معاني كلمات القران الكريم




فهرس معاني الكلمات001 الفاتحة ►002 البقرة ►003 آل عمران ►004 النساء ►005 المائدة ►006 الأنعام ►007 الأعراف ►008 الأنفال ►009 التوبة ►010 يونس ►011 هود ►012 يوسف ►013 الرعد ►014 إبراهيم ►015 الحجر ►016 النحل ►017 الإسراء ►018 الكهف ►019 مريم ►020 طه ►021 الأنبياء ►022 الحج ►023 المؤمنون ►024 النور ►025 الفرقان ►026 الشعراء ►027 النمل ►028 القصص ►029 العنكبوت ►030 الروم ►031 لقمان ►032 السجدة ►033 الأحزاب ►034 سبأ ►035 فاطر ►036 يس ►037 الصافات ►038 ص ►039 الزمر ►040 غافر ►041 فصلت ►042 الشورى ►043 الزخرف ►044 الدخان ►045 الجاثية ►046 الأحقاف ►047 محمد ►048 الفتح ►049 الحجرات ►050 ق ►051 الذاريات ►052 الطور ►053 النجم ►054 القمر ►055 الرحمن ►056 الواقعة ►057 الحديد ►058 المجادلة ►059 الحشر ►060 الممتحنة ►061 الصف ►062 الجمعة ►063 المنافقون ►064 التغابن ►065 الطلاق ►066 التحريم ►067 الملك ►068 القلم ►069 الحاقة ►070 المعارج ►071 نوح ►072 الجن ►073 المزمل ►074 المدثر ►075 القيامة ►076 الإنسان ►077 المرسلات ►078 النبأ ►079 النازعات ►080 عبس ►081 التكوير ►082 الإنفطار ►083 المطففين ►084 الانشقاق ►085 البروج ►086 الطارق ►087 الأعلى ►088 الغاشية ►089 الفجر ►090 البلد ►091 الشمس ►092 الليل ►093 الضحى ►094 الشرح ►095 التين ►096 العلق ►097 القدر ►098 البينة ►099 الزلزلة ►100 العاديات ►101 القارعة ►102 التكاثر ►103 العصر ►104 الهمزة ►105 الفيل ►106 قريش ►107 الماعون ►108 الكوثر ►109 الكافرون ►110 النصر ►111 المسد ►112 الإخلاص ►113 الفلق ►114 الناس ►

بؤامج نداء الايمان

النُخْبَةُ في شِرعَةِ الطلاق/مدونة ديوان الطلاق//المسائل الفقهية في النكاح والطلاق والمتعة والرجعة

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني / / /*الـذاكـر / /القرآن الكريم مع الترجمة / /القرآن الكريم مع التفسير / /القرآن الكريم مع التلاوة / / /الموسوعة الحديثية المصغرة/الموسوعة الفقهية الكبرى //برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم //برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية / /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة / /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين / /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر / /برنامج مكتبة السنة / /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية / /برنامج موسوعة شرح الحديث الشريف فتح البارى لشرح صحيح البخارى وشرح مسلم لعبد الباقى وشرح مالك للإمام اللكنوى / /خلفيات إسلامية رائعة / /مجموع فتاوى ابن تيمية / /مكتبة الإمام ابن الجوزي / /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني / /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي / /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي / /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي / /مكتبة الإمام ابن كثير / /مكتبة الإمام الذهبي / /مكتبة الإمام السيوطي / /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني / /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي / /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي / /مكتبة الشيخ حمود التويجري / /مكتبة الشيخ ربيع المدخلي / /مكتبة الشيخ صالح آل الشيخ / /مكتبة الشيخ صالح الفوزان / /مكتبة الشيخ عبد الرحمن السعدي / /مكتبة الشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم / /مكتبة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان / /مكتبة الشيخ عبد المحسن العباد / /مكتبة الشيخ عطية محمد سالم / /مكتبة الشيخ محمد أمان الجامي /مكتبة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي / /مكتبة الشيخ محمد بن صالح العثيمين / /مكتبة الشيخ مقبل الوادعي / /موسوعة أصول الفقه / /موسوعة التاريخ الإسلامي / /موسوعة الحديث النبوي الشريف / /موسوعة السيرة النبوية / /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية / موسوعة توحيد رب العبيد / موسوعة رواة الحديث / موسوعة شروح الحديث / /موسوعة علوم الحديث / /موسوعة علوم القرآن / /موسوعة علوم اللغة / /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القيم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /

الجمعة، 4 مارس 2022

اقتضاء الصراط المستقيم/من 13 .الي رقم 20 ونم بحمد الله

الجزء رقم 13.
  1. فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله فانه قال إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه
    ولا صلاتها جماعة بدعة بل هي سنة في الشريعة بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن
    وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد
    وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم وإقراره سنة منه ﷺ
    وأما قول عمر نعمت البدعة هذه فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث
    فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب
    نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا
    ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق وأما البدعة الشرعية فكل مالم يدل عليه دليل شرعي
    فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي ﷺ يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي ﷺ المهاجرين إلى الحبشة إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف
    ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة
    فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة
    وقد علم أن قول النبي ﷺ كل بدعة ضلالة لم يرد به كل عمل مبتدأ فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ وإنما أراد ما ابتديء من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ
    وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فعلل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد واسرج المسجد فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم يكونوا يعملونه من قبل فسمي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك وإن لم يكن بدعة شرعية لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض وخوف الافتراض قد زال بموته ﷺ فانتفى المعارض
    وهكذا جمع القرآن فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله ﷺ كان أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر القرآن بموته ﷺ واستقرت الشريعة بموته ﷺ أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه وأمنوا من زيادة الايجاب والتحريم والمقتضي للعمل قائم بسنته ﷺ فعمل المسلمون بمقتضى سنته وذلك العمل من سنته وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب فإن النبي ﷺ عهد بذلك في مرضه فقال أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي ﷺ وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم وكما جاءوا إلى علي رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا كتابك بخطك فامتنع من ذلك لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان محدثا بعده ومغيرا لما فعله هو ﷺ
    وكذلك قوله ﷺ خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول الله ﷺ وإن كان ترك قبول العطاء من أولى الأمر محدثا لكن لما أحدثوا ما أحدثوه أحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله ﷺ
    وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي سيفا وقوله قاتل به المشركين فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على عهد رسول الله ﷺ لكن هو بأمره ﷺ
    ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث إن النبي ﷺ لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط لكن لما قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وقد علم أن الزكاة من حق لا إله إلا الله فلم يعصم مجرد قولها من منع الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهذا باب واسع
    والضابط في هذا والله أعلم أن يقال إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين فما رآه المسلمون مصلحة نظر في السبب المحوج إليه فإن كان السبب المحجوج إليه أمرا حدث بعد النبي ﷺ لكن تركه النبي ﷺ من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله ﷺ لكن تركه النبي ﷺ لمعارض قد زال بموته
    وإما مالم يحدث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجودا لو كان مصلحة ولم يفعل يعلم أنه لبس بمصلحة
    وأما ما حدث المقتضى له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة
    ثم هنا للفقهاء طريقان
    أحدهما أن ذلك يفعل مالم ينه عنه وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة
    والثاني أن ذلك لا يفعل مالم يؤمر به وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة وهؤلاء ضربان
    منهم من لا يثبت الحكم إن لم يدخل تحت دليل من كلام الشارع أو فعله أو إقراره وهم نفاة القياس
    ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون
    فأما ما كان المقتضى لفعله موجودا لو كان مصلحة وهو مع هذا لم يشرعه فوضعه تغيير لدين الله تعالى وإنما أدخله فيه من نسب إلى تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد كما روي عن النبي ﷺ وغير واحد من الصحابة إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم أو جدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون
    فمثال هذا القسم الأذان في العيدين فإن هذا لما احدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر الله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى اذكروا الله ذكرا كثيرا وقوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع
    بل يقال ترك رسول الله ﷺ له مع وجود ما يعتقد مقتضيا وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة
    فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك وكذلك لو أراد أن ينصب مكانا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره لم يكن له ذلك وليس له أن يقول هذه بدعة حسنة بل يقال له كل بدعة ضلالة
    ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة
    فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرا
    فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتا على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس
    ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم
    فيقال له سبب هذا تفريطك فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك لا عن عملهم
    وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة فإنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها
    وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم وبينت أن الشرائع أغذية القلوب فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث
    وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها وعقوبات على الجرائم لا تجوز لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه ووضعوه حيث يسوغ وضعه طالبين بذلك إقامة دين الله لا رياسة أنفسهم وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع والقريب والبعيد متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة ولا إلى العقوبات الجائرة ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين كما كان الخلفاء الراشدون وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم
    وكذلك العلماء إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله وما فيه من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله ﷺ وهي سنته لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة حيث يقول عز و جل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ولا استغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنهم يتمون به فروع الدين وما كان من الحجج صحيحا ومن الرأي سديدا فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله فهمه من فهمه وحرمه من حرمه
    وكذلك العباد إذا تعبدوا بما شرع الله من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا وذاقوا طعم الكلم الطيب والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله لوجدوا في ذلك من الأحوال الزكية والمقامات العلية والنتائج العظيمة ما يغنيهم عما قد حدث من نوعه كالتغيير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن وأنواع من الأذكار والأوراد لفقها بعض الناس أو في قدره كزيادات من التعبدات أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها وإن كان كثير من العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد
    فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده بل قد يكون صديقا عظيما فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا وعمله كله سنة إذ قد يكون بمنزلة رسول الله ﷺ وهذا باب واسع
    والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها لا يتسع له هذا الكتاب وإنما الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح الذي ذكرناه والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع مما يجب العمل بها
    والوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين
    واعلم أنه ليس كل واحد بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذاالنوع من البدع ولا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد
    والواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنة وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة فننبه على بعض مفاسدها
    فمن ذلك أن من أحدث عملا في يوم كإحداث صوم أول خميس من رجب والصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب مثلا وما يتبع ذلك من إحداث أطعمة وزينة وتوسيع في النفقة ونحو ذلك فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب
    وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله وأن الصوم فيه مستحب فيه استحبابا زائدا على الخميس الذي قبله والذي بعده مثلا وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من ليالي الجمع وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصا وسائر الليالي عموما إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع
    وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم ونص على تأثيره فهو من معاني المناسبة المؤثرة فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب القريب وهم كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ومن لا يقول إلا بالمؤثرة فلا يكتفى بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم وهو قول كثير من الفقهاء أيضا من أصحابنا وغيرهم
    وهؤلاء إذا رأوا أن في الحكم المنصوص معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر عللوا ذلك الحكم المنصوص به
    وهنا قول ثالث قاله كثير من أصحابنا وغيرهم أيضا وهو أن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به ولا يكتفى بكونه علل به نظير أو نوعه
    وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة أنا إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم ودل على علته كما قال في الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات فهذه العلة تسمى المنصوصة أو المومى إليها علمت مناسبتها أو لم تعلم فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياسا أو لا يسمى
    ومثاله في كلام الناس ما لو قال السيد لعبده لا تدخل داري فلانا فإنه مبتدع أو فإنه أسود ونحو ذلك فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعا أو من كان أسود وهو نظير أن يقول لا تدخل داري مبتدعا ولا أسود ولهذا نعمل نحن بمثل هذا في باب الإيمان فلو قال لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي فلان حنث بما كانت منته فيه مثل منته وهو ثمنه ونحو ذلك
    وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته لكن قد ذكر علة نظيره أو نوعه مثل أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة فهل نعتقد أن علة ولاية النكاح هي الصغر مثلا كما أن ولاية المال كذلك أم نقول بل قد يكون لنكاح الصغيرة علة أخرى وهي البكارة مثلا فهذه العلة هي المؤثرة أي قد بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم
    فالفريقان الأولان يقولان بها وهو في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس فإنه يقول كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان كذلك يؤثر فيه في هذا المكان
    والفريق الثالث لا يقول بها إلا بدلالة خاصة لجواز أن يكون النوع الواحد من الأحكام له علل مختلفة
    ومن هذا النوع أنه ﷺ نهى عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يخطب الرجل على خطبة أخيه فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين كما علل به في قوله لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه مالا يظهر في الأول فإنما ذاك لأنه لا يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا
    وأكبر دليل خاص على العلة ونظيره من كلام الناس أن يقول لا تعط هذا الفقير فإنه مبتدع ثم يسأله فقير آخر مبتدع فيقول لا تعطه وقد يكون ذلك الفقير عدوا له فهل يحكم بأن العلة هي البدعة أم يتردد لجواز أن تكون العلة هي العداوة
    وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ورأينا فيه وصفا مناسبا له لكن الشارع لم يذكر تلك العلة ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر فهذا هو الوصف المناسب الغريب لأنه لا نظير له في الشرع ولا دل كلام الشارع وإيماؤه عليه
    فجوز الفريق الأول اتباعه ونفاه الآخران وهذا إدراك لعلة الشارع بنفس عقولنا من غير دلالة منه كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس القياس على كلامه والأول إدراك لعلته بنفس كلامه
    ومع هذا فقد تعلم علة الحكم المعين بالصبر وبدلالات أخرى
    فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع المؤثرة في موضع آخر
    وذلك أن النبي ﷺ نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو بصيام وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص
    فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم
    وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو يوما بعده وهذا لفظ البخاري
    وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال أتريدين أن تصومي غدا قالت لا فأفطري
    وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة قال نعم ورب هذا البيت وهذا لفظ مسلم
    وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لا تصوموا يوم الجمعة وحده ورواه أحمد
    ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصم ذلك اليوم لفظ البخاري يصوم عادته
    فوجه الدلالة أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام
    قسم شرع تخصيصه بالصيام إما إيجابا كرمضان وإما استحبابا كيوم عرفة وعاشوراء
    وقسم نهى عن صومه مطلقا كيوم العيدين
    وقسم إنما نهى عن تخصيصه كيوم الجمعة وسرر شعبان
    فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره فإذا خصص بالفعل نهى عن ذلك سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده وسواء اعتقد الرجحان أو لم يعتقده
    ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره لكان إما أن ينهى عنه مطلقا كيوم العيد أولا ينهى عنه كيوم عرفة وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة
    فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص مالا خصيصة له كما أشعر به لفظ الرسول ﷺ فإن نفس الفعل المنهي عنه أو المأمور به قد يشتمل على حكمة الأمر والنهي كما في قوله خالفوا المشركين
    فلفظ النهي عن تخصيص وقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص فإذا كان يوم الجمعة يوما فاضلا يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة مالا يستحب في غيره كان ذلك في مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره ويعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي فنهي النبي ﷺ عن التخصيص دفعا لهذه المفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص
    وكذلك تلقي رمضان قد يتوهم أن فيه فضلا لما فيه من الاحتياط للصوم ولا فضل فيه في الشرع فنهى الني ﷺ عن تلقيه لذلك
    وهذا المعنى موجود في مسألتنا فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقادهم فيها فضيلة ومتى كان تخصيص هذا الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك ولا فضل فيه نهي عن التخصيص إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص
    ومن قال إن الصلاة والصوم في هذه الليلة كغيرها هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أخصها فلا بد أن يكون باعثه إما تقليده غيره وإما اتباع العادة
    وإما خوف اللوم له ونحو ذلك وإلا فهو كاذب فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك عن الاعتقاد الفاسد أو عن باعث آخر غير ديني وذلك الاعتقاد ضلال
    فإنا قد علمنا يقينا أن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة لم يذكروا في فضل هذا اليوم ولا في فضل صومه بخصوص وفضل قيام هذه الليلة بخصوصها حرفا واحدا وأن الحديث المأثور فيها موضوع وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة الرابعة
    ولا يجوز والحال هذه أن يكون لها فضل لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون ولا سائر الأئمة امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله مالم يعلمه النبي ﷺ ولا الصحابة التابعون وسائر الأئمة وإن علموه امتنع مع توفر دواعيهم على العمل الصالح وتعليم الخلق والنصيحة أن لا يعلموا أحدا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم
    فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزما لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم أن لا يكتموه ولا يتركوه وكل واحد من اللازمين منتف إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع علم انتفاء الملزوم وهو الفضل المدعى
    ثم هذا العمل المبتدع مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين أو عمل دين لغير الله والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو التدين لغير الله لا يجوز
    فهذه البدع وأمثالها مستلزمة قطعا أو ظاهرة لفعل مالا يجوز فأقل أحوال المستلزم إن لم يكن محرما أن يكون مكروها وهذا المعنى سار في سائر البدع المحدثة
    ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال وتلك الأحوال أيضا باطلة ليست من دين الله
    ولو فرض أن الرجل قد يقول أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد ولو أنه توهم أو ظن أن هذا أمر ضروري فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنعت مع ذلك أن تعظمه ولكن قد تقوم به خواطر متقابلة
    فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه ومن حيث شعوره بما روي فيه أو بفعل الناس له أو بأن فلانا وفلانا فعلوه أو بما يظهر له فيه من المنفعة يقوم بفعله وتعظيمه
    فعلمت أن فعل هذه البدع تناقض الاعتقادات الواجبة وتنازع الرسل ما جاءوا به عن الله وأنها تورث القلب نفاقا ولو كان نفاقا خفيفا
    ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل أو عبد الله بن أبي بن سلول لرياسته وماله ونسبه وإحسانه إليهم وسلطانه عليهم فإذا ذمه الرسول أو بين نقصه أو أمر بإهانته أو قتله فمن لم يخلص إيمانه وإلا يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة
    فمن تدبر هذا علم يقينا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للايمان
    ولهذا قيل إن البدع مشتقة من الكفر
    وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع إذا جاز أن يتوهم لها مزية كالصلاة عند القبور والذبح عند الأصنام ونحو ذلك وإن لم يكن الفاعل معتقدا للمزية لكن
    نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية وكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود فرع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضا
    فإن قيل هذا يعارضه أن هذه المواسم مثلا فعلها قوم من أولي العلم والفضل الصديقين فمن دونهم وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه من طهارة قلبه ورقته وزوال آثار الذنوب عنه وإجابة دعائه ونحو ذلك مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام كقوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى وقوله ﷺ الصلاة نور وبرهان ونحو ذلك
    قلنا لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا كان له أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع وكان ما فيه من المبتدع مغفورا له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة والركوع والسجود وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه وما اشتملت عليه من المكروه وانتفى موجبه بعفو الله لاجتهاد صاحبه أو تقليده وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة
    لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضا فوائد وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عباداتهم على نوع ما مشروع في جنسه كما أن قولهم لا بد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن الانبياء ثم مع ذلك لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير إذ لو كان خيرها راجحا لما أهملتها الشريعة
    فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكثر من نفعها وذلك هو الموجب للنهي
    وأقول إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض الاجتهاد أو غيره كما يزول اسم الربا والنبيذ المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف ثم مع ذلك يجب بيان حالها وأن لا يقتدى بمن استحلها وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها
    وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول ﷺ وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة
    ثم يقال على سبيل التفصيل إذا فعلها قوم ذوو فضل فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهتها وأنكرها قوم كذلك وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها فليسوا دونهم في الفضل ولو فرضوا دونهم في الفضل فتكون حينئذ قد تنازع فيها أولو الأمر فترد إذن إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها لا مع من رخص فيها
    ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين المنكرين
    وأما ما فيها من المنفعة فيعارضه ما فيها من مفاسد البدع الراجحة
    منها مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن حتى تجد كثيرا من العامة يحافظ عليها مالا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس
    ومنها أن الخاصة والعامة تنقص بسبها عنايتهم بالفرائض والسنن وتفتر رغبتهم فيها فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها مالا يفعله في الفرائض والسنن حتى كأنه يفعل هذه البدعة عبادة ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة وهذا عكس الدين فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع وإجابة الدعوة وحلاوة المناجاة إلى غير ذلك من الفوائد وإن لم يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله
    ومنها ما في ذلك من مصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وما يترتب على ذلك من جهالة أكثر الناس بدين المرسلين وانتشار زرع الجاهلية
    ومنها اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل تأخير الفطور وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة والمبادرة إلى تعجيلها والسجود بعد السلام لغير سهو وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل لها إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته وسلمت سريرته
    ومنها مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان كما قال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ثم هذا مظنة لغيره فينسلخ القلب عن حقيقة الاتباع للرسول ويصير فيه من الكبر وضعف الايمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
    ومنها ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين النوع الذي فيه مشابهة والنوع الذي لا مشابهة فيه
    والكلام في ذم البدع لما كان مقررا في غير هذا الموضع لم نطل النفس في تقريره بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم
    فصل
    قد تقدم أن العيد يكون اسما لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع
    وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء
    أما الزمان فثلاثة أنواع ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال
    أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلا ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونه فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم
    والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام وحتى لا يكون له مزية أصلا
    وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود فإن تعظم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلا
    النوع الثاني ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسما ولا كان السلف يعظمونه كثامن عشري ذي الحجة الذي خطب فيه النبي ﷺ بغدير خم مرجعه من حجة الوداع فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله ووصى فيها بأهل بيته كما روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش له وأقعده على فرش عالية وذكروا كلاما باطلا وعملا قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص وغصبوا الوصي حقه وفسقوا وكفروا إلا نفرا قليلا
    والعادة التي جبل الله عليها بني آدم ثم ما كان عليها القوم من الأمانة والديانة وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا يمتنع كتمانه
    وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيدا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه
    وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها كما جاء في الحديث ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم
    واعلم أن من الاعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع وفيه أيضا شر من بدعة وغيرها فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الاعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين
    وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة فعليك هنا بأدبين
    أحدهما أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنا وظاهرا في خاصتك خاصة من يطيعك واعرف المعروف وأنكر المنكر
    الثاني أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان إذا النفوس لا تترك شيئا إلا بشيء ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها فالتاركون أيضا للسنن مذمومون فإن منها ما يكون واجبا على الاطلاق ومنها ما يكون واجبا على التقييد كما أن الصلاة النافلة لا تجب ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها وكما يجب على من أتى الذنوب أن يأتي بالكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية وما يجب على من كان إماما أو قاضيا أو مفتيا أو واليا من الحقوق وما يجب على طالبي العلم أو نوافل العبادة من الحقوق
    ومنها ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة
    ومنها ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم وعامتها يجب تعليمها والحض عليها والدعاء إليها
    وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به
    ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العادات المشتملة على نوع من الكراهة بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه فلا ينهى عن منكر ولا يؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله والنفوس قد خلقت لتعمل لا لتترك وإنما رأوا الترك مقصودا لغيره فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم تترك العمل السيء أو الناقص لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح نهيت عنه حفظا للعمل الصالح
    فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعيظمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال
    مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط
    وليس مقصود أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها
    فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور ككتب الأسماء أوالأشعار أو حكمة فارس والروم
    فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها عند المزاحمة فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرا فأما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه وتنكر أنكر المنكرين وترجح أقوى الدليلين فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين فالمراتب ثلاث
    أحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه
    والثانية العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع
    الثالثة ما ليس فيه صلاح أصلا إما لكونه تركا للعمل مطلقا أو لكونه عملا فاسدا محضا
    فأما الأول فهو سنة رسول الله ﷺ باطنها وظاهرها قولها وعملها في الأمور العلمية والعملية مطلقا فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب
    والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان
    وأما المرتبة الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضا وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع أو من يكون عمله من جنس المحرم كالكفر والكذب والخيانة والجهل ويندرج في هذا أنواع كثيرة
    فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في الصيام وترك جنس الشهوات ونحو ذلك أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها كأول ليلة من رجب ونحو ذلك قد يكون حاله خيرا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله من العلم النافع والعمل الصالح أو في أحدهما لا يحبونها ولا يرغبون فيها لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع
    ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين
    فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها
    النوع الثالث ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء ويوم عرفة ويومي العيدين والعشر الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وليلة الجمعة ويومها والعشر الأول من المحرم ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة وتوابع ذلك ما يصير منكرا ينهى عنه مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ولا رسوله ولا أحد من السلف لا من أهل بيت رسول الله ﷺ ولا من غيرهم لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه أحد سيدي شباب أهل الجنة وطائفة من أهل بيته بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله وكانت هذه مصيبة عند المسلمين يجب أن تتلقى به أمثالها من المصائب من الاسترجاع المشروع فأحدث بعض أهل البدع في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة البرآء من فتنة الحسين وغيرها أمورا أخرى مما يكرهها الله ورسوله وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث لها استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب رواه الإمام أحمد وابن ماجه
    فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين بن علي رضي الله عنهما وعنه بنته التي شهدت مصابه
    =========
    14 -------------
    وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مأتما فليس هذا من دين المسلمين بل هو إلى دين الجاهلية أقرب ثم هم قد فوتوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة وإنما المستحب صومه
    وقد روى في التوسع فيه على العيال آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته رواه ابن عيينة وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت للعصبية بين الناصبة والروافضة فإن هؤلاء أعدوا يوم عاشوراء مأتما فوضع أولئك فيه آثارا تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيدا وكلاهما باطل
    وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال سيكون في ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد وكان يتشيع وينتصر للحسين ثم أظهر الكذب والافتراء على الله وكان فيها الحجاج بن يوسف وكان فيه انحراف على علي وشيعته وكان مبيرا
    وهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبا وأسوأ حالا
    لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال والاكتحال وغير ذلك وصححها بعض الناس كابن ناصر وغيره ليس فيها ما يصح لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها فعملوا بها ولم يعلموا أنها كذب فهذا مثل هذا
    وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة لمقابلة الروافض فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا فينبغي أن يجتنب هذه المحدثات
    ومن هذا الباب شهر رجب فإنه أحد الأشهر الحرم وقد روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل شهر رجب قال اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان ولم يثبت عن النبي ﷺ في فضل رجب حديث آخر بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ﷺ كلها كذب والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما إذا علم أنه كذب فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله ﷺ من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين
    نعم روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر وروي غير ذلك
    فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روى عن عمر بن الخطاب وأبي بكر وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم
    وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ نهى عن صوم رجب رواه عن إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا داود بن عطاء حدثني زيد بن عبد الحميد عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن سليمان بن علي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما وليس بقوي
    وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله أو أن لا يقرن به شهر آخر فيه للأصحاب وجهان
    ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رءوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب وقال لا فرق بينها وبين غيرها
    لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها وما يصدق ذلك من الآثار السلفية وقد روى بعض فضائلها في المسانيد والسنن وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر
    فأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له بل إفراده مكروه وكذلك اتخاذه موسما تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها
    وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدور والأسواق فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة مكروه لم يشرع فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها لكان يفعل مثل هذه الصلاة أو أزيد أو أنقص ليلتي العيدين وليلة عرفة كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب وكما بلغني أنه كان بعض أهل القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة يسمونها صلاة بر الوالدين وكما بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من المسلمين في جميع الأرض ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع
    وعليك أن تعلم أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين وجوز التطوع في جماعة لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة بل ينبغي أن تفرق بين البابين
    وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن أو ذكر الله ونحو ذلك إذا كان يفعل ذلك أحيانا فهذا أحسن فقد صح عن النبي ﷺ أنه صلى التطوع في جماعة أحيانا وخرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون فجلس معهم يستمع وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدا يقرأ وهم يستمعون وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ورسوله وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف
    مثل قوله ﷺ ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده
    وورد أيضا في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجد قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم الحديث
    فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس وللجمعة والعيدين والحج وذلك هو المبتدع المحدث
    ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة فإن ذلك يضاهي المشروع
    وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة
    فروى أبو بكر الخلال في كتاب الأدب عن إسحاق بن منصور الكوسج أنه قال لأبي عبد الله يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم قال ما أكره للإخون إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا
    وقال إسحاق بن راهويه كما قال الإمام أحمد
    وإنما معنى أن لا يكثروا أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا هذا كلام إسحاق
    قال المروزي سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا قال أرجو أن لا يكون به بأس
    وقال أبو السري الحربي قال أبو عبد الله وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون ويذكرون ما أنعم الله به عليهم كما قالت الأنصار
    وهذه إشارة إلى أن ما رواه أحمد حدثنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة قالوا لو نظرنا يوما فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا فقالوا يوم السبت ثم قالوا لا نجامع اليهود في يومهم قالوا فيوم الأحد قالوا لا نجامع النصارى في يومهم قالوا فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم
    وقال أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون وربما أطفؤا السراج فقال لي أحمد إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس
    وروى الخلال عن الأوزاعي أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا يقص عليهم قال إذا كان ذلك يوما بعد الأيام فليس به بأس
    فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة
    وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء
    قال سندي الخواتيمي سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها ترى ذلك قال أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ أنه يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما يتبع مواضع النبي ﷺ وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا وأكثروا فيه
    وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم ولفظه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها قال أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتبع مواضع سير النبي ﷺ وفعله حتى رؤي يصب في موضع ما فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله ﷺ يصب ههنا ماء قال أما على هذا فلا بأس
    قال ورخص فيه ثم قال ولكن قد أفرط الناس جدا وأكثروا في هذا المعنى فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده
    وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك مأثور عن ابن مسعود وغسره لما اتخذ أصحابه مكانا يجتمعون فيه للذكر فخرج إليهم فقال يا قوم لأنتم أهدى من محمد أو لأنتم على شعبة ضلالة
    وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سننا ومواسم قد شرع الله منها ما فيه كفاية للعباد فاذا أحدث اجتماع زائد على هذه الإجتماعات معتاد كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة أحيانا ولهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب لما يشبه برمضان وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي ﷺ تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها المسجد الحرام أو مسجد المدينة وكذلك لما رآهم قد عكفوا على مكان قد صلى فيه النبي ﷺ عكوفا عاما نهاهم عن ذلك وقال أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد أو كما قال رضي الله عنه
    فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع من الجمعة والعيدين والصلوات الخمس فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادى وتطوع قصد بعض المشاهد ونحو ذلك كله من نوع واحد يفرق بين الكثير الظاهر منه والقليل الخفي والمعتاد وغير المعتاد وكذلك كل ما كان مشروع الجنس لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة حتى يصير كأنه واجب ويترتب على استحبابه وكراهته حكم نذره واشتراط فعله في الوقف والوصية ونحو ذلك حيث كان النذر لا يلزم إلا في القرب
    وكذلك العمل المشروط في الوقف لا يجوز أن يكون إلا برا ومعروفا على ظاهر المذهب وقول جمهور أهل العلم
    وسنومئ إلى ذلك إن شاء الله
    وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا لا يحتمله هذا الموضع وإنما الغرض التنبيه على المواسم المحدثة
    وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع فهذا لا يحتاج إلى ذكر لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب مثل رفع الأصوات في المسجد أو اختلاط الرجال والنساء أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم وإنما هذا من جنس سائر الأقوال المحرمة في المساجد سواء حرمت في المسجد وغيره كالفواحش والفحش أو صين عنها المسجد كالبيع والشراء وإنشاد الضالة وإقامة الحدود ونحو ذلك
    وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم أنه يستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية لأن فيها قراءة قل هو الله أحد ألف مرة وربما استحبوا الصوم أيضا وعمدتهم في خصوص ذلك الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ في ذلك
    وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة على ما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها وما جاء من الأثر باحيائها وعلى الاعتياد حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي الاستحباب لجنسها من العبادات
    فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث
    وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق لكن العمل المعين إما أن يستحب بخصوصه أو يستحب لما فيه من المعنى العام
    فأما المعنى العام فلا يجب جعله خصوصا مستحبا ومن استحبها ذكرها في النفل المقيد كصلاة الضحى والتراويح وهذا خطأ ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة المعدودين لا الأولين ولا الآخرين وإنما كره التخصيص لما صار يخص مالا خصوص له بالاعتقاد والقصد كما ذكره النبي ﷺ إفراد يوم الجمعة وسرد شعبان بالصيام وإفراد ليلة الجمعة بالقيام فصار نظير هذا مالو أحدثت ليالي العشر صلاة مقيدة أو بين العشاءين ونحو ذلك
    فالعبادات ثلاثة
    منها ما هو مستحب بخصوصه كالنفل المقيد من ركعتي الفجر وقيام رمضان ونحو ذلك وهذا منه المؤقت كقيام الليل
    ومنها المقيد بسبب كصلاة الاستسقاء وصلاة الآيات
    ثم قد يكون مقدرا في الشريعة بعدد كالوتر وقد يكون مطلقا مع فضل الوقت كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة
    فصارت أقسام المقيد أربعة
    ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه كالنفل المطلق فإن الشمس إذا طلعت فالصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر
    ومنها ما هو مكروه تخصيصه إلا مع غيره كقيام ليلة الجمعة وقد يكره مطلقا إلا في أحوال مخصوصة كالصلاة في أوقات النهي
    ولهذا اختلف العلماء في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر هل هو لئلا يفضي إلى تحري الصلاة في هذا الوقت فيرخص في ذوات الأسباب العارضة أو هو نهي مطلق لا يستثنى منه إلا قدر الحاجة على قولين هما روايتان عن أحمد وفيها أقوال أخر للعلماء والله أعلم
    فصل
    وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبح هذا ويصير خروجا عن الشريعة
    فمن ذلك ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة والإجتماع العظيم عند قبره كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب والتعريف هناك كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله ومضاهاة للحج الذي شرعه الله واتخاذ القبور أعيادا
    وكذلك السفر إلى البيت المقدس للتعريف فيه فإن هذا أيضا ضلال مبين فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره
    ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة ولهذا قد أفضى إلى مالا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام
    وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة أو من حلق الرأس هناك أو من قصد النسك هناك
    وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفات كما يطاف بالكعبة
    فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء والضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه فمن أقبح المنكرات من وجهات أخرى
    منها فعل ذلك في المسجد الأقصى ونحوه فإن ذلك مما ينهى عنه خارج المساجد فكيف بالمسجد الأقصى
    ومنها اتخاذ الباطل دينا
    ومنها فعله في الموسم
    فأما قصد الرجل المسلم مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبه هذا هو المشهور عنه
    وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم
    ومن كرهه قال هو من البدع فيندرج في العموم لفظا ومعنى ومن رخص فيه قال فعله ابن عباس بالبصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولم ينكر عليه وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة
    لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة فمكروه في هذا اليوم وغيره
    قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول ينبغي أن يسر دعاءه لقوله ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا قال هذا في الدعاء قال وسمعت أبا عبد الله يقول وكانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء
    وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال أحدث الناس الصوت عند الدعاء
    وعن سعيد بن أبي عروبة أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم فمشى إليهم فقال أيها القوم إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم قال فجعلوا يتسللون رجلا رجلا حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها
    وروى أيضا بإسناده عن ابن شوذب عن أبي التياح قال قلت للحسن إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء فقال الحسن إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة
    فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث ليس هذا موضعها
    والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يخلف فيها أن في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها كقبر الصالح أو المسجد الأقصى وهذا تشبيه بعرفات بخلاف مسجد المصر فإنه قصد له بنوعه لا بعينه ونوع المساجد مما شرع قصدها فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانا معينا لا يتبدل اسمه وحكمه وإنما الغرض بيت من بيوت الله بحيث لو حول ذلك المسجد لتحول حكمه ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه
    وأيضا فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه مثل الحج بخلاف المصر
    الا ترى أن النبي ﷺ قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا
    هذا مما لا أعلم فيه خلافا
    فقد نهى النبي ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة
    ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة وإما مستحب كالاعتكاف فيه
    وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا وهذا بنفسه محرم سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره وهو من الأعياد المكانية مع الزمان
    وأما ما أحدث في الأعياد من ضرب البوقات والطبول ! فإن هذا مكروه في العيد وغيره لا اختصاص للعيد به وكذلك لبس الحرير أو غير ذلك من النهي عنه في الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع
    فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة أو الخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر والذبح في الأضحى
    فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال ثم النساء كما كان رسول الله ﷺ يخطب الرجال ثم النساء
    ومنهم من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره بل يعدل إلى ما تقل فائدته
    ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة إلى أمور أخر من غير السنة فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به وترك المنكر والنهي عنه
    فصل
    وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضا كالزمانية إلى ثلاثة أقسام
    أحدها مالا خصوص له في الشريعة
    والثاني ماله خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه
    والثالث ما يشرع العبادة فيه لكن لا يتخذ عيدا
    والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها مثل قوله ﷺ للذي نذر أن ينحر ببوانة أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال فأوف بنذرك
    ومثل قوله ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا
    ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا كما سنذكره إن شاء الله
    فهذا الأقسام الثلاثة أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا ولا فيه ما يوجب تفضيله بل هو كسائر الأمكنة أو دونها فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال بين
    ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم كان أقبح وأقبح ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله من مشابهة الكفار وهذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور وهذا الضرب أقبح من الذي قبله
    فإن هذا يشبه عبادة الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كما ذكر الله ذلك في كتابه حيث يقول أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى فقد كان كل واحد من هذه الثلاثة لمصر من أمصار العرب والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة مكة والمدينة والطائف
    فكانت اللات لأهل الطائف ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة وقصتها معروفة لما بعث النبي ﷺ لهدمها المغيرة بن شعبة لما افتتح الطائف بعد فتح مكة سنة تسع من الهجرة
    وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون فبعث النبي ﷺ إليها خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها وقسم النبي ﷺ مالها وخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها فيئست العزة أن تعبد
    وأما مناة فكانت لأهل المدينة يهلون لها شركا بالله تعالى وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل
    ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء
    ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم
    فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه
    فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا
    وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به ويقول إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء لا يجوز الوفاء به بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم منهم أحمد في المشهور عنه وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما أنه يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه والمسألة معروفة
    وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين أو البئر
    وكذلك إذا نذر مالا من النقد أو غيره للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة الذين كانوا لللات والعزى ومناة يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم الخليل إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله عليه وآله وسلم ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون و قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين والذين أتى عليهم موسى عليه السلام وقومه بعد مجاوزتهم البحر كما قال تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم
    فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاورين بها نذر معصية وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها أو سدنة الأبداد التي بالهند والمجاورين عندها
    ثم هذا المال المنذور إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع مثل أن يصرفه في عمارة المساجد أو للصالحين من فقراء المسلمين الذين يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له كان حسنا
    فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك أو يظن أنه مقام له وليس كذلك
    فأما ما كان قبرا له أو مقاما فهذا من النوع الثاني وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه
    فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق والله أعلم قبر من هو لكنه ليس بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله ﷺ بلا شك
    وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال إن فيه قبر هود عليه السلام وما علمت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق بل قد قيل إنه مات باليمن وقيل بمكة فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة فأما الشام فلا هي داره ولا مهاجره فموته بها والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه بل ذكروا خلافه في غاية البعد
    وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق يقال إنه قبر أويس القرني وما علمت أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق ولا هو متوجه أيضا فإن أويسا قدم من اليمن إلى أرض العراق وقد قيل إنه قتل بصفين وقيل إنه مات بنواحي أرض فارس وقيل غير ذلك وأما الشام فما ذكر أحد أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها
    ومن ذلك ايضا قبر يقال له قبر أم سلمة زوج النبي ﷺ ولا خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام ولم تقدم الشام أيضا
    فإن أم سلمة زوج النبي ﷺ لم تكن تسافر بعد رسول الله ﷺ بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية فإن أهل الشام كشهر بن حوشب ونحوه كانوا إذا حدثوا عنها قالوا أم سلمة وهي بنت عم معاذ بن جبل وهي من أعيان الصحابيات ومن ذوات الفقه والدين منهن أو لعلها أم سلمة امرأة يزيد بن معاوية وهو بعيد فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين وما أكثر الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيرة
    ومن ذلك مشهد بقاهرة مصر يقال إن فيه رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما وأصله المكذوب أنه كان بعسقلان مشهد يقال إن فيه رأس الحسين فحمل فيها يقال الرأس من هناك إلى مصر وهو باطل باتفاق أهل العلم لم يقل أحد من أهل العلم إن رأس الحسين كان بعسقلان بل فيه أقوال ليس هذا منها فإنه حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة حتى روي له عن النبي ﷺ ما يغيظه وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام ولا يثبت ذلك فإن الصحابة المسمين في الحديث إنما كانوا بالعراق
    وكذلك مقابر كثيرة لأسماء رجال معروفين قد علم أنها ليست بمقابرهم
    فهذه المواضع ليس فيها فضيلة أصلا وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة اللهم إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر المسلمين ليس لها من الخصيصة ما يحسبه الجهال وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا ولا أن يفعل فيها ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى فيكون من القسم الثاني
    ومن هذا الباب أيضا مواضع يقال إن فيها أثر النبي ﷺ أو غيرها ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس من أن فيها أثرا من وطء قدم النبي ﷺ وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم
    وفي مسجد قبلي دمشق يسمى مسجد القدم به أيضا أثر يقال إن ذاك أثر قدم موسى عليه السلام وهذا باطل لا أصل له ولم يقدم موسى دمشق ولا من حولها
    وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤي في المنام هناك ورؤية النبي أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها وتتخذ مصلى بإجماع المسلمين وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب وربما صوروا فيها صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه مضاهاة لأهل الكتاب كما كان في بعض مساجد دمشق مسجد يسمى مسجد الكف فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى هدم الله ذلك الوثن
    وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد
    وفي الحجاز منها مواضع كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال إنه الغار الذي أوى النبي ﷺ إليه هو وأبو بكر وأنه الغار الذي ذكره الله في قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار ولا خلاف بين أهل العلم أن هذا الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور قريب من مكة معروف عند أهل مكة إلى اليوم
    فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت ليس من الإسلام تعظيمها بأي نوع من التعظيم فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها وكما ينهي عن إفراد الجمعة سرر شعبان بالصوم وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم
    فإن ما كان مقصودا بالتخصيص مع النهي عن ذلك ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل
    وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم فإن ذلك المسجد لما بني ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة فيه وأمر بهدمه
    وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيما لما لم يعظمه الله وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر وصدا للخلق عن سبيل الله وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ واتخاذها عيدا والاجتماع واعتياد قصدها فإن العيد من المعاودة
    ويلتحق بهذا الضرب ولكنه ليس منه مواضع تدعى لها خصائص لا تثبت مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي أو قبر صالح أو مقام نبي أو صالح ونحو ذلك وقد يكون ذلك صدقا وقد يكون كذبا
    وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جدا
    وكان غير واحد من أهل العلم يقول لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا محمد ﷺ وغيره قد يثبت غير هذا أيضا مثل قبر إبراهيم الخليل عليه السلام وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق فإن الأرض غيرت مرات فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت إلا من طريق خاصة وإن كان لو ثبت لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها
    ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها إما مع العلم بأنه لا خصيصة لها أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها المعصومة عن الخطأ
    وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله
    وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام
    فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها ولذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد من أهل الهند وغيرهم
    وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه والمساجد التي هي بيوته
    وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض
    وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع
    وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدق التجائه وقد يكون سبه مجرد رحمة الله له وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه وقد يكون له أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حق الداعي
    فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون وينصرون ويعافون ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها
    وقد قال الله تعالى كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا
    وقال تعالى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها ليس هذا موضع تفصيلها وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر
    فصل
    النوع الثاني من الأمكنة ماله خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذها عيدا ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده
    فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء عن النبي ﷺ والسلف النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا وبينوا معنى العيد
    فأما العموم فقال أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن صالح قال قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم وهذا إسناده حسن فإن رواته كلهم ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه
    قال يحيى بن معين هو ثقة وحسبك بابن معين موثقا وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم الرازي ليس بالحافظ هو لين يعرف حفظه وينكر
    فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن
    إذ لا خلاف في عدالته وفقهه وأن الغالب عليه الضبط لكن قد يغلط أحيانا
    ثم إن هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر لأنه سنة مدنية وهو محتاج إليها في فقهه ومثل هذا يضبطه الفقيه
    وللحديث شواهد من غير طريقه فإن هذا الحديث يروى من جهات أخرى فما بقي منكرا
    وكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي ﷺ بأسانيد معروفة وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدا
    فمن ذلك ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه
    وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله ﷺ لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني
    وقال سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله ﷺ قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء
    فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده لو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين وكيف وقد تقدم مسندا
    ووجه الدلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى النهي كائنا من كان ثم قرن ذلك بقوله ﷺ ولا تتخذوا بيوتكم قبورا أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة في البيوت ونهى عن تحريها عند القبور وهذا عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم
    وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا
    وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه
    =========
    ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذها عيدا بقوله صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم
    وفي الحديث الآخر فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم
    يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا
    والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة
    مثل ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ﷺ
    وهذا الحديث على شرط مسلم
    ومثل ما روى أبو داود ايضا عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء
    وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من صلى علي سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته رواه الدارقطني بمعناه وفي النسائي وغيره عنه ﷺ أنه قال إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة
    ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيره
    فتبين أن قصد قبره للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا
    وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد القبر للسلام ونحوه غير دخول المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا
    فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط
    والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدا مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله
    وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورا لهم بتقدير كونها قبورا لهم بل وسائر القبور أيضا داخلة في هذا
    فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس ولا يتكأ عليه عندنا وعند جمهور العلماء ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه والدعاء له وكلما كان الميت أفضل كان حقه أوكد
    قال بريدة بن الحصيب رضي الله عنه كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام على أهل الديار وفي لفظ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية رواه مسلم
    وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون
    وروي أيضا عن عائشة في حديث طويل عن النبي ﷺ قال إن جبريل أتاني فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت كيف أقول يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون
    وروى ابن ماجه عن عائشة قالت فقدته فإذا هو بالبقيع فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين انتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون اللهم لاتحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب
    وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء فصلى عليهم كصلاته على الميت
    وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
    وقد روى حديث صححه ابن عبد البر أنه قال ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام
    وروي في تلقين الميت بعد الدفن حديث فيه نظر لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين مع روايتهم له فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم
    فهذا ونحوه مما كان النبي ﷺ يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم أو المرور بهم إنما هو تحية للميت كما يحيى الحي ويدعي له كما يدعي له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده وفي ضمن الدعاء للميت دعاء الحي لنفسه ولسائر المسلمين كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي ولسائر المسلمين وتخصيص الميت بالدعاء له
    فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون هو المشروع للمسلمين في ذلك وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي ﷺ وغيره
    وروى ابن بطة في الابانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ حدثنا ابن عون قال سأل رجل نافعا فقال هل كان ابن عمر يسلم على القبر فقال نعم لقد رأيته مائة أو أكثر من مائة مرة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على عمر أبي
    وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد محتجا بها ثم ينصرف
    وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ
    وزيارة القبور جائزة في الجملة حتى قبور الكفار فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي
    وفيه أيضا عنه قال زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت
    وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها
    وفي رواية لأحمد والنسائي فمن أراد أن يزر فليزر ولا تقولوا هجرا
    وروى أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة
    فقد أذن النبي ﷺ في زيارتها بعد النهي وعلل ذلك بأنها تذكر الموت والدار الآخرة وأذن لنا إذنا عاما في زيارة قبر المسلم والكافر
    والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر والعلة وهي تذكر الموت والآخرة موجودة في ذلك كله
    وقد كان ﷺ يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين
    فهذه الزيارة وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة أو لتحيتهم والدعاء لهم هي الذي جاءت به السنة كما تقدم
    وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها على قولين
    أحدهما لا يجوز والمسافرة لزيارتها معصية لا يجوز قصر الصلاة فيها وهذا قول ابن بطة وابن عقيل وغيرهما لأن هذا السفر بدعة لم يكن في عصر السلف وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي ولأن في الصحيحين عن النبي ﷺ قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا
    وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب والعبادة
    بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري لما رأى أبا هريرة راجعا من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته لأن النبي ﷺ قال لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد
    فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم وأنه لا يجوز السفر إليها كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة
    وأيضا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير المساجد الثلاثة لا يجوز مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد من الفضل مالا يحصى فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أولى أن لا يجوز
    والوجه الثاني أنه يجوز السفر إليها قاله طائفة من المتأخرين منهم أبو حامد الغزالي وأبو الحسن بن عبدوس الحراني والشيخ أبو محمد المقدسي وما علمته منقولا عن أحد من المتقدمين بناء على أن هذا الحديث لم يتناول النهي عن ذلك كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان والعلماء والمشايخ والإخوان أو بعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة
    فأما ما سوى ذلك من المحدثات فأمور
    منها الصلاة عند القبور مطلقا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها قد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه
    فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة فما أدري عني به التنزيه أو التحريم ولا ريب في القطع بتحريمه لما روى مسلم في صحيحه عن جندب ابن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا منكم خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك
    وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس قالا لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذااغتم بها كشفها فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا أخرجه البخاري ومسلم
    وأخرجاه جميعا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
    وفي رواية لمسلم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
    فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك
    قالت عائشة قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا رواه البخاري ومسلم
    وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد رواه أبو حاتم في صحيحه
    وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه الإمام أحمد
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي
    وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار ليس هذا موضع استقصائها
    فهذه المساجد مبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر على وجهين
    ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة مثل ما بني على قبر بعض العلماء أو الصالحين أو غيرهم ممن كان مدفونا في مقبرة مسبلة فبني على قبره مسجدا أو مدرسة أو رباطا أو مشهدا وجعل فيها مطهرة أو لم يجعل فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات
    أحدها أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها كدفن الميت في المسجد أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه
    الثاني اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين وإخراج عظام موتاهم كما قد علم ذلك في كثير من هذه المواضع
    الثالث أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور
    الرابع أن بناء المطاهر التي هي محل النجاسات بين مقابر المسلمين من أقبح ما تجاور به القبور لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل مسلم
    الخامس اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك
    السادس الإسراج على القبور وقد لعن ﷺ من يفعل ذلك
    السابع مشابهة أهل الكتابين في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب كما هو الواقع إلى غير ذلك من الوجوه
    وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم عليه السلام مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناما فنقبت لذلك
    وقيل إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك ذلك مسجدا بعد الفتوح المتأخرة
    وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعا لأمر رسول الله ﷺ واتقاء لمعصيته كما تقدم
    وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقا لا يجوز بلا خلاف أعلمه للنهي الوارد ولا يجوز الوفاء بما ينذ لها من دهن وغيره بل موجبه موجب نذر المعصية
    ومن ذلك الصلاة عندها وإن لم يبن هناك مسجد فإن ذلك أيضا اتخاذها مسجدا كما قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا ولم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجدا وإن لم يكن هناك بناء كما قال ﷺ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا
    وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه
    واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا لكونها مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أولا يكون ونجاسة الأرض مانعة من الصلاة عليها سواء كانت مقبرة أو لم تكن لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وقال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وروى عنه أنه قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهى عن ذلك
    فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا كما قال الشافعي رضي الله عنه وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس
    وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء
    فإن قبر النبي ﷺ أو الرجل الصالح لم يكن ينبش القبر الواحد لا نجاسة عليه
    وقد نبه هو ﷺ على العلة بقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وبقوله إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها ولأنه قد روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ولأنه ﷺ قال كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة
    فجمع بين التماثيل والقبور
    وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك وقد ذكروا أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهما السلام
    فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى عن محمد بن قيس ويعوق ونسرا قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم قال قتادة وغيره كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ثم اتخذها العرب بعد ذلك
    وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله ولهذا تجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد بل ولا في السحر ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء مالا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال
    فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ذلك سدا للذريعة
    فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء أو بعض الصالحين متبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن الله به فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ من أن الصلاة عند القبر أي قبر كان لافضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا بل مزية شر
    واعلم أن تلك البقعة وإن كان قد تنزل عندها الملائكة والرحمة ولها فضل وشرف ولكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه
    فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود ولهذا قال ﷺ فيما صح عنه لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله
    فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير ذلك البقعة كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربوا على هذه المصلحة حتى تغمرها أو تزيد عليها بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة ومثبتة لما يوجب اللعنة والعذاب ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشيء من الصلاة عندها فيكفيه أن يقلد الرسول ﷺ فإنه لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة وعن صوم يومي العيدين بل كما حرم الخمر فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها وكذلك تحريم القطرة منها ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها
    وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المفاسد وإنما عليه طاعتهم قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وقال من يطع الرسول فقد أطاع الله
    وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والمال والأهل وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم كما أن عامة من يشرك بهم شركا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ماابتدعه من الإشراك بهم
    وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة
    وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة هل هي محرمة أو مكروهة وإذا قيل محرمة فهل تصح مع التحريم أم لا
    المشهور عندنا أنها محرمة لا تصح
    ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك وأن صلاته عندها لا تصح
    وليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة فإنها معروفة إنما الغرض التنبيه على ما يخفى من غيره
    فمما يدخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو لها فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين
    أحدهما أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به
    الثاني أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى التحريم أقرب والفرق بين البابين ظاهر فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو كان يدعو في بقعة وكان هناك بقعة فيها صليب وهو عنه ذاهل أو دخل إلى كنيسة ليبيت فيها مبيتا جائزا ودعا الله في الليل أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله لم يكن بهذا بأس
    ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم بل لو قصد بيتا أو حانوتا في السوق أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من المنكرات المحرمة إذ ليس للدعاء عندها فضل
    فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو أشد من بعضه لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيدا وعن الصلاة عندها بخلاف كثير من هذه المواضع
    وما يرويه بعض الناس من أنه قال إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور أو نحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء
    والذي يبين ذلك أمور
    أحدها أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها وبالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة
    ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلا أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدا فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد وهذا واضح لمن فقه في دين الله فتبين له ما جاءت به الحنفية من الدين الخالص لله وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد ونفي الشرك بكل طريق
    الثاني أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر من رجاءها بالدعاء في غير ذلك الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ولا ذكره أحد من العلماء والصالحين المتقدمين بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي ﷺ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ بل قد روى عن عائشة رضي الله عنها أنها كشفت عن قبر النبي ﷺ لينزل المطر فإنه رحمة تنزل على قبره ولم تستسق عنده ولا استغاثت هناك
    ولهذا لما بنيت حجرته على عهد التابعين بأبي وهو وأمي ﷺ تركوا في أعلاها كوة إلى السماء وهي إلى الآن باقية فيها موضوع عليها شمع على أطرافه حجارة تمسكه وكان السقف بارزا إلى السماء وبنى ذلك لما احترق المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة وظهرت النار بأرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى وجرب بعدها فتنة التتر ببغداد وغيرها
    ثم عمر المسجد والسقف كما كان وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف وأنكرها من أن كرها
    على أنا قد روينا في مغازي محمد بن إسحق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه قراءة مثل ما قرأ القرآن هذا فقلت لأبي العالية ما كان فيه فقال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه فقلت ما كانوا يرجون منه قال كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون فقلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات قال منذ ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه شيء قال لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع
    ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس وهو إنكار منهم لذلك
    ويذكرون أن قبر أبي أيوب الأنصاري عند أهل القسطنطينية كذلك ولا قدوة بهم فقد كان من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير وعندهم التابعون ومن بعدهم من الأئمة وما استغاثوا عند قبر صحابي قط ولا استسقوا عنده ولا به ولا استنصروا عنده ولا به
    ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بل على نقل ما هو دونه
    ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعا أن القوم ما كانوا يستغيون عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم كما قد ذكرنا بعضه
    فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة أولا يكون
    فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم ويعلمه من بعدهم ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب وإن كان فيه نوع كراهة فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه هذا محال طبعا وشرعا
    وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها من شطوط الأنهار ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق وجوانب الطرقات ومالا يحصي عدده إلا الله
    وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه فمن شرعه فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله
    وقال تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله مالم ينزل به سلطانا لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله مالا يعلم
    وما أحسن قول الله مالم ينزل به سلطانا لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات
    ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم
    فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم فيقال لهم نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم فإنهم خلق من خلق الله لا يضرون إلا بعد مشيئة الله فمن مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو ومن أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا تخافون الله وأنتم قد أحدثتم في دينه من الشرك مالم ينزل به وحيا من السماء فأي الفريقين أحق بالأمن من كان لا يخاف إلا الله ولم يبتدع في دينه شركا أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه بل من آمن ولم يخلط إيمانه بشرك فهؤلاء هم الذين لهم الأمن وهم مهتدون
    وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم درجات
    فإن قيل قد نقل عن بعضهم أنه قال قبر معروف الترياق المجرب وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده وأظنه ذكر ذلك المروزي ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء وعلى هذا عمل كثير من الناس
    وقد ذكر المتأخرون المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده
    وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له
    وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنها بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة عندها كغيرها
    وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ وجرب أقوام استجابة الدعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي وغيره
    وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذي الفضل عند الناس علما وعملا من كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها وفيهم من كان بارعا في العلم وفيهم من له عند الناس كرامات فكيف يخالف هؤلاء
    وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق أهل العلم والدين لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون
    قلنا الذي ذكرنا كراهته لم ينقل في استحبابه فيما علمناه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ حيث قال خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم مع شدة المقتضى عندهم لذلك لو كان فيه فضيلة فعدم أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه
    وأما من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء والصديقين إلى فعل ذلك وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك فإنه لا يمكن أن يقال اجتمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين
    أحدهما أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديما وحديثا
    الثاني أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون ولم يفعلوه فإن هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا
    فكيف وهذا والحمد لله لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي رحمه الله أنه قال إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة رحمه الله فأجاب أو كلاما هذا معناه وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له أدنى معرفة بالنقل
    فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة بل ولم يكن هذا على عهد االشافعي معروفا وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عند قبر أبي حنيفة
    ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن ابن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره
    ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور الصالحين خشية الفتنة بها
    وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه
    وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روى لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت فكيف بالمنقول عن غيره
    ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ فيه ويصيب أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي عنها فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها
    ثم سائر هذه الحجج دائر بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجور استحباب العبادات بمثله مع العلم بأن الرسول لم يشرعها وتركه لها مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله وإنما تثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير نقل عن أبناء النصارى وأمثالهم وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسبيل السابقين أو الأولين ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا استنباطا بحال
    والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل
    أما المجمل فالنقض فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير بل المشركون الذين بعث اليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة
    فإن كان هذا وحده دليلا على أن يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل وذلك كفر متناقض
    ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثنا وأحسن الظن به وأساء الظن بآخر وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره فمن المحال إصابتهم جميعا وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجع بلا مرجح والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد
    فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف التأثير على زعمهم فإن الواحد إذا أحسن للظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر من حسن الظن بواحد دون آخر وهذا كله من خصائص الأوثان
    ثم قد استجيب لبلعم بن باعوراء في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان
    والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون
    وأما الجواب المفصل فنقول
    مدار هذه الشبهة على أصلين
    منقول وهو ما يحكى من نقل هذا الدعاء عن بعض الأعيان
    ومعقول وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة
    فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط وليس بحجة بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك
    وأما المعقول فنقول عامة المذكور من المنافع كذب فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات فيستجاب له في واحدة ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات الأسحار ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله فإن هؤلاء إذا ابتهلوا ابتهالا من جنس القبوريين لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله القبوريون إذا فعله المخلصون لم يرد المخلصون إلا نادرا ولم يستجب للقبوريين إلا نادرا والمخلصون كما قال النبي ﷺ ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل الله له دعوته أو يدخر له من الخير مثلها أو يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر فهم في دعائهم لا يزالون بخير
    وأما القبوريون فإنهم إذا استجيب لهم نادرا فإن أحدهم يضعف توحيده ويقل نصيبه من ربه ولا يجد في قلبه من ذوق طعم الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده وغفر له خطأه
    وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريجات الفلكية والتوجهات النفسانية كالعين والدعاء المحرم والرقي المحرمة والتمريجات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية فقل أن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة دع الآخرة والمخبل من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم فهي في نفسها مضرة لا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من منفعته والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين ﷺ كالصدقة وفعل المعروف يحصل بها الخير المحض أو الغالب وما يحصل من ضرر بفعل مشروع أو ترك غير مشروع مما نهى عنه فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة
    وهذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فهو ايضا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة ويجلبان كل خير ويدفعان كل شر
    فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض ولا غالب ومن كان له خبرة بأحوال العالم وعقل تيقن ذلك يقينا لا شك فيه
    وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانا فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو أما أعيانها فيلا ريب وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله سبحانه وتعالى ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر
    ========
    16..
    ومثل النبي ﷺ مثل طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه فقال له اشرب كذا واجتنب كذا ففعل ذلك فحصل غرضه من الشفاء
    والمتفلسف يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو قال له مريض فما الذي يشفيني منه لم يكن له بذلك علم تام
    على أن الكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختلط عقله فيتوله إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين
    ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه
    ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرا اضطرارا لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا ولو استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعف الله عنه كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة وقد قال ﷺ إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل
    فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة
    تارة بأن يسأل مالا تصلح له مسألته كما فعل بلعام وثعلبة كخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم
    وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة الدعاء ولا في المسئول وإن كانت حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده وأعطوا طلبتهم فتنة ولما يشاء الله سبحانه بل أشد من ذلك
    ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثيرا من أغراض النفوس الشريرة ومع هذا فقد قال سبحانه ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه خاسر في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا وقد قال تعالى ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم
    كذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يكون يدعون دعاء محرما لهم معه ذلك الغرض ويورثهم ضررا أعظم منه وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا
    ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه لتقصيره في طلب العلم أو تركه للحق وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون فيه مجتهدا أو مقلدا كالمقلد أو المجتهد اللذان يعذران في سائر الأعمال وغير المعذور قد يتجاوز الله عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته من صدق قصده أو لمحض رحمة الله به أو نحو ذلك من الأسباب
    فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية بمنزلة سائر أنواع العبادات
    وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه
    ومن هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي وهذا غلط لما ذكرناه خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به لأنه ليس العمل مشروعا فلا يكون لهم الثواب المتبعين ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل
    ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع حضور أولئك الرجال سنة تتبع وليس مع المقلدين من الصدق والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك
    وكما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني بين يديه وقال لي يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل بسعدي ولبني لولا أعلم أنك صادق لعذبتك
    فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فاعلم أن كثيرا منها ما يكون من هذا الباب
    ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره كما يحكى عن سحنون المحب قال وقع في قلبي شيء من هذه الآيات فجئت إلى دجلة فقلت وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت فخرج حوت عظيم أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله
    وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة جاء إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء بعض الهاشميين إليه فقال إن النبي ﷺ بعث إليك هذا وقال لك اخرج من عندنا فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا
    وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل
    ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة ولو كان هذا شرعا أو دينا لكان أهل المعرفة أولى به
    ولا يقال هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك فإن الله لم يسوغ هذا لأحد لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة
    أما استحباب المكروهات أو إباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له وبين إباحة فعله أو المحبة له سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل أو ببعض صفاته
    وقد علمت جماعة ممن سأل حاجة من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته وليس ذلك بشرع فيتبع ولا سنة
    وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب وإن اشتملت أحيانا على فوائد لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها
    ثم هذا التحريم والكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة إما من جهة المطلوب وإما من جهة نفس الطلب وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها إما من جهة المستعاذ منه وإما من جهة نفس الاستعاذة فينجون من ذلك الشر ويقعون فيما هو أعظم
    وأما المطلوب المحرم فمثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو آخرته وإن كان لا يعلم أنه يضره فيستجاب له كالرجل الذي عاده النبي ﷺ فوجده مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا قال سبحان الله إنك لا تستطيعه أو لا تطيقه هلا قلت ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وكأهل جابر بن عتيك لما مات فقال النبي ﷺ لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون
    وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب
    ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه كدعاء بلعام بن باعوراء على قوم موسى عليه السلام وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص فيدعوا لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح فيستجاب له ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء كما يستحقها على سائر الذنوب فإن لم يحصل له ما يمحو ذلك من توبة أو حسنات ماحية أو شفاعة غيره أو غير ذلك وإلا فقد يعاقب إما بأن يسلب ما عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته فينزل عن درجته وإما بأن يسلب عمل الإيمان فيصير فاسقا وإما بأن يسلب أصل الإيمان فيكون كافرا منافقا أو غير منافق
    وما أكثر ما يبتلى بهذا المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب وربما غلب على أحدهم حال قلبه حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة التي تحفظ حال القلب فيؤاخذ على ذلك وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه فتقع معفوا عنها
    ثم من غرور هؤلاء وأشباههم اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده وليس في الحقيقة كرامة وإنما يشبه الكرامة من جهة كونها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا وإنما الكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة وإنما هذا بمنزلة ما ينعم به الله على بعض الكفار والفساق من الرياسات والأموال في الدنيا فإنها إنما تصير نعمة حقيقية إذا لم تضر صاحبها في الآخرة ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء هل ما ينعم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة وإن كان الخلاف لفظيا قال الله تعالى أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم فإذا هم مبلسون وفي الحديث إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته فإنما هو استدراج يستدرجه به
    ومثال هذا في الاستعاذة قول المرأة التي جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخطبها فقالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بمعاذ ثم انصرف عنها فقيل لها إن هذا النبي ﷺ فقالت أنا كنت أشقى من ذلك
    وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم أو غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في زمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في دار الإسلام وزمانه
    ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج عنهم وربما يعاينون أمورا وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك ولا علم له به البتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك وربما رآه ضاربا له بسيف وإن كان الحي لا شعور له بذلك وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك فهذا قريب
    وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من هذا الجنس المحرم ما يظنون أنه محبة من الله بما تفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقن أنه لم يسمع الدعاء فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك أو أنه له فيه فعلا وإذا قيل إن الله يفعله بذلك السبب
    فإذا كان السبب محرما لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله وأن يدعو الله مستشفعا بغيره إليه كما تقول النصارى يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به إليه كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم وقد يكون دعا الله بكلمات لا تصلح أن يناجي بها الله أو يدعي بها لما في ذلك من الاعتداء
    فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله وينور قلبه فيفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع ويفرق بين أمر القدر وأمر الشرع ويعلم أن الأقسام ثلاثة
    أمور قدرها الله وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه
    وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها ولكن لم يعنه على حصولها
    فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد
    والقسم الثالث أن يعين الله العبد على ما يحبه منه
    فالأول إعانة الله والثاني عبادة الله والثالث جمع له بين العبادة والإعانة كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين
    فما كان من الدعاء غير المباح ذا اثر فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق ولهذا قال تعالى في مريم وصدقت بكلمات ربها وكتبه ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر
    ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل به غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون وقال تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا وقال تعالى ام من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا
    فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات إنما حصولها منه وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة كما أن خلقه للسموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته وأنه خالق كل شيء وأن ما دون هذا بأن يكون خلقا له أولى إذ هو حاصل عن مخلوقاته العظيمة فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة
    وجماع الأمر أن الشرك نوعان
    شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير إما كما قال سبحانه قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالا ولا يشركونه في شيء من ذلك ولا يعينونه على ملكه ومن لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته
    وشرك في الألوهية بأن يدعو غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين فكما أن إثبات المخلوقات أسباب لا تقدح في توحيد الربوبية ولا تمنع أن الله خالق كل شيء ولا توجب أن يدعي مخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابا لا يقدح في توحيد الإلهية ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذ كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته إذ قد جعل الله الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل الأصيل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله سبحانه من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله سبحانه وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وقوله تعالى وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وكقوله تعالى قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا الآية وكقوله سبحانه ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمت أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان والتوحيد وكذلك قوله تعالى ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع وقوله سبحانه والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقوله تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا وسورة الزمر أصل عظيم في هذا
    ومن هذا قوله سبحانه ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير وكذلك قوله تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول
    وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببا أو جزءا من السبب في حصول طلبته
    والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات
    فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلا فإن المشيئة الالهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء أو لا تكون اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء
    وقال قوم ممن تكلم في العلم بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق
    والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببا أو شرطا أو جزءا من السبب فالمقصود هنا واحد فإذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدا أو يرويه الهمه أن يأكل أو يشرب وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء والعلم بالتعلم فمبدأ الأمور من الله وتمامها على الله لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو في ملكوت الرب بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وهو جاعل دعاء عبده سببا لما يريده سبحانه من القضاء كما قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله وعنه ﷺ أنه قال إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض
    فهذا في الدعاء الذي يكون سببا في حصول المطلوب
    وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة من رضا الله وفرحه وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحة كما جاءت به النصوص وكذلك غضبه ومقته
    وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما للناس فيه من المقالات والاضطراب في غير هذا الموضع
    فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببا فقد تقدم الكلام عليه
    فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة فلا تكون هي السبب في حصول المطلوب ولا جزءا منه ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم إلا وهما كاذبا كالنذر سواء فإن في الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل مالم يكن البخيل يريد أن يخرجه
    فقد أخبر النبي ﷺ أن النذر لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ مالم يكن يخرجه قبل ذلك ومع هذا فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد فنذروا نذرا لكشف شدائدهم أكثر أو قريبا من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور أو غيرها فقضيت حوائجهم بل من كثرة اغترار الضالين المضلين بذلك صارت النذور المحرمة في الشرع مآكل لكثير من السدنة والمجاورين العاكفين على القبور أو غيرها يأخذون من الأموال شيئا كثيرا وأولئك الناذرون يقول أحدهم مرضت فنذرت ويقول الآخر خرج علي المحاربون فنذرت ويقول الآخر ركبت البحر فنذرت ويقول الآخر حبست فنذرت ويقول الآخر أصابتني فاقة فنذرت
    وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله فضلا عن معصيته ليس سببا لحصول الخير وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه موافقة كما يوافق سائر الأسباب فما هذه الأدعية غير المشروعة في حصول المطلوب بأكثر من هذه النذور في حصول المطلوب بل تجد كثيرا من الناس يقول إن المكان الفلاني أو المشهد الفلاني أو القبر الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذرا إن قضيت حاجتهم وقضيت كما يقول القائلون الدعاء عند المشهد الفلاني أو القبر الفلاني مستجاب بمعنى أنهم دعوا هناك مرة فرأوا اثر الإجابة بل إذا كان المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع لأن لأن جنس الدعاء هذا مؤثر فالإضافة إليه ممكنة بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر
    والغرض بأن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثر نوعا ولا وصفا فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزينه لهم ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحا فكذلك هذ إذا كلاهما مخالف للشرع
    ومما يوضح ذلك أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر هو السبب أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة ولا دليل على ذلك في الغالب إلا الاقتران أحيانا أعني وجودهما جميعا وإن تراخى أحدهما عن الآخر مكانا أو زمانا مع الانتقاض أضعاف أضعاف الاقتران ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه ليس دليلا على العلة باتفاق العقلاء إذا كان هنالك سبب آخر صالح إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم العلية
    فإن قيل إن التخلف لفوات شرط أو لوجود مانع
    قيل بل الاقتران لوجود سبب آخر وهذا هو الراجح فإنا نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات بأنواع من الأسباب لا يحصيها إلا هو وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع إلا نادرا فإذا رأيناه قد أحدث كان شيئا وكان الدعاء المبتدع قد وجد إحالة حدوث الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببا
    ثم الاقتران إن كان دليلا على العلة فالانتقاض دليل على عدمها
    وهنا افترق الناس على ثلاث فرق مغضوب عليهم وضالون والذين أنعم الله عليهم
    فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة
    ويقولون الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء عليهم السلام
    والضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببا وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية يدورون حولها لا يعدلون عنها
    فأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك ونحو ذلك من حكمه وكذلك يخرقها لأوليائه تارة لتأييد دينه بذلك وتارة تعجيلا لبعض ثوابهم في الدنيا وتارة إنعاما عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة أو لغير ذلك ويؤمنون بأن الله يرد ما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة إلى ما جعله في قوى الأجسام والأنفس ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها ولا يعلمون بما حرمته الشريعة وإن ظن أن له تأثيرا
    وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيرا أو قد يظن كثيرا وقد يتوهم كثيرا وهما ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل
    ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره لا بد فيه من أحد أمرين
    إما أن لا يكون سببا صحيحا كدعاء مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه
    فأما ما كان سببا صحيحا منفعته أكثر من مضرته فلا ينهى عنه الشرع بحال وكل مالم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من باب النهي عنه كما تقدم
    وأما العلم بغلبة السبب فله طرق في الأمور الشرعية كما له طرق في الأمور الطبيعية
    منها الاضطرار فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله ﷺ فأخذ غير مرة ماء قليلا فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه ووضع يده الكريمة في الطعام وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة فإن العلم بهذا الاقتران المعين يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ص - علما ضروريا كما يعلم أن الرجل ذا ضرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات أن الموت كان منها بل أوكد فإن العلم بأن كثرة الماء الطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلا مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علما ضروريا بذلك وكذلك لما دعا النبي ﷺ لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده فكان نخله يحمل في السنة مرتين على خلاف عادة بلده ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء
    ومن رأى طفلا يبكي بكاء شديدا فألقمته أمه الثدي فسكن علم يقينا أن سكونه كان لأجل ارتضاعه اللبن
    والاحتمالات وإن تطرقت إلى النوع فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين وكذلك الأدعية فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له أو يفعل فعلا كذلك فيجده كذلك كالعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما قال يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم اسقنا فمطروا في يوم شديد الحر مطرا لم يجاوز عسكرهم وقال احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيا لم يبل أسافل أقدام دوابهم وأيوب السختياني لما ركض الجبل لصاحبه ركضة فنبعت له عين ماء فشرب ثم غارت فدعا الله وحده لا شريك له دل الوحي المنزل والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله
    فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية في حقهم فأحدث لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه على وجه يوجب العلم تارة والظن الغالب أخرى أن الدعاء كان هو السبب في هذا وتجد هذا ثابتا عند ذوي العقول والبصائر الذين يعرفون جنس الأدلة وشروطها واطرادها
    وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما نجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد وإنما يقع في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزون بين الحق والباطل
    وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته عليه الصلاة و السلام ثم يدعو لنفسه وذكر انه إذا حياه وصلى عليه يستقبله بوجهه بأبي هو وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا مراعاة منهم لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا بل يؤمر به للميت كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده
    وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره وقيل لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة أو أمامها
    ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ كما تقدم فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلي إليه
    قال مالك في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضى ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل جدارها مربعا وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد
    فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة حدثني أبي قال كان الناس يصلون إلى القبر فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس فلما هدم بدت قدم بساق وركبة قال ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز
    وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه ألا ترى أن المسلم لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء ومن الناس من يتحرى قت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح سواء كانت في المشرق أو غيره وهذا ضلال بين وشرك واضح كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض مقدسيهم من الصالحين وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله ﷺ وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى
    ومما يبين لك ذلك أن نفس السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملا بقوله ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا وبقوله لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله فكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب حتى قيل له إن ابن عمر كان يفعل ذلك
    ولهذا كره مالك رضي الله عنه وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه قال وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا ونحو ذلك
    ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها
    وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما نقول ذلك في آخر صلاتنا بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع
    فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر عيدا
    وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم رضي الله عنهم بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وبما نهاهم عنه وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك
    قال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم وصلى عليه وقال السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه
    وعبد الرحمن بن زيد وأن كان يضعف لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا
    وما أحسن ما قال مالك لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه وكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها ملاصقة لمسجده وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة ومضى الأمر على ذلك في عهدالخلفاء الراشدين ومن بعدهم وزيد في المسجد زيادات وغيروا الحجرة عن حالها هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه حتى بناه الوليد بن عبد الملك وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد فمن أهل العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم من لم يكرهه
    قال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به فقال ما أعرف هذا قلت له فالمنبر فقال أما المنبر فنعم قد جاء فيه قال أبو عبد الله شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر قال ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة قلت ويروون عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ثم قال لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون فقال أبو عبد الله نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو عبد الله بأبي هو وأمي ﷺ
    فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي ﷺ ويده ولم يرخصوا في التمسح بقبره وقد حكى بعض أصحابنا
    رواية في مسح قبره لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له والفرق بين الموضعين ظاهر
    وكره مالك التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر
    فأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة فقد زال ما رخص فيه لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسح بمقعده
    وروى الأثرم بإسناده عن العتبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر
    الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين وأعلم بهذا الشأن من غيرهما لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ومكانا
    وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي ﷺ وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي
    وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء شيء من القبور حرفا واحدا فيما أعلم
    فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل والسلف تنكره ولا نعرفه وتنهى عنه ولا تأمرنا به
    نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يدعى عند قبره ونحو ذلك كما وجد الإنكار على من يقول ذلك ويأمر به كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة أو مقلدا فيعفوا الله عنه
    أما إن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا بل قد يقال هذا من جنس قول بعض الناس المكان الفلاني يقبل النذر والموضع الفلاني ينذر له ويعينون عينا أو بئرا أو شجرة أو مغارة أو حجرا أو غير ذلك من الأوثان فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين كذلك الأول
    ولم يبلغنا إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة
    قال ابن أبي فديك وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه
    قال ابن أبي فديك وسمعت بعض من أدركت يقول بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليه يا فلان ولم تسقط له حاجة
    فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حجة فيه لوجوه
    أحدها أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية ليس هو من التابعين ولا تابعيهم المشهورين حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين لم ينقلوا شيئا من ذلك
    ومما يضعفه أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فكيف يكون من صلى عليه سبعين مرة جزاؤه أن يصلي عليه ملك من الملائكة وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه من البعيد والقريب
    الثاني أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة كما ذكر ذلك العلماء في مناسك الحج وليس هذا من مسألتنا فإنا قد قدمنا أن من زاره زيارة مشروعة ودعا في ضمنها لم يكره هذا كما ذكره بعض العلماء مع ما في ذلك من النزاع مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عند القبر للدعاء وهو أصح وإنما المكروه الذي ذكرناه قصد الدعاء عنده ابتداء كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا ضمنها لم يكره ذلك أو توضأ في مكان وصلى هناك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص
    الثالث أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته على النبي ﷺ فإن الصلاة عليه قبل الدعاء وفي وسطه وآخره من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائر الدعاء كما جاءت به الآثار مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يروى موقوفا ومرفوعا الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك رواه الترمذي
    وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب أخبار المدينة فيما رواه عنه الزبير بن بكار وروى عنه عن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي ﷺ ويدعو حتى يمسي فيقول جلساء ربيعة انظروا إلى ما يصنع هذا فيقول دعوه فإنما للمرء ما نوى
    ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار وهو مضعف عند أهل الحديث كالواقدي ونحوه لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به
    وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم لم يكن من فعل الصحابة ولا غيرهم من علماء أهل المدينة وإلا لو كان هذا أمرا معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ربيعة وأنكروه بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه يدل على أنهم على عهد مالك وذويه ما كانوا يعرفون هذا العمل وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكروا في كتاب مصنف ما يتضمن استغراب ذلك
    ثم إن جلساء ربيعة وهم قوم فقهاء علماء أنكروا ذلك وربيعة أقره فغايته أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى لا يقتضي الإقرار على ما يكره فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه وكذلك لو أراد الصلاة في وقت نهي
    وإنما الذي اراده ربيعة والله أعلم أن من كانت له نية صالحة أثيب على نيته وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع إذا لم يتعمد مخالفة الشرع
    فهذا الدعاء وإن لم يكن مشروعا لكن لصاحبه نية صالحة قد يثاب علىنيته
    فيستفاد من ذلك أنهم مجمعون على أن الدعاء عند القبر غير مستحب ولا خصيصة في تلك البقعة وإنما الخير قد يحصل من جهة نية الداعي
    ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه إما لأنه لم يبلغه أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ قبره عيدا وعن الصلاة عنده فإن ربيعة كما قال أحمد كان قليل العلم بالآثار أو بلغه ذلك لكن لم ير مثل هذا داخلا في معنى النهي أو لأنه لم ير هذا محرما وإنما غايته أن يكون مكروها وإنكار المكروه ليس بفرض أو أنه رأى أن ذلك الرجل إنما قصده السلام والدعاء جاء ضمنا وتبعا
    وفي هذا نظر ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا في صحة الصلاة عند القبر ومن لم يبطلها قد لا ينهى عن فعل ذلك
    والعمدة على الكتاب والسنة وما كان عليه السابقون مع أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه فقال حدثني عمر بن هرون عن سلمة بن وردان قال رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو
    فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة وإما كان يقدم من البصرة إما مع الحجيج أو نحوهم فيسلم على النبي ﷺ ثم إذا أراد الدعاء فالذي ينبغي في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا وهو مستدبر القبر
    =======
    اقتضاء الصراط المستقيم/17
    وذكر محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد ومحمد بن إسماعيل وغيرهما عن محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول الله ﷺ الذي فيه قبره هو بيت عائشة الذي كانت تسكنه وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة وأن الذي يلي القبلة منه أطوله والشرقي والغربي سواء والشامي أنقصها وباب البيت مما يلي الشام وهو مسدود بحجارة سود وقصة
    ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك هذا البناء الظاهر وعمر بن عبد العزيز زواه لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيه الصلاة من بين مسجد النبي ﷺ وذلك أن رسول الله ﷺ قال كما حدثني عبد العزيز بن محمد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وحدثني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
    فهذه الآثار إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار علم كيف كان حال السلف في هذا الباب وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك هو من المنكرات عندهم
    ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ﷺ أو قبور غيره من الصالحين وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك
    فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم
    وكذلك أيضا ما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكا إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج فيستسقي الناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذه الوقائع كثيرا
    وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجته فتقضى له فإن هذا قد وقع كثيرا وليس هو مما نحن فيه
    وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل ﷺ إن أحدكم ليسألني مسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل
    وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة
    فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا
    فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها بل لما يخاف عليهم من الفتنة وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك
    وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك
    وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي حذر منها الشارع كما تقدم فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمنا وليس كذلك
    الوجه الرابع أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد وربما اجتمع القبوريون عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله لا تتخذوا قبري عيدا وبقوله لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وبقوله ﷺ لا تتخذوا القبور مساجد فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد
    حتى إن بعض القبور يجتمع عندها القبوريون في يوم من السنة ويسافرون إليها لإقامة العيد إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها
    وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء وبعضها في يوم عرفة وبعضها في النصف من شعبان وبعضها في وقت آخر بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة وكما يقصد مصلى المصر يوم العيدين بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد
    ومنها ما يسافر إليه من الأمصار في وقت معين أو وقت غير معين لقصد الدعاء عنده والعبادة هناك كما يقصد بيت الله الحرام لذلك وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في تحريمه والنهي عنه إلا أن يكون خلافا حادثا وإنما ذكرت الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور
    فأما إذا كان السفر للعبادة عندها بالدعاء أو الصلاة أو إقامة العيد أو نحو ذلك فهذا لا ريب فيه حتى إن بعضهم يسميه الحج ويقول نريد الحج إلى قبر فلان وفلان
    ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع
    وفي الجملة هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله لا تتخذوا قبري عيدا
    فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد ثم ينهى عن دق ذلك وجله وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره قال وقد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا وذكر ما يفعل عند قبر الحسين
    وقد ذكرت فيما تقدم أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجيء بها السنة فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين
    ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي رضي الله عنه وقبر الحسين وحذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وقبر موسى بن جعفر ومحمد ابن علي الجواد ببغداد وعند قبر أحمد بن حنبل ومعروف الكرخي وغيرها وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي وكان يفعل نحو ذلك بحران عند قبر يسمى قبر الأنصاري إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها كما أنهم بنوا كثيرا منها مساجد وبعضها مغصوب كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم
    وهؤلاء الفضلاء من الأمة إنما ينبغي محبتهم واتباعهم وإحياء ما أحيوه من الدين والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان ونحو ذلك
    فأما اتخاذ قبورهم أعيادا فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيدا كما تقدم ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافا ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة
    وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب لانمحي ذلك كله فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراما كالصلاة عندها وأولى وكان ذلك فتنة للخلق وفتحا لباب الشرك وإغلاقا لباب الإيمان
    فصل
    قد تقدم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها مساجد وعن الصلاة عندها وعن اتخاذها عيدا وأنه دعا الله ان لا يتخذ قبره وثنا يعبد
    وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك
    وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها وإليها والأمر بالسلام عليها والدعاء لها
    وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء أو الدعاء ضمنا وتبعا
    وتمام الكلام في ذلك بذكر سائر العبادات فالقول فيها جميعا كالقول في الدعاء فليس في ذكر الله هناك أو القراءة عند القبر أو الصيام عنده أو الذبح عنده فضل على غيره من البقاع ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا
    وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك أو الصيام والقراءة أفضل منه في غير تلك البقعة
    فأما ما يذكره بعض الناس من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر فهذا إذا عنى به أنه يصل الثواب إليه إذا قرئ عند القبر خاصة فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين بل الناس على قولين
    أحدهما أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة وغيرهما يصل إلى الميت كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالاجماع وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما وقول طائفة من أصحاب الشافعي ومالك وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الموضع
    والثاني أن ثواب العبادة البدنية لا يصل إليه بحال وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك وما من أحد من هؤلاء يخص مكانا بالوصول أو عدمه
    فأما استماع الميت للأصوات من القراءة وغيرها فحق لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت من استماع أو غيره وإنما ينعم أو يعذب بما كان قد عمله في حياته هو أو بما يعمل غيره بعد الموت من أثره أو بما يعامل به كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة ! عليه وكما ينعم بما يهدي إليه وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع وكذلك قد ذكر طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ونقلوه عن أحمد وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي فقد يقال أيضا إنه يتنعم بما يسمعه من القراءة وذكر الله
    وهذا لو صح لم يوجب استحباب القراءة عنده فإن ذلك لو كان مشروعا لبينه رسول الله ﷺ لأمته
    وذلك لأن هذا وإن كان نوع مصلحة ففيه مفسدة راجحة كما في الصلاة عنده وتنعم الميت بالدعاء له والاستغفار والصدقة عنه وغير ذلك من العبادات يحصل له به من النفع أعظم من ذلك وهو مشروع ولا مفسدة فيه ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي ﷺ لأمته لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل هي مكروهة أم لا تكره والمسألة مشهورة وفيها ثلاث روايات عن أحمد
    إحداها أن ذلك لا بأس به وهي اختيار الخلال وصاحبه وأكثر المتأخرين من أصحابه وقالوا هي الرواية المتأخرة عن أحمد وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمرو رضي الله عنهما أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح سورة البقرة وخواتيمها ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة
    والثانية أن ذلك مكروه حتى اختلف هؤلاء هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صلى عليها في المقبرة وفيه عن أحمد روايتان وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدا يفعل ذلك
    فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه
    والثالثة أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها كما نقل ابن عمرو رضي الله عنهما وعن بعض المهاجرين وأما القراءة بعد ذلك مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا
    وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها لما فيها من التوفيق بين الدلائل والذين كرهو القراءة عند القبر كرهها بعضهم وإن لم يقصد القراءة هناك كما تكره الصلاة فان أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك
    ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا وما يفعل لأجل القبر بين كما تقدم والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن وأنها رزق لحافظ القرآن وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته
    وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين كما يحفظ بقراءة الكافر وجهاد الفاجر وقد قال ﷺ إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر
    وبسط الكلام في الوقوف وشروطها قد ذكر في موضع آخر وليس هذا هو المقصود هنا
    فأما ذكر الله هناك فلا يكره لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة فإنه نوع من اتخاذها عيدا وكذلك قصدها للصيام عندها ومن رخص في القراءة فانه لا يرخص في اتخاذها عيدا مثل أن يجعل له وقت معلوم يعتاد فيه القراءة هناك أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك لا يرخص في اتخاذه عيدا لذلك كما تقدم
    وأما الذبح هناك فنهى عنه مطلقا ذكره أصحابنا وغيرهم لما روى أنس عن النبي ﷺ قال لا عقر في الإسلام رواه أحمد وأبو داود وزاد قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة
    قال أحمد في رواية المروزي قال النبي ﷺ لا عقر في الإسلام كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره فنهى النبي ﷺ عن ذلك كره أبو عبد الله أكل لحمه
    قال صحابنا وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه فهذه أنواع العبادات البدنية أو المالية أو المركب منهما
    فصل
    ومن المحرمات العكوف عند القبر والمجاورة عنده وسدانته وتعليق الستور عليه كأنه بيت الله الكعبة
    فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة محرم بدلالة السنة فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد والعكوف فيه كأنه المسجد الحرام بل عند بعضهم العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله
    بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله أعظم عند القبوريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وقد أسست على تقوى من الله ورضوان
    وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور إما قبر نبي أو شيخ أو بعض أهل البيت أفضل من حج البيت الحرام ويسمى زيارتها الحج الأكبر ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت وبعضهم إذا وصل إلى المدينة رجع ولم يذهب إلى البيت الحرام وظن أنه حصل له المقصود وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور إنما هو لأجل الدعاء عندها والتوسل بها وسؤال الميت ودعائه
    ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من الكعبة ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه وأن المقصود بزيارة القبور هو الدعاء لها كما يقصد بالصلاة على الميت لزال هذا الشرك عن قلوبهم ولهذا نجد كثيرا من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ربه فيقول اغفر لي وارحمني وتب علي ونحو ذلك
    وكثير من الناس تتمثل له صورة الشيخ المستغاث به ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه كما تفعل الشياطين بعبدة الأوثان
    وأعظم من ذلك قصد الدعاء عنده والنذر له أو للسدنة العاكفين عليه أو المجاورين عنده من أقاربه أو غيرهم واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة أو كشف عنه البلاء
    فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير وأن الله لم يجعله سببا لدرك حاجة كما جعل الدعاء سببا لذلك فكيف بنذر المعصية الذي لا يجوز الوفاء به
    واعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين المدفونين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع
    فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غص من كرامة أصحابها بل هو من باب إكرامهم
    وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقه مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه
    ومن كرامة الأنبياء والصالحين أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعهم كما قال ﷺ من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء
    إنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة
    إما من الأدعية وإما من الأسفار وإما من السماعات ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع أو بعضه أعني لإعراض قلوبهم وإن قاموا بصورة المشروع وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام أغنته عن كل ما يتوهم فيه خيرا من جنسها
    ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة مالا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره
    ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته
    فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتوقى الشر يوقه
    فصل
    فأما مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا أو عبدوا الله سبحانه فيها لكنهم لا يتخذوها مساجد
    فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين
    أحدهما النهي عن ذلك وكراهته وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع مثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم وكما كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة وكما يقصد المساجد للصلاة ويقصد الصف الأول ونحو ذلك
    والقول الثاني أنه لا بأس باليسير من ذلك كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ وإن كان النبي قد سلكها اتفاقا لا قصدا
    قال سندي الخواتيمي سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد يذهب إليها ترى ذلك قال أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا وأكثروا فيه
    وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها فقال أما على حديث ابن أم مكتوم وأنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا أو على ما كان يفعل ابن عمر كان يتتبع مواضع سير النبي ﷺ حتى إنه رؤي يصب في موضع الماء فسئل عن ذلك فقال كان النبي ﷺ يصب ههنا ماء قال أما على هذا فلا بأس قال ورخص فيه ثم قال ولكن قد أفرط الناس جدا وأكثروا في هذا المعنى فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده رواهما الخلال في كتاب الأدب
    فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا والكثير الذي يتخذونه عيدا كما تقدم
    وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة فإنه قد روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة قال موسى وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة
    فهذا ما رخص فيه أحمد رضي الله عنه
    وأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ب ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل و لئيلاف قريش في الثانية فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال ما هذا قالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم أتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض
    فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي ﷺ عيدا وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا
    وفي رواية عنه أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال أين يذهب هؤلاء فقيل يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي ﷺ فهم يصلون فيه فقال إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها
    وروى محمد بن وضاح وغيره أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ بيعة الرضوان لأن الناس كانوا يذهبون تحتها فخاف عمر الفتنة عليهم
    وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان تلك المشاهد
    فقال محمد بن وضاح كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قبا واحدا ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها
    فهؤلاء كرهوها مطلقا لحديث عمر رضي الله عنه هذا لأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعيادا وإلى التشبه بأهل الكتاب ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ
    والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله فإذا قصد النبي ﷺ العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد
    وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات
    واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها وذكر طائفة المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسك استحباب زيارة هذه المشاهد وعدوا منها مواضع وسموها
    وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا مثل أن تنتاب لذلك ويجتمع عندها في وقت معلوم كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات وإن كانت بيوتهن خيرا لهن إلا إذا تبرجن وجمع بذلك بين الآثار واحتج بحديث ابن أم مكتوم
    ومثله ما أخرجاه في الصحيحين عن عتبان بن مالك قال كنت أصلي لقومي بني سالم فأتيت النبي ﷺ فقلت إني أنكرت بصري وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا حتى أتخذه مسجدا فقال أفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر معه بعد ما اشتد النهار فاستأذن النبي صلى الله
    عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام رسول الله ﷺ فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم
    ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبنى مسجده في موضع صلاة رسول الله ﷺ فلا بأس به وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته
    ولكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد فأحب أن يكون موضعا يصلي له فيه النبي ﷺ ليكون النبي ﷺ هو الذي يرسم المسجد بخلاف مكان صلى فيه النبي ﷺ اتفاقا فاتخذ مسجدا لا لحاجة إلى المسجد لكن لا لأجل صلاته فيه
    فأما الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة والدعاء عندها فقصد الصلاة أو الدعاء فيها سنة اقتداء برسول الله ﷺ واتباعا له كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب
    ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت له يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها
    وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى الصلاة في موضع المصحف يسبح فيه وذكر أن النبي ﷺ كان يتحرى ذلك المكان وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة
    وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء وليس بجيد فإنه هنا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يتحرى البقعة فكيف لا يكون هذا القصد مستحبا
    نعم إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان
    فيجب الفرق بين اتباع النبي ﷺ والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به
    وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل رسول الله ﷺ فعلا من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه
    وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما فإن النبي ﷺ كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزله لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة
    فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله وهذا سنة
    فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي وصلى فيها اتفاقا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا أو مسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ
    ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم وقد قال ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
    وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع وقول الصحابي وفعله إذا خالفه نظيره ليس بحجة فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة
    وأيضا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سدا للذريعة فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه وقصد جبل ثور والصلاة فيه وقصد الأماكن التي يقال إن الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللذين بجبل قاسيون بدمشق اللذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما
    ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور فإنه يقال إن هذا مقام نبي أو قبر نبي أو ولي بخبر لا يعرف قائله أو بمنام لا تعرف حقيقته ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى شرك مبني على إفك والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص
    ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله مرتين ثم قرأ قول الله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به
    وقال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم اللذين كنتم تزعمون إلى قوله وضل عنهم ما كانوا يفترون
    وقال تعالى عن الخليل إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون
    وقال تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة إلى قوله إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار وضل عنكم ما كنتم تزعمون
    وقال تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إلى قوله
    وقال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم إلى قوله وضل عنهم ما كانوا يفترون
    وقال تعالى ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون
    وقال تعالى إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين
    قال أبو قلابة هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة وهو كما قال
    فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله به
    والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء ولهذا فإن كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم ولا أبعد عن التوحيد حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجمعات والجماعات ويعمرون المشاهد التي أقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد
    فقال تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم يقل مشاهد الله
    وقال تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ولم يقل عند كل مشهد
    وقال تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ولم يقل مشاهد الله بل المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله ولا يعمرها إلا من فيه نوع من الشرك
    وقال تعالى في بيوت اذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب
    وقال تعالى ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا وقال تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ولم يقل وأن المشاهد لله
    وكذلك سنة رسول الله ﷺ الثابتة بقوله في الحديث الصحيح من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ولم يقل مشهدا
    وقال أيضا في الحديث صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين صلاة
    وقال أيضا في الحديث الصحيح من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة كانت خطواته إحداها ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه اللهم اغفر له اللهم ارحمه مالم يحدث
    وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول ﷺ فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها ولم يأمرنا ببناء مشهد لا على قبر نبي ولا على غير قبر نبي ولا على مقام نبي ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا ولم يكن أحد من السلف يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه
    واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما يستقبل قبره ويسلم عليه
    وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأظنه منصوصا عنه وقال أبو حنيفة بل يستقبل القبلة ويسلم عليه وهكذا في كتاب أصحابه
    وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهما لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو ولكن يسلم ويمضي
    وقال أيضا في المبسوط لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف عند قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر
    فقيل له فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك في اليوم مرة وأكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده
    وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء والتحية كالصلاة والسلام ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدبر القبر أو منحرفا عنه وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو مستقبل القبر وهكذا المنقول عن سائر الأئمة ليس في ائمة المسلمين من استحب للمار أن يستقبل قبر النبي ﷺ ويدعو عنده
    وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوما فقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية ومدح قوما فقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله وذم قوما فقال إن الذن ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال الله تعالى ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله الآية
    فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه فانه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره وقيل لا يوليه ظهره
    فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء
    ويشبه والله أعلم أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند السلام وهو يسمي ذلك دعاء فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم وكما قال في رواية ابن وهب عنه إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده
    وقد تقدم قوله إنه يصلي عليه ويدعو له
    ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال ﷺ في الحديث الصحيح إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة
    فقول مالك في هذه الحكاية ان كان ثابتا عنه معناه أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون إلى الله بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو بطاعته وفعل ما يشفع له به يوم القيامة كسؤال الله له الوسيلة ونحو ذلك
    وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدعو ويسلم يعني دعاءه للنبي ﷺ وصاحبيه
    فهذا الدعاء المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين وهو الدعاء لهم فإنه أحق الناس أن يصلي عليه ويسلم ويدعي له بأبي هو وأمي ﷺ
    وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة
    وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية فهي والله أعلم باطلة فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلمه ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا
    وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلا هذه الآية وأنشد بيتين ... يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ...
    ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع
    وليس كل من قضيت حاجته لسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به فقد كان ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل
    وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع
    وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها
    ========
    اقتضاء الصراط المستقيم/18
    ثم هذا الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع
    والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة وأكابر التابعين وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء ويذكر أنه لم يفعله السلف وقد أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه فاستسقى بالعباس
    ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق ولما مات النبي ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به
    ولهذا قال الفقهاء يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى أمطروا وذهب الناس ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به
    والعلماء استحبوا السلام على النبي ﷺ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام هذا مع ما في النسائي وغيره عنه ﷺ أنه قال إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام وفي سنن أبي داود وغيره عنه أنه قال أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء
    فالصلاة عليه بأبي هو وأمي والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله
    وقد ثبت في الصحيح أنه قال من صلى علي مرة ﷺ بها عشرا
    والمشروع لنا عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين هو من جنس المشروع عند جنائزهم فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح والسنن والمسند أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم
    فهذا دعاء خاص للميت كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا أي ثم يخص الميت بالدعاء قال الله تعالى في حق المنافقين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية
    فلما نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأجل كفرهم دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلي عليه ويقام على قبره ولهذا جاء في السنن أن النبي ﷺ كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
    وأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت أو الإقسام على الله به أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة ولا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان وإنما حدث ذلك بعد ذلك بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل زرنا قبر النبي ﷺ
    وقال القاضي عياض كره مالك أن يقال زرنا قبر النبي ﷺ وذكرنا عن بعضهم أنه علله بلعنه ﷺ زوارات القبور
    قال القاضي عياض وهذا يرده قوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها
    وعن بعضهم أن ذلك لما قيل إن الزائر أفضل من المزور قال وهذا أيضا ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وقد ورد في حديث زيارة أهل الجنة لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في حقه
    قال والأولى أن يقال في ذلك إنما كراهة مالك له لإضافة الزيارة إلى قبر النبي ﷺ وأنه لو قال زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
    فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بأولئك قطعا للذريعة وحسما للباب
    قلت غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ زرنا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئا لا أهل الصحيح ولا السنن ولا أئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره
    وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة و من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي و من حج ولم يزرني فقد جفاني ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة
    لكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقا بعد أن كان قد نهى عنها كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وفي الصحيح عنه أنه قال استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة
    فهذه زيارة لأجل تذكير الآخرة ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك وكان ﷺ يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم فهذه زيارة مختصة بالمسلمين كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين
    وقد استفاض عنه ﷺ في الصحيح أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا
    وفي الصحيح أنه ذكرت له أم سلمة كنيسة بأرض الحبشة وذكرت من حسنها وتصاوير فيها فقال أولئك إذا مات فيها الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهذه في الصحيح
    وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك
    وفي السنن عنه ﷺ أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني
    وفي الموطأ وغيره عنه ﷺ أنه قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
    وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عنه ﷺ أنه قال إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد
    ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه ﷺ بأبي هو وأمي وكذلك عن أصحابه
    فهذا الذي نهى عنه من اتخاذ القبور مساجد مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى والدعاء لهم فالزيارة المشروعة من جنس الثاني والزيارة المبتدعة من جنس الأول
    فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص
    واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل وبإبطال الصلاة فيها وإن كان في هذا نزاع
    والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين
    إحداهما نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور وهي من مسائل الاستحالة وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة تطهر بالاستحالة وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد وقد ثبت في الصحيح أن مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حائطا لنبي النجار وكان فيه قبور من قبور المشركين ونخل وخرب فأمر النبي ﷺ بالنخيل فقطعت وبالخرب فسويت وبالقبور فنبشت وجعل النخل في صف القبلة فلو كان تراب القبور نجسا لكان ترب قبور المشركين نجسا ولأمر النبي ﷺ بنقل ذلك التراب فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره
    والعلة الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور لما يفضي إليه ذلك من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم
    والمعللون بالأولى كالشافعي وغيره عللوا بهذه أيضا وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره وعلله بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى
    وقد قال تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم قد ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة وغيره
    ويبين صحة هذه العلة أنه ﷺ لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا وقد قال ﷺ عن نفسه اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقال ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا
    فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ فسد ﷺ الذريعة وحسم المادة بأن لا يصلى في هذه الساعة وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله ولا يدعو إلا الله وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله لئلا يفضي ذلك إلى دعاء المقبورين والصلاة لهم وكلا الأمرين قد وقع
    فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتعزيمات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم على مذهب المشركين من الهند والصابئين والمشركين من العرب وغيرهم مثل طمطم الهندي وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالجبت والطاغوت وهم منتسبون إلى أهل الإسلام كما قال تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا وقد قال غير واحد من السلف الجبت السحر والطاغوت الأوثان وبعضهم قال الشيطان وكلاهما حق
    وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر و الشرك الذي هو عبادة الطاغوت كما يجمعون بين السحر وعبادة الكواكب وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل ودين جميع الرسل أنه شرك محرم بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه ومخاطبة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه لقومه كانت في نحو هذا الشرك وكذلك قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض إلى قوله تعالى إن ربك عليم حكيم
    فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكوكب أربابا يدعونها ويسألونها ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد أن كواكبا من الكواكب خلق السموات والأرض وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين ولهذا قال الخليل عليه السلام أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقال الخليل أيضا إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين والخليل صلوات الله عليه أنكر شركهم بعبادة الكواكب العلوية وشركهم بعبادة الأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك الكواكب أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم وكسر الأصنام كما قال تعالى عنه فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون
    والمقصود هنا أن الشرك بعبادة الكواكب وقع كثيرا وكذلك الشرك بالمقبورين من دعائهم والتضرع إليهم والرغبة إليهم ونحو ذلك
    فإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم فكيف إذا وجد ما هو عين الشرك من الرغبة إليهم سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره كما لا يقسم بمخلوق مطلقا وهذا القسم منهي عنه غير منعقدباتفاق الأئمة وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين أصحهما أنه نهي تحريم ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة فإن فيه قولين في مذهب أحمد وبعض أصحابه كابن عقيل طرد الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق ألبته ولا يقسم بمخلوق ألبته وهذا هو الصواب
    والإقسام على الله بنبيه محمد ﷺ ينبني على هذا الأصل ففيه هذا النزاع
    وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي ﷺ في منسك المروزي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا
    وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعا بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك واتفقوا على أن الله تعالى هو الذي يسأل وحده ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما يقسم على غيره بذلك كالأدعية المعروفة في السنن اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله الحنان المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام وفي الحديث الآخر اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وفي الحديث الآخر أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فهذه الأدعية ونحوها هي المشروعة باتفاق العلماء
    وأما إذا قال أسألك بمعاقد العز من عرشك فهذا فيه نزاع رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به ونقل عن أبي حنيفة كراهته
    قال أبو الحسن القدوري في شرح الكرخي قال بشر بن الوليد سمعت ابا يوسف قال أبو حنيفة رحمه الله لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك وهو قول لأبي يوسف قال أبو يوسف بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام بهذا الحق يكره
    فقد قالوا جميعا فالمسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقا عليه ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بالخالق فيه نزاع بينهم فلذلك تنازعوا فيه وأبو يوسف بلغه الأثر فيه أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة فجوزه لذلك
    وقد نازع في هذا بعض الناس وقالوا في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فاني لم أخرج اشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي وقد قال تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام على قراءة حمزة وغيره ممن خفض الأرحام وقال تفسيرها أي تساءلون به والأرحام كما يقال سألتك بالله وبالرحم
    ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا باعادة الجار فإنما قاله لما رأى غالب الكلام بإعادة الجار وإلا فقد سمع من الكلام العربي نثره ونظمه العطف بدون ذلك كما حكى سيبويه ما فيها غيره وفرسه ولا ضرورة هنا كما يدعى مثل ذلك في الشعر ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر قال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون
    وفي النسائي والترمذي وغيرهما حديث الأعمى الذي صححه الترمذي أنه جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين ويقول اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها اللهم فشفعه في ودعا الله فرد الله عليه بصره
    والجواب عن هذا أن يقال
    أولا لا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما قال تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين وكما قال تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة
    وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق
    وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعد الله الصادق وتنازعوا هل يوجب الله بنفسه على نفسه ويحرم بنفسه على نفسه على قولين
    ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه كتب ربكم على نفسه الرحمة وبقوله في الحديث القدسي الصحيح إني حرمت الظلم على نفسي الخ والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر
    وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما شاء لم يكن وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على المستأجر فهو جاهل في ذلك
    وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة ولا من باب ما أوجبه غيره عليه فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك
    وإذا سئل بما جعله سببا للمطلوب من التقوى والأعمال الصالحة التي وعد أصحابها بكرامته وأنه يجعل لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون فيستجيب دعاءهم ومن أدعية عباده الصالحين ومن شفاعة ذوي الوجاهة عنده فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا
    وأما إذا سئل بشيء ليس هو سببا للمطلوب فإما أن يكون إقساما به عليه فلا يقسم على الله بمخلوق وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة
    فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة ورحمته لهم أن ينصرهم ولا يخذلهم وأن يمنعهم ولا يعذبهم وهم وجهاء عنده يقبل من شفاعتهم ودعائهم مالا يقبله من دعاء غيرهم
    فإذا قال الداعي أسألك بحق فلان وفلان لم يدع ربه وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة فهو لم يسأله بسبب يوجب المطلوب
    وحينئذ فيقال أما نفس التوسل والتوجه إلى الله ورسوله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم فهذا مما لا نزاع فيه بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وقوله سبحانه أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه
    فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به أي يتوصل ويتقرب به إليه سبحانه سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا هو الدعاء بمعنى العبادة والدعاء بمعنى المسألة وإن كان كل منهما يستلزم الآخر لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده طلب حاجاته وتفريج كربته فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع وإن كان ذلك من العبادة والطاعة ثم يكون في أول الأمر قصده حصول ذلك المطلوب من الرزق والنصر والعافية مطلقا ثم الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله عز و جل ومعونته ومحبته والتنعم بذكره ودعائه ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي همته وهذا من رحمة الله بعباده يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية
    وقد يفعل العبد ابتداء ما أمر به لأجل العبادة لله والطاعة له ولما عنده من محبته والإنابة إليه وخشيته وامتثال أمره وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق والنصر والعافية
    وقد قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره الدعاء هو العبادة ثم قرأ قوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكلا النوعين
    قيل ادعوني أي اعبدوني وأطيعوا أمري استجب دعاءكم وقيل سلوني أعطكم وكلا النوعين حق
    وفي الصحيحين في قول النبي ﷺ في حديث النزول ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر
    فذكر أولا إجابته الدعاء ثم ذكر إعطاء المغفرة للمستغفر
    فهذا جلب المنفعة وهذا دفع المضرة وكلاهما مقصود الداعي المجاب
    وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وقد روى أن بعض الصحابة قال يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله هذه الآية
    فأخبر سبحانه أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ثم أمرهم بالاستجابة له وبالإيمان به كما قال بعضهم فليستجيبوا لي إذا دعوتهم وليؤمنوا بي إذا دعوتهم
    قالوا وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لألوهيته وبصحة الإيمان بربوبيته فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه كما قال تعالى ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله أي يستجيب لهم يقال استجابه واستجاب له
    فمن دعاه موقنا أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه وقد يكون مشركا وفاسقا فإنه سبحانه هو القائل وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه وهو القائل سبحانه وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا وهو القائل سبحانه قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون
    ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر إذا دعاه إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسوله كان ما يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق
    وقال تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن يريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا وقد دعا الخليل عليه الصلاة و السلام بالرزق لأهل الإيمان فقال وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر فقال الله تعالى ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير
    فليس كل من متعه الله برزق ونصر إما إجابة لدعائه وإما بدون ذلك يكون ممن يحبه الله ويواليه بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق
    وقد ذكروا أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم العذب فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم فاشتور ولاة أمر المسلمين وقالوا بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم فاضطرب بعض العامة فقال الملك لبعض العارفين أدرك الناس فأمر بنصب منبر له وقال اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقد دعوك مضطرين وأنت تجيب المضطر إذا دعاك فأسقيتهم لما تكفلت به من أرزاقهم ولما دعوك مضطرين لا لأنك تحبهم ولا لأنك تحب دينهم والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الايمان في قلوب عبادك المؤمنين فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم أو نحو هذا
    ومن هذا الباب من قد يدعو دعاء معتديا فيه إما بطلب مالا يصلح أو بالدعاء الذي فيه معصية الله من شرك أو غيره فإذا حصل بعض غرضه ظن أن ذلك دليل على أن عمله صالح بمنزلة من أملى له وأمده بالمال والبنين فظن أن ذلك مسارعة له في الخيرات قال تعالى أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون
    وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
    وقال تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أن ما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين والإملاء إطالة العمر وما في ضمنه من رزق ونصر
    وقال تعالى فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين
    وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع
    وقال تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين
    والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله فيثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا وقد يكون دعاء مسألة تقضي به حاجته ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة وقد يكون سببا لضرر دينه فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله سبحانه وعلى ما تعداه من حدوده
    فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها إليه تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته
    فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها وبدعاء أحياء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته
    ومن هذا الباب استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره
    وقول عمر رضي الله عنه إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا معناه نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته ليس المراد به إنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعله المبتدعون بعد موته وفي مغيبه كما يقول بعض الناس أسألك بجاه فلان عندك ويقولون إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه ويروون حديثا موضوعا إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كما ذكر عمر رضي الله عنه لفعلوا ذلك به بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس
    فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعله الأحياء دون الأموات وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره
    وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه
    فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته وأن قوله أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر كنا نتوسل إليك بنبينا فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد ثم قال يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه وقوله يا محمد يا نبي الله هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب
    فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال وإشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا أو لكون الداعي مجيبا له مطيعا لأمره مقتديا به فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو لمجرد الإقسام به على الله
    فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب وقد يراد به الإقسام
    ومن الأول حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا ليدعوا كل رجل منكم بأفضل عمله فقال أحدهم اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وأنها طلبت مني مائة دينار فلما أتيتها بها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم الا بحقه فتركت الذهب وانصرفت فإن كنت إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فأفرجت فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء وقال الآخر اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فناء بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت عنهم غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منها الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت أنا لا استهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون
    فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه
    ومن هذا ما يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال بحبي إياك إلا ما فرجت عني ففرج عنه
    وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله أبنها لما قالت اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك وسألت الله أن يحيي ولدها وأمثال ذلك
    وهذا كما قال المؤمنون ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد
    فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحب من العبودية والطاعة هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفا من عذابه وسؤال الله بأسمائه وصفاته كقوله أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض وبأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ونحو ذلك يكون من باب التسبب فإن كون المحمود المنان يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه
    وكونه الأحد الصمد يقتضي توحده في صمديته فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد الناس إليه في كل حوائجهم المستغنى عما سواه وكل ما سواه مفتقرون إليه لا غنى بهم عنه وهذا سبب لقضاء المطلوبات
    وقد يتضمن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه وصفاته
    وأما قوله في حديث أبي سعيد أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف
    لكن بتقدير ثبوته فهو من هذا الباب فإن حق السائلين عليه سبحانه أنه يجيبهم وحق المطيعين له أن يثيبهم فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته فهو من التوسل به والتوجه به ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله
    فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق
    ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق قالوا والاستعاذة لا تكون بمخلوق
    فأورد بعض الناس لفظ المعافاة فقال جمهور أهل السنة المعافاة من الأفعال وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون أن أفعال الله قائمة به وأن الخالق ليس هو المخلوق وهذا قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وهو قول أصحاب أبي حنيفة وقول عامة أصحاب أهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام والفلسفة
    وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضا
    فإن أهل الإثبات من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره واتصف به ذلك المحل لا غيره فإذا خلق الله لمحل علما أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك كان هو العالم به القادر به المتحرك به ولم يجز أن يقال أن الرب المتحرك بتلك الحركة ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين بل بما قام به من العلم والقدرة
    قالوا فلو كان قد خلق كلاما في غيره كالشجرة التي نادى بها موسى لكانت الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام فتكون الشجرة هي القائلة لموسى إنني أنا الله ولكان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال وغير ذلك كلاما له كالقرآن والتوراة والإنجيل بل كان كل كلام في الوجود كلامه لأنه خالق كل شيء وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص وأمثاله من هؤلاء الجهمية الحلولية الاتحادية
    فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان فإنه يقال إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به بل فعله هو المفعول المنفصل عنه وليس خلقه إلا مخلوقه
    وأما من طرد القاعدة وقال أيضا إن الأفعال قائمة به ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه وفرق بين الخلق والمخلوق فأطرد دليله واستقام
    والمقصود هنا أن استعاذة النبي ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته مع أنه لايستعاذ بمخلوق فهي كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لا يسأل بمخلوق
    ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وفي لفظ الترمذي من حلف بغير الله فقد أشرك قال الترمذي حديث حسن
    ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي ﷺ والحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله لأن لفظ الغير قد يراد به المباين المنفصل ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات الله أنها غيره ولم يطلقوا عليها أنها ليست غيره لأن لفظا الغير فيه إجمال قد يراد به المباين المنفصل فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلا في لفظ الغير وقد يراد به ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير له فيكون غيرا بهذا الاصطلاح ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى الغير والنزاع في ذلك لفظي ولكن بسبب ذلك حصل في مسائل الصفات من الشبهات مالا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في الألفاظ من الاشتراك والإبهامات كما قد بسط في غير هذا الموضع
    ولهذا يفرق بين قول القائل الصفات غير الذات وبين قوله صفات الله غير الله فإن الثاني باطل لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات ولهذا لا يقال صفات الله زائدة عليه سبحانه وإن قيل الصفات زائدة على الذات لأن المراد هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة فليس اسم الله متناولا لذات مجردة عن الصفات أصلا ولا يمكن وجود ذلك ولهذا قال أحمد رحمه الله في مناظرته للجهمية لا نقول الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ولكن نقول الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد وقد بسط في غير هذا الموضع
    ===
    اقتضاء الصراط المستقيم/19
    وأما قول الناس أسألك بالله وبالرحم وقراءة من قرأ تساءلون به والأرحام فهو من باب التسبب بها فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته فسؤال السائل بالرحم لغيره متوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم وبالصلاة عليهم
    ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال كنت إذا سألت عليا رضي الله عنه شيئا فلم يعطنيه قلت له بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه فيعطينيه أو كما قال
    فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر أو من باب قولهم أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك وليس ذلك بل جعفر هو أخو علي وعبد الله هو ابنه وله عليه حق الصلة فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر كما ثبت في الحديث إن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أو يولي وقوله إن من برهما بعد موتهما الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاد عهدهما من بعد موتهما وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما
    ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره لكن بين المعنيين فرق
    فإن السائل بالنبي طالب به متسبب به فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه وإلا كان يسأل ما به باطلا
    وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم بالمقسم به وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار المقسم وفي مثل هذا قيل إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره
    وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به
    فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض والمنع
    والثاني سؤال للمسؤل بما عنده من محبة المسؤل به وتعظيمه ورعاية حقه فإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال كسؤال الإنسان بالرحم
    ومن هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم
    وأما بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم ورعايته لحقوقهم التي أنعم بها عليهم فليس في ذلك ما يوجب حصول مقصود السائل إلا بسبب بين السائل وبينهم إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك وإما دعاؤهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه
    فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين إما بطاعتهم واتباعهم وإما بدعائهم وشفاعتهم أما مجرد دعاء الداعي وتوسله بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له فلا ينفعه وإن أعظم جاه أحدهم عند الله تعالى
    وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع
    والمقصود هنا أنه إذا كان السلف والائمة قالوا في سؤال الله بالمخلوق ما قد ذكرنا فكيف بسؤال المخلوق الميت سواء سئل الميت أن يسأل الله أو سئل قضاء الحاجة ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت وإما مع غيبته وصاحب الشريعة ﷺ حسم المادة وسد الذريعة بلعنة من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وأن لا يصلي عندها لله ولا يسأل إلا الله وحذر أمته ذلك فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك
    وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد
    وقد تبين أن أحد من السلف لم يكن يفعل ذلك إلا ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي ﷺ والصلاة في المواضع التي صلى فيها حتى أن النبي ﷺ توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله فإنه قصد أن يفعل مثل فعله في نزوله وصلاته وصبه للماء وغير ذلك ولم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها
    والكلام هنا في ثلاث مسائل
    إحداها أن التأسي به في صورة الفعل الذي فعله من غير أن يعلم قصده فيه أو مع عدم السبب الذي فعله فهذا فيه نزاع مشهور وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين وغيرهم يخالفهم في ذلك والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر رضي الله عنهما وليس هذا مما نحن فيه الآن
    ومن هذا الباب أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي ﷺ وصلى فيه إذا جاء وقت الصلاة فهذا من هذا القبيل
    المسألة الثانية أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتا لصلاته بل أراد أن ينشىء الصلاة والدعاء لأجل البقعة فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك وتواتر عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر لو فعل ذلك حجة على أبيه وعلى المهاجرين والأنصار
    والمسألة الثالثة أن لا تكون تلك البقعة في طريقه بل يعدل عن طريقه إليها إو يسافر إليها سفرا طويلا أو قصيرا مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ليصلي فيه ويدعو أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء وغيرهم أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء مثل مكان مبني على نعله ومثل ما في جبل قاسيون وجبل الفتح وجبل طور سيناء الذي ببيت المقدس ونحو هذه البقاع فهذا ما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله ﷺ وحال أصحابه من بعده أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك ولهذا قال أبو طالب في شعره ... وراق ليرقى في حراء ونازل ...
    وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ثم يرجع فيتزود لذلك حتى فجأه الوحي وهو بغار حراء فأتاه الملك فقال له اقرأ فقال لست بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ثم قال اقرأ فقلت لست بقارئ مرتين أو ثلاثا ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره الحديث بطوله
    فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث ثم أنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه أقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم افضل الخلق ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم عند المساجد التي يقال إنها مساجد عائشة والجبل الذي عن يمينك يقال له جبل التنعيم والحديبية غربيه ثم إنه اعتمر من العام القابم عمرة القضية ودخل مكة هو وكثير من أصحابه وأقاموا بها ثلاثا ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة فقاتل هوازن بوادي حنين ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة فأتى بعمرته من الجعرانة إلى مكة ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع وحج معه جماهير المسلمين لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من اصحابه يأتي غار حراء ولا يزوره ولا شيئا من البقاع التي حول مكة ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة وبمنى ومزدلفة وعرفات وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة وضربت له القبة - يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة ثم بعده خلفاءه الراشدين وغيرهم من السابقين الأولين لم يكونوا يسيرون إلى حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء
    وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وهو غار بجبل ثور يماني مكة لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء ولا بنى رسول الله ﷺ بمكة مسجدا غير المسجد الحرام بل تلك المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى وقد بنى هناك مسجد
    ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك وأسرعهم إليه ولكان علم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين مالم يأذن به الله
    وإذا كان حكم مقام نبينا ﷺ في مثل غار حراء الذي ابتدىء فيه بالإنباء والإرسال وأنزل عليه فيه القرآن مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته على رسوله ﷺ
    فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد أن يشرع قصدها والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك إذا كانت صحيحة ثابتة فكيف إذا علم أنها كذب أو لم يعلم صحتها
    وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي ﷺ لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود
    وقد اختلف في الركن اليماني فقيل يقبله وقيل يستلمه ويقبل يده
    وقيل لا يقبله ولا يقبل يده والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره
    والصواب أنه لا يقبله ولا يقبل يده فإن النبي ﷺ لم يفعل هذا ولا هذا كما تنطق به الأحاديث الصحيحه
    ثم هذه مسألة نزاع وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين ولا شيئا من جوانب البيت فإن النبي ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين وعلى هذا عامة السلف وقد روي أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت فاستلم معاوية الأركان الأربعة فقال ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين فقال معاوية ليس شيء من البيت متروكا فقال ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فرجع إليه معاوية
    وقد اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن وقال واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
    فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة لا يشرع تقبيلها بالفم ولا مسحه باليد فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها بالفم ولا مسحها باليد
    وأيضا فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها
    فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله فكيف بما يقال أن غيره صلى فيه أو نام عليه
    وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره هذا إذا كان النقل صحيحا فكيف بما لا يعلم صحته أو بما لا يعلم أنه كذب كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم ويزعمون عند الجهال أن هذا موضع قدم النبي ﷺ
    وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه وقدمي إبراهيم الخليل الذي لا شك فيه ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى فكيف بما يقال أنه موضع قدميه كذبا وافتراء عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس وغير ذلك من المقامات
    فإن قيل قد أمر الله أن تتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره
    قيل له هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة سواء أريد به المقام عند الكعبة موضع قيام إبراهيم أو أريد به المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لم يشركها فيه سائر البقاع كما خص البيت بالطواف فما خصت به تلك البقاع لا يقاس عليها غيرها وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها
    ونحن قد استدللنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع منه مثل ما شرع فيها
    ومن ذلك البنيه التي على جبل عرفات التي يقال إنها قبة آدم فإن هذه لا يشرع قصدها للصلاة والدعاء باتفاق العلماء بل نفس رقي الجبل الذي بعرفات الذي يقال له جبل الرحمة واسمه الأول على وزن هلال ليس مشروعا باتفاقهم وإنما السنة الوقوف بعرفات إما عند الصخرات حيث وقف النبي ﷺ وإما بسائر عرفات فإن النبي ﷺ قال عرفة كلها موقف وادفعوا عن بطن عرنة
    وكذلك سائر المساجد المبنية هناك كالمساجد المبنية عند الجمرات وبجنب مسجد الخيف مسجد يقال له غار المرسلات فيه نزلت سورة المرسلات وفوق الجبل مسجد يقال له مسجد الكبش ونحو ذلك لم يشرع النبي ﷺ قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك
    وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به فالأمر فيه أظهر إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة رسول الله ﷺ
    وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل ان أحج في أول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء ثم تبين لي أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئا من ذلك وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرا له بل هذا سنة مشروعة وأما قصد مسجد غيره هناك تحريا لفضله فبدعة غير مشروعة
    وأصل هذا أن المساجد التي تشد الرحال إليها هي المساجد الثلاثة كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وقد روي هذا من وجوه أخرى وهو حديث ثابت عن النبي ﷺ باتفاق أهل العلم متلقى بالقبول عنه
    فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف من الاعمال الصالحة وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة ولا يشرع شد الرحال إليه فإن في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا وكان ابن عمر يفعله وفي لفظ لمسلم فيصلي فيه ركعتين وذكره البخاري بغير إسناد
    وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم
    وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له أبو عامر الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وكان المشركون يعظمونه فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي ﷺ وفراره إلى الكافرين فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا والقصة مشهورة في ذلك فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به ورسوله بل لغير ذلك
    فدخل في معنى ذلك من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة من المشاهد وغيرها لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله ما يقوى بها شبهها بمسجد الضرار فقال الله تعالى لنبيه ﷺ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه وكان مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء كما ثبت في الصحيحين عنه أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا فكلا المسجدين أسس على التقوى ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي مسجد قباء يوم السبت
    وفي السنن عن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال الصلاة في مسجد قباء كعمرة رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن غريب
    وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة رواه أحمد والنسائي وابن ماجة
    قال بعض العلماء قوله من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء تنبيه على أنه لا يشرع قصده بشد الرحال بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها
    وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها ولكن لو نذر ذلك هل يجب بالنذر فيه قولان للعلماء
    أحدهما أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة وهذا أحد قولي الشافعي وهو مذهب أبي حنيفة وبناء على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع
    والقول الثاني وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناء إتيان المسجد الحرام وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين
    وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه وهذا يعم كل طاعة سواء كان جنسها واجبا أو لم يكن وإتيان الأفضل إجراء للحديث الوارد في ذلك
    وليس هذا موضع تفصيل هذه المسألة بل المقصود أنه لا يشرع السفر إلى مسجد غير الثلاثة ولو نذر ذلك لم يجب فعله باتفاق الأئمة وهل عليه كفارة يمين على قولين مشهورين
    وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء وأما سائر المساجد فلها حكم المساجد العامة ولم يخصها النبي ﷺ بإتيان ولهذا كان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن إلا قباء خاصة
    وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الاربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه قال جابر فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة وفي إسناد هذا الحديث كثير بن زيد وفيه كلام يوثقه ابن معين تارة ويضعفه أخرى
    وهذا الحديث يعمل به طائفة من اصحابنا وغيرهم فيتحرون الدعاء في هذا كما نقل عن جابر ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان بل في الزمان
    فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ وبنيت بإذنه ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر إليه إلا مسجد قباء فكيف بما سواها
    فصل
    وأما المسجد الأقصى فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب حين جاء عمر إليهم فسلم النصارى إليه البلد دخل إليه فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جدا كانت النصارى ألقتها عليها معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة ويصلون إليها فأخذ عمر في ثوبه منها وأتبعه المسلمون في ذلك ويقال أنه سخر لها الأنباط حتى نظفها ثم قال لكعب الأحبار اين ترى أن أبني مصلى المسلمين فقال ابنه خلف الصخرة فقال يا ابن اليهودية خالطتك يهودية أو كما قال فقال عمر ابنيه في صدر المسجد فإن لنا صدور المساجد فبناه في قبلي المسجد وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم الاقصى والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرما وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة وفي وادي وج الذي بالطائف نزاع بين العلماء
    فبنى عمر المصلى الذي هو في القبلة ويقال أن تحته درجا كان يصعد منها إلى أمام الأقصى فبناه على الدرج حيث لم يصل إلا أهل الكتاب ولم يصل عمر ولا المسلمون عند الصخرة ولا تمسحوا بها ولا قبلوها بل يقال إن عمر صلى عند محراب داود عليه السلام الخارج
    وقد ثبت أن عبد الله بن عمر كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه وصلى فيه ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها ولا يقرب شيئا من تلك البقاع وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم
    وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها عن بعض إلا ما بنى عمر رضي الله عنه لمصلى المسلمين
    وإذا كان المسجد الحرام ومسجد المدينة اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى بالإجماع فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف له فيه وجعله قبلة لعباده المؤمنين ومع هذا فليس فيه ما يقبل بالفم ولا ما يستلم باليد إلا ما جعله الله في الأرض بمنزلة اليمين وهو الحجر الأسود فكيف يكون في المسجد الأقصى ما يستلم أو يقبل
    وكانت الصخرة مكشوفة ولم يكن أحد من الصحابة لا ولاتهم ولا علماؤهم يخصها بعبادة وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما مع حكمهما على الشام وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه وإن كان لم يحكم عليها ثم كذلك في إمارة معاوية وابنه وابن ابنه
    فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى كان هو الذي بنى القبة على الصخرة وقد قيل أن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير أو يقصدونه بحجة الحج فعظم عبد الملك شأن الصخرة بما بناه عليها وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ليكثر قصد الناس للبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير والناس على دين الملوك وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا وصار بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر أن الله قال للصخرة أنت عرشي الأدنى فقال عروة يقول الله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض وأنت تقول أن الصخرة عرشه وأمثال هذا ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة ولا يتحرون الصلاة عندها حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى كان لا يأتي الصخرة وذلك أنها كانت قبلة ثم نسخت وهي قبلة اليهود فلم يبق في شريعتنا يوجب تخصيصها بحكم كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت وفي تخصيصها بالتعظيم مشابه لليهود وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت وعاشوراء ونحو ذلك
    وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن اليمين تغلظ ببيت المقدس بالتحليف عند الصخرة كما تغلظ في المسجد الحرام بالتحليف بين الركن والمقام وكما تغلظ في مسجده ﷺ بالتحليف عند منبره لكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة بل السنة أن تغلظ اليمين فيه كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء ونحو ذلك ومن فعل ذلك فهو ضال مبتدع مخالف للشريعة
    وقد صنف طائفة من الناس مصنفات من فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم مالا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب الأحبار وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الإسرائيليات وقد قال معاوية رضي الله عنه ما رأينا من هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما أن يحدثكم بحق فتكذبوه
    ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي ﷺ بحديث كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين توقف أهل العلم في مراسيلهم فمنهم من يرد المراسيل مطلقا ومنهم من يتقبلها بشروط ومنهم من يميز بين من عادته أن لا يرسل إلا عن ثقة كسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومحمد ابن سيرين وبين من عرف عنه أنه قد يرسل عن غير ثقة كأبي العالية والحسن وهؤلاء ليس بين أحدهم وبين النبي ﷺ إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة مثلا وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتاب مرسلة فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق العلماء إلا أن يعرف أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث الذين لا يحدثون إلا بما صح كالبخاري في المعلقات التي يجوز ! فيها بأنها صحيحة عنده وما وقفه كقوله وقد ذكر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ونحو ذلك فإنه حسن عنده هذا وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة وأكثر وأقل وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك بمجرد هذا النقل بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضا إلا بدليل يدل على كذبه وهكذا أمرنا النبي ﷺ
    وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أو ما هو منسوخ في شريعتنا مالا يعلمه إلا الله
    ومعلوم أن أصحاب النبي ﷺ من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي ﷺ وسكنوا بالشام والعراق ومصر وغير هذه الأمصار وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه
    فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والذين فعل ذلك لأن اتباع سبيلهم أولى من اتباع سبيل من خالف سبيلهم وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها
    وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما أتى بيت المقدس ليلة الاسراء صلى فيه ركعتين ولم يصل بمكان غيره ولا زاره وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح وفيه ما هو في السنن أو في المسانيد وفيه ما هو ضعيف وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي ﷺ قال له جبرائيل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه
    وأعجب من ذلك أنه قد روي فيه أنه قيل له في المدينة انزل فصل ههنا قبل أن يبني مسجده وإنما كان المكان مقبرة المشركين والنبي ﷺ بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين سواء كان مولد عيسى أو لم يكن بل قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من يأتيه للصلاة عنده ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلا وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب واستوطن الشام خلائق من الصحابة وليس فيهم من فعل شيئا من هذا ولم يبن المسلمون عليه مسجدا أصلا لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة لما أخذوا البيت المقدس بسبب استيلاء الرافضة على الشام لما كانوا ملوك مصر والرافضة أمة مخذولة ليس لها عقل صحيح ولا نقل صريح ولا دين مقبول ولا دنيا منصورة قويت النصارى وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة وحينئذ نقبت النصارى حجرة الخليل صلوات الله عليه وجعلت لها بابا وأثر النقب ظاهر في الباب فكان اتخاذ ذلك معبدا مما أحدثته النصارى ليس من عمل سلف الأمة وخيارها
    فصل
    وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه
    ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره
    وأما مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى فإن ما يشرع فيهما من العبادات يشرع في سائر المساجد كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف ولا يشرع فيهما جنس مالا يشرع في غيرهما لا تقبيل شيء ولا استلامه ولا الطواف به ونحو ذلك لكنهما أفضل من غيرهما فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما
    أما مسجد النبي ﷺ فقد ثبت في الصحيح أن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وروي هذا عن النبي ﷺ من غير وجه
    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاةفي غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد
    وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ص - قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام
    وفي مسلم أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن امرأة اشتكت شكوى فقالت إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ فأخبرتها بذلك فقالت اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة
    وفي المسند عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله ﷺ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة قال أبو عبد الله المقدسي إسناده على رسم الصحيح
    ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بغار حراء ونحوه فكان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله
    والاعتكاف من العبادات المشروعة بالمساجد باتفاق الأئمة كما قال تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد أي في حال عكوفكم في المساجد لا تباشروهن وإن كانت المباشرة خارج المسجد ولهذا قال الفقهاء إن ركن الاعتكاف لزوم المسجد لعبادة الله ومحظوره الذي يبطله مباشرة النساء
    فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر تمثال أو غير تمثال أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي فليس هذا من دين المسلمين بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في كتابه حيث قال ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون
    وقال تعالى واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي أنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
    وقال تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون
    فهذا عكوف المشركين وذاك عكوف المسلمين
    فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له وعكوف المشركين على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ومن يتخذونهم شركاء لله وشفعاء عند الله
    فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالقان ولا إن الله معه إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا يقرون بأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم بقوله ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقوله تعالى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون
    وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فقال تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم
    وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض
    وقال تعالى ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض
    وقال تعالى عن صاحب يس ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون
    وقال تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون
    وقال تعالى مالكم من دونه من ولي ولا شفيع
    وقال تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون
    وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق طرفان ووسط
    فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة اثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن
    والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الانسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وبقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وغير ذلك
    وأما سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعاته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة
    وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته والصدقة عنه بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة وما كان في معنى الصوم
    وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه قال تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقال وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى
    وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت منه الشفاعة بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيردونها إلى محمد ﷺ العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال فأذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فاقول رب أمتي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة
    =======
     

    اقتضاء الصراط المستقيم/20

     



    وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا

    قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤلين كانوا يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه

    وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال يا ابا هريرو لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله

    فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله كان أحق بالشفاعة

    وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة

    فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه وإما لخوفه منه فيحتاج أن يقبل شفاعته عنده والله تعالى غني عن العالمين وهو وحده سبحانه يدبر العالمين كلهم فما من شفيع إلا من بعد إذنه فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة وهو يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له

    فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته

    وأفضل الخلق محمد ﷺ ثم إبراهيم وقد امتنع النبي ﷺ أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال لأستغفرن لك مالم أنه عنك وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره وقال الله له أولا إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فقال لو أعلم اني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت فأنزل الله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم

    وقال تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود

    ولما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه بعد وعده بقوله ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم واللذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وقال تعالى ما كان للنبي واللذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه

    والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم وللمؤمنين على المؤمنين حقوق مشتركة

    ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال كنت رديف النبي ﷺ فقال لي يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم

    فالله تعالى مستحق أن يعبد لا يشرك به شيء وهذا هو أصل التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزلت به الكتب

    قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

    ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه ولا نتقي إلا إياه كما قال تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون

    فجعل الطاعة لله وللرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وكذلك قال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى ربنا راغبون

    فجعل الإيتاء لله وللرسول كما قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فالحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول والدين ما شرعه الرسول

    وجعل التحسب بالله وحده فقال تعالى وقالوا حسبنا الله ولم يقل ورسوله كما قال تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقال تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين أي حسبك وحسب من اتبعك الله فهو وحده كافيكم ومن ظن أن معناها حسبك الله والمؤمنون فقد غلط غلطا عظيما لوجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع

    ثم قال وقالوا سيؤتينا الله من فضله ورسوله فجعل الفضل لله وذكر الرسول في الإيتاء لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول فليس لأحد أن يأخذ كل ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة

    ثم قال إنا إلى الله راغبون فجعل الرغبة إلى الله وحده دون ما سواه كما قال تعالى في سورة الإنشراح فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب فأمر بالرغبة إليه

    ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا وإن كان قد أباح ذلك في بعض المواضع لكنه لم يأمر به بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فجعل من صفاتهم أنهم لا يسترقون أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم ولم يقل لا يرقون وإن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم فهو غلط فإن النبي ﷺ رقى نفسه وغيره لكنه لم يسترق فالمسترقي طالب الدعاء من غيره بخلاف الراقي لغيره فإنه داع له

    وقد قال ﷺ لابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله

    فالله هو الذي يتوكل عليه ويستعان به ويستغاث به ويخاف ويرجى ويعبد وتنيب القلوب إليه لا حول ولا قوة إلا به ولا منجى منه إلا إليه والقرآن كله يحقق هذا الأصل

    والرسول ﷺ يطاع ويحب ويرضى به ويسلم إليه حكمه ويعزر ويوقر ويتبع ويؤمن به وبما جاء به قال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وقال تعالى والله ورسوله أحق ان يرضوه وقال تعالى قل إن كان آباؤكم وابناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

    وفي الصحيحين عنه ﷺ قال ثلاث من كن فيه وجد حلاة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وقال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي قال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر

    وقال تعالى قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقال تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله أو تعزروه وتوقروه أي الرسول خاصة وتسبحوه بكرة وأصيلا أي تسبحوا الله تعالى

    فالإيمان بالله والرسول والتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله وحده

    وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع

    وقد بعث الله محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله ﷺ لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده

    والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة

    فالصلاة لله وحده والصدقة لله وحده والصيام لله وحده والحج لله وحده إلى بيت الله وحده فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها ولهذا كان الحج شعار الحنيفية حتى قال طائفة من السلف حنفاء لله أي حجاجا فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت

    قال طائفة من السلف لما أنزل الله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه قالت اليهود والنصارى نحن مسلمون فأنزل الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقالوا ألا نحج فقال تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين

    وقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا الآية عام في الأولين والآخرين بأن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه وعليه عبادة المؤمنون كما ذكر الله ذلك في كتابه من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض نوح وإبراهيم وإسرائيل وموسى وسليمان وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين

    قال الله تعالى في حق نوح واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين

    وقال تعالى في إبراهيم وإسرائيل ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وآله آبائك إبراهيم وإسحاق آلها واحدا ونحن له مسلمون

    وقال تعالى عن يوسف رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين

    وقال تعالى عن موسى وقومه وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

    وقال في أنبياء بني إسرائيل إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار الآية

    وقال تعالى عن بلقيس رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

    وقال تعالى عن أمة عيسى وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون

    وقال تعالى عنهم أيضا ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين

    وقال تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا

    وقال تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

    وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده وهو محسن بالعمل الصالح المشروع المأمور به

    وهذان الأصلان جماع الدين أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع

    وقال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

    وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا

    قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما اصوبه وأخلصه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة

    وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكبار ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله

    فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك

    وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان

    فالمؤمنون يحبون الله ولله والمشركون يحبون مع الله كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من ون الله أندادا يحبونهم كحب الله واللذين آمنوا أشد حبا لله

    والشهادة بأن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه كما يجب على الخلق أن يثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات فيخلصون من التعطيل والتمثيل ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا مالم يحرمه الله ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا إلى آخر السورة

    وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله

    وقد قال تعالى لنبيه ﷺ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه

    فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

    وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم

    وقد قال تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

    فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ولا يدينون دين الحق

    والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث

    ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة قولنا لا إله إلا الله فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين

    وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقيل له يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذلك قال لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم

    فاليهود موصوفون بالكبر والنصارى موصوفون بالشرك

    قال الله تعالى في نعت اليهود أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم

    وقال في نعت النصارى أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

    ولهذا قال تعالى في سياق الكلام مع النصارى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

    وقال تعالى في سياق تقريره للإسلام وخطابه لأهل الكتاب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق إلى قوله وما الله بغافل عما تعملون

    ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدا وإن تنوعت شرائعه قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد والأنبياء إخوة لعلات و إن أولى الناس بابن مريم لأنا فليس بيني وبينه نبي فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت

    وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة كما أمر النبي المسلمين بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة

    فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته ولهذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة فكان الاجتماع يوم السبت واجبا إذ ذاك ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت

    فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلما

    ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه

    فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه

    وقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون

    وقال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون

    ثم قال منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون

    فأهل الإشراك متفرقون وأهل الإخلاص متفقون

    وقد قال تعالى ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم فأهل الرحمة مجتمعون متفقون والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا

    ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع يفترق أهله فكان لكل قوم من مشركي العرب طاغوت يتخذونه ندا من دون الله فيقربون له ويستعينون به ويشركون به وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء بل قد يكون لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين

    كما كان أهل المدينة يهلون لمناة الثالثة الأخرى ويتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة حتى أنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية

    وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو هذا الشرك كالذين يتخذون القبور وآثار الأنبياء والصالحين مساجد تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستعانة والتوجه من لا تعظمه الطائفة الأخرى بخلاف أهل التوحيد فإنهم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئا في بيوته التي قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه مع أنه قد جعل لهم الأرض كلها مسجدا وطهورا وإن حصل بينهم تنازع في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك لهم تفرقا ولا اختلافا بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران وأن المجتهد المخطيء له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له والله هو معبودهم وحده إياه يعبدون وعليه يتوكلون وله يخشون ويرجون وبه يستعينون ويستغيثون وله يدعون ويسألون فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد كانوا مبتغين فضلا منه ورضوانا كما قال تعالى في نعتهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا

    وكذلك إذا سافروا إلى أحد المساجد الثلاثة لا سيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه قال تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا فهم يؤمون بيته يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا لا يرغبون إلى غيره ولا يرجون سواه ولا يخافون إلا إياه

    وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم واستزلهم عن إخلاص الدين لربهم إلى أنواع من الشرك فيقصدون بالسفر والزيارة رضى غير الله والرغبة إلى غيره ويشدون الرحال إما إلى قبر نبي أو صاحب أو صالح أو ما يظنون أنه نبي أو صاحب أو صالح داعين له راغبين إليه

    ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور

    ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت

    ومن شيوخهم من يقصد حج البيت فإذا وصل إلى المدينة رجع مكتفيا بزيارة القبر وظن أن هذا أبلغ

    ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبور واجبة

    وأكثرهم يسأل الميت المقبور كما يسأل الحي الذي لا يموت فيقول يا سيدي فلان اغفر لي وارحمني وتب علي او يقول اقض عني الدين وانصرني على فلان وأنا في حسبك وجوارك

    وقد ينذرون أولادهم للمقبور ويسيبون له السوائب من البقر والغنم وغيرها كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم قال تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام وقال تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون

    ومن السدنة من يضلل الجهال فيقول أنا أذكر حاجتك لصاحب الضريح وهو يذكرها للنبي يذكرها لله

    ومنهم من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب من الستور والثياب ويضع عنده من مصوغ الذهب والفضة مما قد أجمع المسلمون على أنه من دين المشركين وليس من دين الإسلام والمسجد الجامع معطل خراب صورة ومعنى

    وما أكثر من يعتقد من هؤلاء أن صلاته عند القبر المضاف إلى بعض المعظمين مع أنه كذب في نفس الأمر أعظم من صلاته في المساجد الخالية من القبور والخالصة لله فيزدحمون للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة التي نهى النبي ﷺ عن اتخاذها مساجد وإن كانت على قبور الأنبياء ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه والتي قال فيها إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين

    ومن أكابر شيوخهم من يقول الكعبة في الصلاة قبلة العامة والصلاة إلى قبر الشيخ فلان مع استدبار الكعبة قبلة الخاصة

    وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين

    وهذه المسائل التي تحتمل من البسط وذكر أقوال العلماء فيها ودلائلها أكثر مما كتبناه في هذا المختصر

    وقد كتبنا في ذلك في غير هذا الموضع مالا يتسع له هذا الموضع

    وإنما نبهنا فيه على رؤس المسائل وحبس الدلائل والتنبيه على مقاصد الشريعة وما فيها من إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وما سدته من الذريعة إلى الشرك دقه وجله فإن هذا هو أصل الدين وحقيقة دين المرسلين وتوحيد رب العالمين

    وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم

    فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضا وسموا أنفسهم أهل التوحيد وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات ووجودا مطلقا بشرط الإطلاق وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ما سموه تركيبا وظنوا أن العقل ينفيه كما قد كشفنا أسرارهم وبينا فرط جهلهم وما أضلهم من الألفاظ المجملة المشتركة في غير هذا الموضع

    وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال

    ومن أهل الكلام من أطال نظره في تقرير هذا الموضع إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة وفوات الكمال وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال وإما بغير ذلك من الدلائل ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله إلا هو وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله وأنه لا شريك له في الخلق كان هذا عندهم هو معنى قولنا لا إله إلا الله ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون الآيات وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال ابن عباس وغيره تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره

    وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله بل لا بد أن يخلص لله الدين والعبادة فلا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه كله لله

    والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وكونه يستحق الإلهية مستلزما لصفات الكمال فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا

    وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع

    وبينا أن هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع الدال على وحدانية الرب تعالى فإن التمانع وجود المفعول لا يوجب فساده بعد وجوده وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات

    والثاني يذكر في الحكم والنهايات التي تذكر في العلل التي هي الغايات كما في قوله إياك نعبد وإياك نستعين فقدم الغاية المقصودة على الوسيلة الموصلة كما قد بسط في غير هذا الموضع

    ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر لشمول القدرة لكل مخلوق وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه

    فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رسله

    قال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وقال تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين الخ

    ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه وبين ما أمر به وأوجبه من الإيمان والأعمال الصالحات وبين ما كرهه ونهى عنه وأبغضه من الكفر والفسوق العصيان مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء وإلا وقع في دين المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء

    والقدر يؤمن به ولا يحتج به بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب كما قال تعالى فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ولهذا حج آدم موسى عليهما السلام لما لام موسى آدم لأجل المصيبة التي حصلت لهم بأكله من الشجرة فذكر له آدم أن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق فحج آدم موسى كما قال تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير وقال تعالى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه

    قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم

    فهذا وجه احتجاج آدم بالقدر ومعاذ الله أن يحتج آدم أو من هو دونه من المؤمنين على المعاصي بالقدر فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يحتج إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس بذلك ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان ولم يعاقب ربنا أحدا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار شرعا وعقلا

    فإن هذا القول لا يطرده أحد من العقلاء فإن طرده يوجب أن لا يلام أحد على شيء ولا يعاقب عليه

    وهذا المحتج بالقدر لو جنى عليه جان لطالبه فإن كان القدر حجة فهو حجة للجاني عليه وإلا فليس حجة لا لهذا ولا لهذا

    ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا لم يمكن للناس أن يعيشوا إذ كان لكل من اعتدى عليهم أن يحتج بذلك فيقبلوا عذره ولا يعاقبوه ولا يمكن اثنين من أهل هذا القول أن يعيشا إذ لكل منهما أن يقتل الآخر ويفسد جميع أموره محتجا على ذلك بالقدر

    ثم إن أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر إذا حققوا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود كما قاله أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد الذين يعظمون الأصنام وعابديها وفرعون وهامان وقومهما ويجعلون وجود خالق الأرض والسموات هو وجود كل شيء من الموجودات ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس والبهتان

    يقول عارفهم السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية أي نظرا إلى الأمر ثم يرى طاعة بلا معصية أي نظرا إلى القدر ثم لا طاعة ولا معصية أي نظرا إلى أن الوجود واحد ولا يفرق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود

    والوجود ينقسم إلى قائم بنفسه وقائم بغيره وواجب وممكن بنفسه كما أن الحيوانات مشتركة في مسمى الحيوان والأناسي مشتركون في مسمى الإنسان مع العلم الضروري بأنه ليس عين وجود هذا الانسان هو عين وجود هذا الفرس بل ولا عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته هو عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته لكن بينهما قدر مشترك تشابها فيه قد يسمى كليا مطلقا وقدرا مشتركا ونحو ذلك وهذا لا يكون في الخارج عن الأذهان كليا عاما مطلقا بل لا يوجد إلا معينا مشخصا فكل موجود فله ما يخصه من حقيقته مما لا يشركه فيه غيره بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتركا فيه ولكن تشابها ففي هذا نظير ما في هذا كما أن هذا نظير هذا وكل منهما متميز بذاته وصفاته عما سواه فكيف الخالق سبحانه وتعالى

    وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع البسط الذي يليق به فإنه مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أحلام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

    ومن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات والخلق والأمر فيميز بين المأمور المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما وأثبت للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته المخلوقات وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته أثبت التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما نبه على ذلك في سورتي الإخلاص قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد فإن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن إذ كان القرآن باعتبار معانيه ثلاث أثلاث ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي لأن القرآن كلام الله والكلام إما إنشاء وإما إخبار والإخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق والإنشاء أمر ونهي وإباحة فقل هو الله أحد فيها ثلث التوحيد الذي هو خبر عن الخالق وقد قال ﷺ قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وعدل الشيء بالفتح يكون ما ساواه من غير جنسه

    كما قال تعالى أو عدل ذلك صياما وذلك يقتضي أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر ولا يكون مثله في الصفة كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص

    وسورة قل هو الله أحد فيها التوحيد القولي العملي الذي تدل عليه الأسماء والصفات ولهذا قال تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع

    وسورة قل يا أيها الكافرون فيها التوحيد القصدي العملي كما قال تعال قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كل واحد منهما يقر بأن الله رب كل شيء ومليكه ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه ممن عبدوا غيره واشركوا به أو نظروا إلى القدر الشامل لكل شيء فسوى بين المؤمنين والكفار كما كان يفعل المشركون من العرب ولهذا قال ﷺ إنها براءة من الشرك

    وسورة قل هو الله أحد فيها إثبات الذات وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق الأحد الصمد عن المعطلين له بالحقيقة نفاة الأسماء والصفات المضاهين لفرعون وأمثاله ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود وإن كان في الباطن يقر به كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا

    والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل يقولون ليس كذا لس كذا ليس كذا فإذا أرادوا إثباته قالوا وجود مطلق بشرط النفي أو بشرط الإطلاق وهم يقرون في منطقهم اليوناني أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج فليس في الخارج حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق ولا موجود مطلق بشرط الإطلاق بخلاف المطلق لا بشرط الذي يطلق على هذا وهذا وينقسم إلى هذا وهذا فإن هذا يقال إنه في الخارج لا يكون إلا معينا مشخصا أو يقولون إنه الوجود المشروط بنفي كل ثبوت عنه منه فيكون مشاركا لسائر الموجودات في مسمى الوجود متميزا عنها بالعدم وكل موجود متميزا بأمر ثبوتي والوجود خير من العدم فيكون أحقر الموجودات خيرا من العدم وذلك ممتنع لأن المتميز بين الموجودين لا يكون عدما محضا بل لا يكون إلا وجودا

    فهؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل المتأخرين من الفلاسفة المشائين يقولون في وجود واجب الوجود ما يعلم بصريح المعقول الموافق لقوانينهم المنطقية أنه قول بامتناع وجود الواجب وأنه جمع بين النقضيين وهذا هو في غاية الجهل والضلال

    وأما الرسل صلوات الله عليهم فطريقتهم طريقة القرآن قال سبحانه وتعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

    والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم غفور رحيم سميع بصير علي عظيم خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش وكلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا يرضى عن المؤمنين ويغضب على الكافرين إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات

    ويقول في النفي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد هل تعلم له سميا فلا تجعلوا لله أندادا فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين وأنه ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في شيء من صفاته ولا أفعاله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا

    فالمؤمن يؤمن بالله وما له من الأسماء الحسنى ويدعوه بها ويجتنب الإلحاد في أسمائه وآياته قال تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه وقال تعالى إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا وهو يدعو الله وحده ويعبده وحده ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن اذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير

    وهذه جمل لها تفاصيل ونكت تشير إلى خطب جليل

    فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والأيمان وليتخذ الله هاديا ونصيرا وحاكما ووليا فإنه نعم المولى ونعم النصير وكفى بربك هاديا ونصيرا

    وإن أحب دعا بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي من الليل يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم

    وذلك أن الله تعالى يقول كان الناس أمة واحدة أي فاختلفوا كما في سورة يونس وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا وقد قيل إنها كذلك في حرف عبد الله فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

    والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين كل وقت وحين آمين

    ==

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب الفرق بين التفريق والتسريح/ دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

الرئيسـية البحث نتائج البحث أحدث الكتب المضافة إحصائيات أضف كتاباً ابحث في المكتبة الالكترونية نتائج البحث عن دكتور عبد الغفار سليمان ...