم لفظه يشمل عليا وغيره
وهؤلاء الذين وصفهم بهذا هم الذين أثنى الله عليهم هو ورسوله ورضي عنهم ووعدهم الحسنى كما قال تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم سورة التوبة 100 وقال تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما سورة الفتح 29 وقال تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم سورة الأنفال 72 75 وقال لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى سورة الحديد 10 وقال تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم سورة الحشر 8 1وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفئ
ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين وفي قلوبهم غل عليهم ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم وإخراج الرافضة من ذلك وهذا نقيض مذهب الرافضة
وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر قال حدثنا عبدالله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت
ثم قرأ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم
وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال من سب السلف فليس له في الفئ نصيب لأن الله تعالى يقول والذين جاءوا من بعدهم الآية
وهذا معروف من مالك وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم ابن سلام وكذلك ذكره أو حكيم النهرواني من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء
وروى أيضا عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أمر الله بالإستعفار لأصحاب النبي ﷺ وهو يعلم أنهم يقتتلون
وقال عروة قالت لي عائشة رضي الله عنها يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبدالله قال قيل لعائشة إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر
وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي حدثنا معاوية حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون
ومن طريق أحمد عن عبدالرحمن بن مهدي وطريق غيره عن وكيع وأبي نعيم ثلاثتهم عن الثوري عن نسير بن ذعلوق سمعت عبدالله بن عمر يقول لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة يعنى مع رسول الله ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة
وفي رواية وكيع خير من عبادة أحدكم عمره
وقال تعالى لقد رضي الله عنها المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا سورة الفتح 18 2والذين بايعوه تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة بايعوه لما صده المشركون عن العمرة ثم صالح المشركين صلح الحديبية المعروف وذلك سنة ست من الهجرة في ذي القعدة ثم رجع بهم إلى المدينة وغزا بهم خيبر ففتحها الله عليهم في أول سنة سبع وقسمها بينهم ومنع الأعراب المتخلفين عن الحديبية من ذلك
كما قال الله تعالى سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا سورة الفتح 1وقد أخبر سبحانه أنه رضي عنهم وأنه علم ما في قلوبهم وأنه أثابهم فتحا قريبا
وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان بعد موت النبي ﷺ لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى سورة الحديد 10 ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ولهذا سئل النبي ﷺ أو فتح هو فقال نعم
وأهل العلم يعملون أن فيه أنزل الله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا سورة الفتح 1 3 فقال بعض المسلمين يا رسول الله هذا لك فما لنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزداداو إيمانا مع إيمانهم سورة الفتح وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار سورة التوبة 100 هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة
وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى
القبلتين وهذا ضعيف فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم يدركه كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات الخمس هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم والذين أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو قبل أن يفرض هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل تحريم الربا كذلك فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئا فشيئا وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه وله بذلك فضيلة ففضيلة من أسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب
وليس مثل هذا مما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين إذ ليس بعض هذه الشرائع بأولى بجعله خيرا من بعض ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص
وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وبايع النبي ﷺ بيده عن عثمان لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته وبسببه بايع النبي ﷺ الناس لما بلغه أنهم قتلوه
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة
وقال تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم سورة التوبة 117 فجمع بينهم وبين الرسول في التوبة
وقال تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا سورة الأنفال 72 إلى قوله والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم سورة الأنفال 75 فأثبت الموالاة بينهم
وقال للمؤمنين يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين سورة المائدة 51 إلى قوله إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون المائدة 55 56 وقال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض سورة التوبة 71 فأثبت الموالاة بينهم وأمر بموالاتهم والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم وأصل الموالاة المحبة وأصل المعاداة البغض وهم يبغضونهم ولا يحبونهم
وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل وكذبه بين من وجوه كثيرة
منها أن قوله الذين صيغة جمع وعلى واحد
ومنها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة
ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق علماء الملة فإن في الصلاة شغلا
ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن
ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي ﷺ
ومنها أنه لم يكن له أيضا خاتم ولا كانوا يلبسون الخواتم حتى كتب النبي ﷺ كتابا إلى كسرى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما فاتخذ خاتما من ورق ونقش فيها محمد رسول الله
ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة
ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل
ومنها أن الكلام في سياق النهى عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين كما يدل عليه سياق الكلام
وسيجئ إن شاء الله تمام الكلام على هذه الآية فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة والرافضة مخالفون لها
والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين وهذا أمر مشهور فيهم يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم
وقال تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين سورة الأنفال 64 أي الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين وأولهم
وقال تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا والذين رآهم النبي ﷺ يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره
وقال تعالى هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم سورة الأنفال 62 63 وإنما أيده في حياته بالصحابة
وقال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون سورة الزمر 33 35 وهذا الصنف الذي يقول الصدق ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب بالحق لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله
والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن القرآن حق هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء
وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسبين إلى التشيع ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم ومنهم من ادعى إلهية البشر وادعى النبوة في غير النبي ﷺ وادعى العصمة في الأئمة ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف واتفق أهل العلم على أن الكذب ليس في طائفة من الطوائف المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم
قال تعالى قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى سورة النمل 59 قال طائفة من السلف هم أصحاب محمد ﷺ ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة التي قال الله فيها ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق الخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب سورة فاطر 32 35 فأمه محمد ﷺ هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى وقد أخبر الله أنهم الذين اصطفى
وتواتر عن النبي ﷺ أنه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ومحمد ﷺ وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله
قال تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما سورة الفتح 2وقال تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون سورة النور 55 فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما والله لا يخلف الميعاد فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه لهم كما قال تعالى ورضيت لكم الإسلام دينا
سورة المائدة 3 وبدلهم من بعد خوفهم أمنا لهم منه المغفرة والأجر العظيم
وهذا يستدل به من وجهين يستدل به على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات لأن الوعد لهم لا لغيرهم ويستدل به على أن هؤلاء مغفور لهم ولهم مغفرة وأجر عظيم لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فتناولتهم الآيتان آية النور وآية الفتح
ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف وتمكن الدين والأمن بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وإفريقية ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان وكان بعضهم يخاف بعضا
وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن وأدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا وأمنوا
وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام في زمن الفتنة والإفتراق وكالخوارج المارقين فهؤلاء لم يتناولهم النص فلم يدخلو فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح المذكورين في هذه الآية لأنهم أولا ليسو من الصحابة المخاطبين بهذا ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين
فإن قيل: لم قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم سورة الفتح 29 ولم يقل وعدهم كلهم
قيل:
كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات سورة النور 55 ولم يقل وعدكم
ومن تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقى من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان سورة الحج 30 فإنه لا يقتضى أن يكون من الأوثان ما ليس برجس
وإذا قلت ثوب من حرير فهو كقولك ثوب حرير وكذلك قولك باب من حديد كقولك باب حديد وذلك لا يقتضى أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه وإن كان الذي يتصوره كليا
فإن الجنس الكلي هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإن لم يكن مشتركا فيه في الوجود فإذا كانت من لبيان الجنس كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس وإن كان الجنس كلهم مؤمنين مصلحين
وكذلك إذا قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجرا عظيما لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين
ولما قال لأزواج النبي ﷺ ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نوتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما سورة الأحزاب 31 لم يمنع أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله وتعمل صالحا
ولما قال تعالى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم سورة الأنعام 54 لم يمنع هذا أن يكون كل منهم متصفا بهذه الصفة ويجوز أن يقال إنهم لو عملوا سوءا بجهالة ثم تابوا من بعده وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم
ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى وما ألتناهم من عملهم من شيء سورة الطور 21 وقوله وما من إله إلا الله سورة آل عمران 62 وقوله فما منكم من أحد عن حاجزين سورة الحاقة 4ولهذا إذا دخلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفادت نفى الجنس قطعا فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى لا إله إلا الله سورة آل عمران 62 وقوله لا ريب فيه سورة البقرة 2 ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن من موجودة كقولك ما رأيت رجلا فإنها ظاهرة لنفى الجنس ولكن قد يجوز أن ينفى بها الواحد من الجنس كما قال سيبويه يجوز أن يقال ما رأيت رجلا بل رجلين فتبين أنه يجوز إرادة الواحد وإن كان الظاهر نفى الجنس بخلاف ما إذا دخلت من فإنها تنفى نفي الجنس قطعا
ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم وكذلك لو قال لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه كلهن طلقن كلهن فإن المقصود بقوله منكم بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج
فإن قيل: فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك
قيل: نعم ونحن لا ندعى أن مجرد هذا اللفظ دل على أن جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح ولكن مقصودنا أن من لا ينافي شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل إن الخطاب دل على أن المدح شملهم وعمهم بقوله محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم إلى آخر الكلام
ولا ريب أن هذا مدح لهم مدح بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا والسيما في وجوههم من أثر السجود وأنهم يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والإعتدال كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح فذكر ما به يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء بخلاف ما إذا ذكر الإيمان
والعمل الصالح فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم
فإن قيل: فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين
قيل: المنافقون لم يكونوا متصفين بهذه الصفات ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم كما قال تعالى فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين سورة المائدة 52 53
وقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين سورة العنكبوت 10 1وقال إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة سورة النساء 140 141 إلى قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما سورة النساء 145 144
وقال تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون سورة التوبة 5وقال تعالى ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون سورة المجادلة 14 فأخبر أن المنافقين ليسوا من المؤمنين ولا من أهل الكتاب وهؤلاء لا يوجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام أكثر منهم في الرافضة ومن انضوى إليهم
وقد قال تعالى يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير سورة التحريم وقال تعالى يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا سورة الحديد 13 فدل هذا على أن المنافقين لم يكونوا داخلين في الذين آمنوا معه والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه وهم الغالب بدليل قوله تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سورة الأحزاب 061 - فلما لم يغره الله بهم ولم يقتلهم تقتيلا بل كانوا يجاورونه بالمدينة دل ذلك على أنهم انتهوا
والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعه تحت الشجرة إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ تحت جمل أحمر، وكذا جاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر
وبالجملة فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين أذلاء مقهورين لا سيما في آخر أيام النبي ﷺ وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون سورة المنافقين 8 فأخبر أن العزة للمؤمنين لا للمنافقين فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم
فيمتنع أن يكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين بل ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا أعز الناس وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم ولكن هذا الوصف مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم
والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق فإن أساس النفاق الذي بنى عليه الكذب وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكى هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك حتى يحكوا عن جعفر الصادق أنه قال التقية دينى ودين آبائي
وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان وكان دينهم التقوى لا التقية
وقول الله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة
سورة آل عمران 28 إنما هو الأمر بالإتقاء من الكفار لا الأمر بالنفاق والكذب
والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان لكن لم يكره أحد من أهل البيت على شيء من ذلك حتى أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكره أحدا لا منهم ولا من غيرهم على مبايعته فضلا أن يكرههم على مدحه والثناء عليه بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس
وقد كان في زمن بنى أمية وبنى العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم ولا يقربونهم ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ولم يكن أؤلئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم من هؤلاء فإذا لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك
فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق وأن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم لا من باب ما يكره المؤمن عليه من التكلم بالكفر
وهؤلاء أسرى المسلمين في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور وتكفير عثمان وعلي ومن والاهما يتظاهرون بدينهم وإذا سكنوا بين الجماعة سكنوا على الموافقة والمخالفة والذي يسكن في مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف أن يسكت عن ذكر مذهبه لا يحتاج أن يتظاهر بسبب الخلفاء والصحابة إلا أن يكونوا قليلا
فكيف يظن بعلي رضي الله عنه وغيره من أهل البيت أنهم كانوا أضعف دينا وقلوبا من الأسرى في بلاد الكفر ومن عوام أهل السنة ومن النواصب مع أنا قد علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء والترحم عليهم بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه ويقوله أحدهم لخاصته كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر
وأيضا فقد يقال في قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات سورة النور 55 إن ذلك وصف للجملة بوصف يتضمن حالهم عند الإجتماع كقوله تعالى ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار سورة الفتح 29 والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد فلا بد أن يتصف بسبب ذلك وهو الإيمان والعمل الصالح إذ قد يكون في الجملة منافق
وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ومدحهم والثناء عليهم فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة وافضل من دخل في ذلك من هذه الأمة كما استفاض عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
الوجه الثاني
في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت النبي ﷺ
قوله
فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا
وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه لا بحق ولا بغير حق بل قال قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة قال عمر فوالله لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر وهذا اللفظ في الصحيحين
وقد روى عنه أيضا أنه قال أقيلوني أقيلوني فالمسلمون أختاروه وبايعوه لعلمهم بأنه خيرهم كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك أحد وهذا أيضا في الصحيحين والمسلمون اختاروه كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لعائشة ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي ثم قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر فأبى الله وعباده المؤمنون أن يتولى غير أبي بكر فالله هو ولاه قدرا وشرعا وأمر المؤمنين بولايته وهداهم إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب ذلك لنفسه
الوجه الثالث
أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم إن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر فإن أبا بكر رضي الله عنه لم يعطهم دنيا وكان قد أنفق ماله في حياة النبي ﷺ ولما رغب النبي ﷺ في الصدقة جاء بماله كله فقال له ما تركت لأهلك قال تركت لهم الله ورسوله
والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا وهو الذين أثنى الله عليهم وقد علم الخاص والعام زهد عمر وأبي عبيدة وأمثالهما وإنفاق الأنصار أموالهم كأسيد بن حضير وأبي طلحة وأبي أيوب وأمثالهم ولم يكن عند موت النبي ﷺ لهم بيت مال يعطيهم ما فيه ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه فالأنصار كانوا في أملاكهم وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أو غيره فقد كان له
وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية وكذلك سيرة علي رضي الله عنه فلو بايعو عليا أعطاهم أبو بكر مع كون قبيلته أشرف القبائل وكون بني عبد مناف وهم أشرف قريش الذين هم أقرب العرب من بني أمية وغيرهم إذ ذاك كأبي سفيان بن حرب وغيره وبني هاشم كالعباس وغيره كانوا معه
وقد أراد أبو سفيان أن تكون الإمارة في بني عبد مناف على عادة الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان ولا غيرهما لعلمهم ودينهم
فأي رياسة وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر لا سيما وهو يسوي بين السابقين الأولين وبين آحاد المسلمين في العطاء ويقول إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما هذا المتاع بلاغ وقال لعمر لما أشار عليه بالتفضيل في العطاء أفأشتري منهم إيمانهم
فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين بايعوه أولا كعمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم سوى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح بل وبين من أسلم بعد موت النبي ﷺ فهل حصل لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء
الوجه الرابع
أن يقال أهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبدالله ورسوله ولا يغلون فيه غلو النصارى ولا يجفون جفاء اليهود والنصارى تدعي فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد ابن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدر المناظرة بينه وبين اليهودي فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي إلا بما يجيب به المسلم فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد ﷺ فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال له اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح وبعد أمر محمد عن الشبهة أعظم من بعد المسيح عن الشبهة فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق فالقدح فيما دونه أولى وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالثبات
ولهذا كان مناظرة كثيرة من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية فإنهم عظموه وعرف النصارى قدره فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا ففطن لمكرهم فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه ففعل نقيض ما قصدوه ولما جلس وكلموه أراد بعضهم القدح في المسلمين فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقوله من الرافضة أيضا فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج فأبهت النصارى
وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم فثبوت كذب القادحين في عائشة أولى
ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم كقوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ثم قال وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل سورة البقرة 217 فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام
لكن هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين فيه على ما يذم وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم بل هناك شبه في الموضعين وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر وشبهته أضعف وأخفى فيكون أولى بثبوت الحق ممن تكون أدلته أضعف وشبهته أقوى
وهذا حال النصارى واليهود مع المسلمين وهو حال أهل البدع مع أهل السنة لا سيما الرافضة
وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان على وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليا أو النواصب الذين يفسقونه إنه كان ظالما طالبا للدنيا وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه فهذا الكلام إن كان فاسدا ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا فهذا أولى بالتوجه والقبول لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا لا بسيف ولا عصا ولا أعطى أحدا ممن ولاه مالا واجتمعوا عليه فلم يول أحدا من أقاربه وعترته ولا خلف لورثته مالا من مال المسلمين وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله فلم يأخذ بدله وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ماكان عنده لهم وهو جرد قطيفة وبكر وأمة سوداء ونحو ذلك حتى قال عبدالرحمن بن عوف لعمر أتسلب هذا آل أبي بكر قال كلا والله لا يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك
ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته ولا قاتل مسلما بمسلم بل قاتل بهم المرتدين عن دينهم والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي الأمين العبقري الذي فتح الأمصار ونصب الديوان وعمر بالعدل والإحسان
فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة أمكن الناصبي أن يقول كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة قاتل على الولاية حتى قتل المسلمين بعضهم بعضا ولم يقاتل كافرا ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم ودنياهم
فإن جاز أن يقال علي كان مريدا لوجه الله والتقصير من غيره من الصحابة أو يقال كان مجتهدا مصيبا وغيره مخطئا مع هذه الحال فأن يقال كان أبو بكر وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الأولى والأحرى فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبهة طلب الرياسة والمال أشد من بعد علي عن ذلك وشبهة الخوارج الذين ذموا عليا وعثمان وكفروهما أقرب من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر وعمر وعثمان وكفروهم فكيف بحال الصحابة والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أو قاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في أبي بكر وعمر وعثمان فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا ويمنعنا ممن يظلمنا ويأخذ حقنا ممن ظلمنا فإذا لم يفعل هذا كان عاجزا أو ظالما وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما
وهذا الكلام إذا كان باطلا فبطلان قول من يقول إن أبا بكر وعمر كانا ظالمين طالبين للمال والرياسة أبطل وأبطل وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ومعرفة وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمرا على عزل علي ومعاوية وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين من شبهة عبدالله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم أو أنه إله أو نبي بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أو نبي فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك
ومما يبين هذا أن الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته مع كونهم على مذهب الرافضة ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره أو تفسقه لا نسلم أنه كان مؤمنا بل كان كافرا أو ظالما كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله إلا وذلك الدليل على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان أدل
فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق أمكن الخارجي أن يدعى النفاق وإذا ذكروا شبهة ذكر ما هو أعظم منها
وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن عدوين للنبي ﷺ أفسدا دينه بحسب الإمكان أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول كان يحسد ابن عمه والعداوة في الأهل وأنه كان يريد فساد دينه فلم يتمكن من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل الخليفة الثالث وأوقد الفتنة حتى تمكن من قتل أصحاب محمد وأمته بغضا له وعداوة وأنه كان مباطنا للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة وكان يظهر خلاف ما يبطن لأن دينه التقية فلما أحرقهم بالنار أظهر إنكار ذلك وإلا فكان في الباطن معهم ولهذا كانت الباطنية من أتباعه وعندهم سره وهم ينقلون عنه الباطن الذين ينتحلونه
ويقول الخارجي مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة لأن شبه الرافضة أظهر فسادا من شبه الخوارج والنواصب والخوارج أصح منهم عقلا وقصدا والرافضة أكذب وأفسد دينا
وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن عليه، قيل لهم القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره وما من آية يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أو اختصاص مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر فباب الدعوى بلا حجة ممكنة والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها في فضل غيرهما
وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية فالنقل والرواية في أولئك أشهر وأكثر فإن ادعوا تواترا فالتواتر هناك أصح وإن اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر
ثم هم يقولون إن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون يتواتر نقلهم فطريق النقل مقطوع عليهم إن لم يسلكوا طريق أهل السنة كما هو مقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين
وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي أو فقه ابن عمر دون أبيه أوفقه علقمة والأسود دون ابن مسعود ونحو ذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم دون ما هو أولى بذلك الحكم منه فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل
ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم كما أن النصارى من أجهل الناس والرافضة من أخبث الناس كما أن اليهود من أخبث الناس ففيهم نوع من ضلال النصارى ونوع من خبث اليهود
الوجه الخامس
أن يقال تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد لما خيره عبيدالله بن زياد بين الخروج في السرية التي أرسلها إلى الحسين وبين عزله عن الرى من أقبح القياس فإذا كان عمر بن سعد طالبا للرياسة والمال مقدما على المحرم لأجل ذلك أفيلزم أن يكون السابقون الأولون بهذه الحال
وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق وجاءه عمر ابنه هذا فلامه على ذلك وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا فقال اذهب فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي
وهذا ولم يكن قد بقى أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما وهو الذي فتح العراق وأذل جنود كسرى وهو آخر العشرة موتا فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان
هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه بل يفضلون محمدا ويعظمونه ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه
فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين لكونه كان من شيعة عثمان ومن المنتصرين له وسبوا أباه سعدا لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة بل الرافضة شر منهم فإن أبا بكر أفضل من سعد وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين وكلاهما مظلوم شهيد رضي الله عنهما
ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يدفع عن نفسه حتى قتل والحسين رضي الله عنه لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه أن يستأسر نفسه ليحمل إلى يزيد مأسورا فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل شهيدا مظلوما فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل وكلاهما مظلوم شهيد
ولو مثل ممثل طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن عليا والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة بغير حق بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان علي والحسين ودينهما وفضلهما ولنفاق هؤلاء وإلحادهم
وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم أما كان يكون ظالما كاذبا
فالمشبه لأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين
وأما الشيعة فكثير منهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النبي ﷺ كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم من الداخلين في الشيعة فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوسلوا بهم إلى أغراضهم
وأول هؤلاء بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب فإنه كان أمير الشيعة وقتل عبيدالله بن زياد وأظهر الانتصار للحسين حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال سيكون في ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي
ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد الذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي ﷺ يسفك الدماء بغير حق والمختار كان كذابا يدعى النبوة وإتيان جبريل إليه وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس فإن هذا كفر وإن كان لم يتب منه كان مرتدا والفتنة أعظم من القتل
وهذا باب مطرد لا تجد أحدا ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شر منه ولا تجد أحدا ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه فإن الروافض شر من النواصب والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب
وأما أهل السنة فيتولون جميع المؤمنين ويتكلمون بعلم وعدل ليسو من أهل الجهل ولا من أهل الأهواء ويتبرءون من طريقة الروافض والنوصب جميعا ويتولون السابقين والأولين كلهم ويعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم ولا يرضون بما فعله المختار ونحوه من الكذابين ولا ما فعله الحجاج ونحوه من الظالمين ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيها أحد من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما
وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به حتى أن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه
كيف وقد ثبت عن علي من وجوه متواترة أنه كان يقول خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ولكن كان طائفة من شيعة علي تقدمه على عثمان وهذه المسألة أخفى من تلك
ولهذا كان أئمة أهل السنة كلهم متفقين على تقديم أبي بكر وعمر من وجوه متواترة كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسائر أئمة المسلمين من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين
وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما وهي إحدى الروايتين عن مالك وكان طائفة من الكوفيين يقدمون عليا وهي أحدى الروايتين عن سفيان الثوري ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب السختياني وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار
وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما وكذلك ما ينقل عن بعضهم في على
وأما قوله
وبعضهم اشتبه الأمر عليه ورأى لطالب الدنيا متابعا فقلده وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله بإعطاء الحق لغير مستحقه
قال
وبعضهم قلد لقصور فطنته ورأى الجم الغفير فتابعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى وقليل ماهم سورة ص 24 وقليل من عبادي الشكور سورة سبأ 13
فيقال لهذا المفتري الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر وصنف عجزوا عنه لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد وإما أن يكون للجهل والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر وإما أن يكون لعجز عنه وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر ولو نظر لعرف الحق وهذا يؤاخذ على تفريطه بترك النظر الواجب وفيهم من عجز عن النظر فقلد الجم الغفير يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر
فيقال له
وهذا من الكذب الذي لا يعحجز عنه أحد والرافضة قوم بهت فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل
والله تعالى قد حرم القول بغير علم فكيف إذا كان المعروف ضد ما قاله فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد والجهل بالمستحق
قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسئولا سورة الإسراء 36 وقال تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم سورة آل عمران 6فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا وعلما ودينا كما قال فيهم عبدالله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم رواه غير واحد منهم ابن بطة عن قتادة
وروى هو غيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بن حبيش قال قال عبدالله بن مسعود إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ
وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الأثر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وقد رأى أصحاب رسول الله ﷺ جميعا أن يستخلفوا أبا بكر
وقول عبدالله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف
وهذا خلاف ما قاله هذا المفترى الذي وصف أكثرهم بطلب الدنيا وبعضهم بالجهل إما عجزا وإما تفريطا
والذي قاله عبدالله حق فإنهم خير هذه الأمة كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس الذين هداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم ولا من الضالين الجاهلين كما قسمهم هؤلاء المفترون إلى ضلال وغواة بل لهم كمال العلم وكمال القصد إذا لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم وأن لا يكونوا خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة
وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ذلك فإن من تأمل أمة محمد ﷺ وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين تبين له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع والعمل الصالح ما يضيق هذا الموضع عن بسطه
والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس
ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي
وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين وإما في جهال ليس لهم علم لا بالمنقولات ولا بالمعقولات قد نشأوا بالبوادي والجبال أو تحيزوا عن المسلمين فلم يجالسوا أهل العلم والدين وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال أو له نسب يتعصب له كفعل أهل الجاهلية
وأما من هو عند المسلمين من أهل العلم والدين فليس في هؤلاء رافضي لظهور الجهل والظلم في قولهم وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وأذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان زاد مسلم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم
وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة
وأيضا فيقال لهذا المفتري: هب أن الذين بايعوا الصديق كانوا كما ذكرت إما طالب دنيا وإما جاهل فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة من يعرف كل أحد ذكاءهم وزكاءهم مثل
سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وعلقمة والأسود وعبيدة السلماني وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء جابر بن زيد وعلي بن زيد وعلي بن الحسين وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ومطرف بن الشخير ومحمد بن واسع وحبيب العجمي ومالك بن دينار ومكحول والحكم بن عتيبة ويزيد بن أبي حبيب ومن لا يحصى عددهم إلا الله
ثم بعدهم مثل أيوب السختياني وعبدالله بن عون ويونس بن عبيد وجعفر بن محمد والزهري وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبدالرحمن وأبي الزناد ويحيى بن أبي كثير وقتادة ومنصور ابن المعتمر والأعمش وحماد بن أبي سليمان وهشام الدستوائي وسعيد ابن أبي عروبة
ومن بعد هؤلاء مثل مالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك وابن أبي ذئب وابن الماجشون
ومن بعدهم مثل يحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وعبدالرحمن بن القاسم وأشهب بن عبدالعزيز وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور ومن لا يحصى عدده إلا الله ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسة ولا مال وممن هم من أعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر
بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر وقال ابن القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر فقال ما رأيت أحدا ممن أقتدى به يشك في تقديمهما يعنى على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما
وأهل المدينة لم يكونوا مائلين إلى بني أمية كما كان أهل الشام بل قد خلعوا بيعة يزيد وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام بل كانوا يعدونه من علماء المدينة إلى أن خرج منها وهم متفقون على تقديم أبي بكر وعمر فهؤلاء الذين هم أعلم الناس وأدين الناس يرون تفضيله فضلا عن خلافته
وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي قال لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر
وقال شريك بن عبدالله بن أبي نمر وقال له قائل أيما أفضل أبو بكر أو علي فقال له أبو بكر فقال له السائل أتقول هذا وأنت من الشيعة فقال نعم إنما الشيعي من يقول هذا والله لقد رقى علي هذه الأعواد فقال ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نرد قوله أفكنا نكذبه والله ما كان كذابا وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبيت النبوة له وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي الذي صنفه في النقض على ابن الراوندي إعتراضه على الجاحظ
فهؤلاء الذين هم أعلم الناس وأدين الناس يرون تفضيله فضلا عن خلافته فكيف يقال مع هذا إن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا أو جهالا ولكن هذا وصف الطاعن فيهم فإنك لا تجد في طوائف أهل القبلة أعظم جهلا من الرافضة ولا أكثر حرصا على الدنيا
وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا وهم أعظم الناس اتصافا به والصحابة أبعد الناس عنه فهم أكذب الناس بلا ريب كمسيلمة الكذاب إذ قال أنا نبي صادق ومحمد كذاب ولهذا يصفون أنفسهم بالإيمان ويصفون الصحابة بالنفاق وهم أعظم الطوائف نفاقا والصحابة أعظم الخلق إيمانا
وأما قوله
وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتهما ولم تأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم وحيث حصل للمسلمين هذه البلية وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف وأن يقر الحق مقره ولا يظلم مستحقه فقد قال تعالى ألا لعنة الله على الظالمين سورة هود 1فيقال له
أولا قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا وطائفة إلى كذا وجب أن ينظر أي القولين أصح فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق والأخرى باتباع الباطل فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين
ويقال له
ثانيا قولك إنه طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون كذب على علي رضي الله عنه فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا م